واشنطن بوست: خاشقجي ضحية هوس الأمن السيبراني السعودي

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/6B5NQd
يوصف سعود القحطاني بـ"وزير الذباب الإلكتروني"

يوصف سعود القحطاني بـ"وزير الذباب الإلكتروني"

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 08-12-2018 الساعة 10:52

تناول الكاتب في صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية، ديفيد أغناتيوس، أساليب السعودية في مراقبة معارضيها بالداخل والخارج من خلال استخدام أحدث أنواع التجسس الإلكتروني، وباستخدام أجهزة إسرائيلية.

ويقول الكاتب إن الصحفي السعودي، جمال خاشقجي، لم يكن يعلم وهو يدخل قنصلية بلاده في إسطنبول أنه هدف رئيسي في حرب المعلومات التي شنّها ولي العهد، محمد بن سلمان، ضد معارضيه، والتي تضمّنت قرصنة واختطافاً، وحتى القتل.

ويؤكد الكاتب أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" والإمارات، ودولاً أخرى، "دعمت السياسات السعودية لمكافحة التطرّف من خلال تقديم الدعم في مجال التجسس الإلكتروني، لكنها أفضت إلى نهاية كارثية (في إشارة إلى قتل خاشقجي)".

ويوضح أن مركز الدراسات والشؤون الإعلامية في الرياض الذي كان يديره سعود القحطاني (أُقيل مؤخراً)، كان في مقدمة من أدّى دوراً كبيراً في استخدام التكنولوجيا المتطوّرة للتجسس ومراقبة المعارضين.

لقد عمل القحطاني وزملاؤه بداية مع شركة هاكينغ تيم، وهي شركة إيطالية، ثم سعوا للحصول على منتجات شركتين إسرائيليتين؛ وهما مجموعة "NOS"، وشركة تابعة لها تُدعى "كيو سايبر"، إضافة إلى شركة "دارك ماتر" الإماراتية.

وبحسب مصادر مطّلعة، فإن القحطاني بنى شبكة مراقبة، وتلاعب بوسائل التواصل الاجتماعي في إطار حملته ضد جماعة "الإخوان المسلمين"، وأعدائه أيضاً، في إشارة على ما يبدو إلى معارضي بن سلمان.

ويشير الكاتب إلى أن السعودية بدأت ببناء حامية إنترنت منذ نحو 10 سنوات، عندما كان القحطاني يخدم الملك السابق، عبد الله، حيث سعى السعوديون وقتها لتسليح أنفسهم في مجال الفضاء السيبراني.

ويضيف: "لقد أخبرني مسؤول استخباري أوروبي أن الأدوات التي تحتاجها (السعودية) لمكافحة الإرهاب هي نفس الأدوات التي تحتاجها لقمع المعارضة".

هوس "السوشيال ميديا"

يعود هوس السعودية بوسائل التواصل الاجتماعي إلى الثورات العربية، التي اندلعت عام 2011؛ فلقد خشيت الرياض أن تكون هي التالية فيما سمّاه مارك لينش، خبير السياسة العربية بجامعة جورج واشنطن، "احتجاجات الهاشتاغ".

لقد راقبت السعودية من كثب اتصالات مواطنيها وأنشطتهم السياسية الأخرى، وقدّمت وسائل الإعلام الرقمي فرصاً جديدة للقيام بهذا النوع من المراقبة والقمع أيضاً، كما يقول الكاتب.

وفي 2013، سعت الرياض لشراء برامج من شركة "هاكينغ تيم" الإيطالية، القادرة على اختراق أجهزة آيفون وآيباد. وعام 2015 أرادت الوصول إلى هواتف آندرويد، بحسب سجلات الشركة التي كشف عنها موقع "ويكيليكس".

ومع وصول الملك سلمان إلى الحكم، عام 2015، أراد القحطاني أن يثبت ولاءه للملك الجديد وابنه، حتى تحوّل إلى شخصية لا غنى عنها، لكنها شخصية خطيرة؛ بسبب أنه كان مقرّباً من الدائرة الداخلية لبن سلمان، كما يصفه الكاتب.

شراكة استراتيجية

بعد أن أصبح بن سلمان ولياً لولي العهد، في أبريل 2015، دفع القحطاني لتعزيز عملياته في مجال الأمن السيبراني، ففي 29 يونيو من العام نفسه، طلب من رئيس الشركة تزويده بقائمة من الخدمات التي تقدّمها.

وبعد تسريبات "ويكيليكس"، واجهت الشركة صعوبات مالية، ما دفع بالسعوديين لعرض شراكة استراتيجية طويلة الأمد، واشتروا ما نسبته 20% من أسهمها.

ويقول مسؤول أمريكي سابق عمل في الديوان الملكي: إن "السعوديين شعروا أنهم ما داموا قد قمعوا التطرّف فإن لديهم شيكاً على بياض (من واشنطن) لملاحقة الناس في بلادهم أيضاً".

ويسرد الكاتب جزءاً من مشاهداته لمركز رقمي جديد لمكافحة الإرهاب: "لقد أُطلعت عليه أثناء زياراتي للسعودية، في 2017- 2018. كان منشأة حديثة للغاية، فيه عشرات الفنيين يجلسون على شاشات كمبيوتر لمراقبة وسائل التواصل الاجتماعي".

كان السعوديون، بحسب الكاتب، "يقاتلون في الفضاء السيبراني كلاً من تنظيم الدولة، والجماعات الشيعية المدعومة من إيران، وكان العدو هو التطرّف، كما أبلغني المسؤولون السعوديون، وكما أبلغ بن سلمان المسؤولين في أوروبا وأمريكا".

بن سلمان.. ولع بلا خبرة

يصف الكاتب أغانتيوس، بن سلمان بأنه "شخص عديم الخبرة"، وهو ما أدى لاندفاعه لمغامرات محفوفة بالمخاطر؛ على الأرض وفي الفضاء السيبراني.

ويضيف: "لقد اندفع لمحاربة الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، وبدأ حملة هناك مدمّرة مستمرة حتى اليوم، كما أطلق حرباً سيبرانية ضد قطر المجاورة، خاضتها جزئياً الروبوتات الآلية وغيرها من أدوات التلاعب الاجتماعي".

وفي 2017، تسارعت الحملة السعودية الرقمية لعدة أسباب؛ منها أن جماعة بن سلمان شعروا بتهديد منافسيهم الداخليين في العائلة المالكة، خاصة بعد تقارير عن محاولتي اغتيال لبن سلمان، وفق مصادر في المخابرات الأمريكية.

المصادر قالت إن بن سلمان أسقط محمد بن نايف، ولي العهد، في يونيو 2017، ثم اعتقل أكثر من 200 أمير ومسؤول، وغيرهم من السعوديين، في حملة "الريتز كارلتون"، بعد أن وردته معلومات عن تحرّكات لإبعاده.

في هذه الأثناء كان القحطاني قائداً في ميدان الفضاء السيبراني، فحثّ السعوديين من أجل تقديم أسماء عبر هاشتاغ القائمة السوداء، وقد أعلنها صريحة بأنه لا يفعل مثل هذه الأفعال ويتخذ مثل هذه القرارات من دون توجيه.

صفقة الشيطان

ويصف الكاتب الاتفاق الذي وقّعته السعودية مع شركة معلومات إسرائيلية بـ"صفقة الشيطان"، مضيفاً: "لقد عرف السعوديون أن عدوّهم التاريخي إسرائيل لديها قدرات عالية في هذا المجال، وأبدوا استعداداً لشرائها".

وكانت النتيجة، بحسب الكاتب، أحد أكثر التحالفات الاستخبارية إثارة في تاريخ الشرق الأوسط؛ حيث بدأت الشركة الإسرائيلية بمشاركة بعض السعوديين أسرارها الإلكترونية.

ويضيف: "كانت صفقة شيطانية؛ حصلت إسرائيل على حليف سنّي عربي ضد إيران، وأيضاً فرصة من خلال التعاون السيبراني لجمع معلومات عن السعودية، كما حصل بن سلمان على أدوات جديدة لمحاربة أعدائه".

وينقل الكاتب عن 3 مسؤولين أمريكيين سابقين قولهم: إن "السعودية سعت على وجه التحديد لشراء نظام متطوّر للقرصنة الهاتفية يُدعى بيغاسوس، والذي طوّرته شركة NOS  الإسرائيلية".

بداية عملت السعودية مع شركة تابعة للشركة الإسرائيلية الأم وتُدعى "كيو سايبر"، ومقرّها لوكسمبورغ، حيث وعدت تلك الشركة السعوديين بأنها تستطيع الوصول إلى هواتف نصف دول الشرق الأوسط، إضافة إلى عدد من أكبر الدول في أوروبا.

وكان بعض الإسرائيليين يشعرون بالقلق من تقاسم هذه القدرات مع السعودية، لكن اثنين من المسؤولين الأمريكيين قالوا إن عملية الشراء السعودي تمت بموافقة من الحكومة الإسرائيلية.

الذباب والنحل

خاشقجي، كواحد من أشهر الصحفيين في السعودية والمؤثرين فيها، استُدرج لهذا الصراع، فبينما كان القحطاني يجنّد جيشاً من الذباب لمحاربة قطر على "تويتر"، أراد خاشقجي خلق حضور إعلامي بديل.

فقد شجّع خاشقجي، عمر عبد العزيز، السعودي المعارض والمقيم في كندا، من أجل العمل والمساعدة على تجنيد جيش منافس يكون "نحلاً إلكترونياً" في مواجهة الذباب الإلكتروني السعودي.

ولم يدرك خاشقجي وعبد العزيز أن السعوديين كانوا قادرين على التجسّس على رسائلهم، وذلك بفضل أدوات المراقبة الإسرائيلية، وفق دعوى قضائية رُفعت في "تل أبيب" ضد الشركة.

وتشير الدعوى إلى أن أحد إخوة عمر عبد العزيز المسجونين تعرّض للضغط، ما دفعه للتوسّل بعمر من أجل وقف أنشطته السياسية الضالع بها، مؤكدة أن برنامج بيغاسوس الإسرائيلي السعودي وفّر معلومات ساهمت في قرار القتل الذي اتُّخذ ضد خاشقجي.

بالنسبة إلى القحطاني، كانت حملته ضد خاشقجي شخصية، فيقول الكاتب الأمريكي: "أخبرني مسؤول سعودي أن القحطاني شعر بأنه خذل رئيسه بن سلمان من خلال السماح لخاشقجي بمغادرة السعودية، في 2017، عندما هرب إلى الولايات المتحدة في وقت لاحق من ذلك العام، وبدأ بكتابة مقالاته بجريدة الواشنطن بوست، والتي كانت تنتقد السعودية".

وقبل أن يبدأ خاشقجي بكتابة مقالاته عرض عليه بعض المسؤولين السعوديين الكتابة في جريدة "الحياة" الموالية للسعودية، لكنه رفض ذلك، وبدأ ينشر في "الواشنطن بوست"، الأمر الذي أزعج الرياض، التي منعت ابنه صلاح من السفر.

وفي يوليو الماضي، أقنع القحطاني وليَّ العهد بأن خاشقجي يشكّل تهديداً لمحاولات السعودية للسيطرة على المعلومات، بعدها أرسل بن سلمان رسالة له أمره فيها بإعادة خاشقجي للسعودية بالقوة إذا لزم الأمر، ولم يفهم وقتها المسؤولون الأمريكيون فحوى هذه الرسالة إلا بعد فوات الأوان.

الفريق الذي كُلّف باغتيال خاشقجي في مبنى القنصلية، بحسب مصادر سعودية، ساهم بتشكيله القحطاني، ويضم مجموعة من دائرة المخابرات وعسكريين يثق بهم بن سلمان، وكان يقوده ماهر المطرب، الشخص المسؤول عن أمن اتصالات بن سلمان.

وختم الكاتب مقاله بالقول: إن "هذه قصة قتل مروّعة تعرّض لها صحفي سعودي، كان الدافع القاتل من ورائها هو حرب السيطرة على المعلومات".

مكة المكرمة