وفاة بطرس غالي.. مهندس التطبيع وأمين عام الأمم المتحدة الأسبق

بطرس غالي هو حفيد بطرس نيروز غالي رئيس وزراء مصر في أوائل القرن العشرين

بطرس غالي هو حفيد بطرس نيروز غالي رئيس وزراء مصر في أوائل القرن العشرين

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 16-02-2016 الساعة 19:40
محمد عبّود - الخليج أونلاين


توفي، الثلاثاء، الدكتور بطرس بطرس غالي، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، عن عمر ناهز 94 عاماً، في أحد مستشفيات الجيزة، في مصر.

وبطرس بطرس غالي، دبلوماسي مصري مسيحي لعائلة قبطية وأم أرمنية. وهو حفيد بطرس نيروز غالي، رئيس وزراء مصر في أوائل القرن العشرين، الذي اغتاله، آنذاك، إبراهيم الورداني.

كما أن بطرس بطرس غالي، عم يوسف بطرس غالي الذي شغل منصب وزير المالية في مصر.

تزوج بطرس غالي من ليا نادلر اليهودية المصرية من محافظة الإسكندرية، والتحق بفرنسا عقب حصوله على إجازة في الحقوق لاستكمال تعليمه العالي، ثم عاد ليعمل أستاذاً للقانون الدولي والعلاقات الدولية بجامعة القاهرة المصرية، كما أسس مجلة السياسة الدولية التابعة لجريدة الأهرام.

- اختياره أميناً أممياً

أدت فرنسا دوراً قوياً في ترشيحه كأمين عام للأمم المتحدة ليصبح أول عربي يتولى هذا المنصب، ثم استخدمت واشنطن حق النقض ضده؛ ممّا كان سبباً في عدم مد رئاسته لفترة ولاية ثانية.

وفور اختياره، كتبت صحيفة "انترناشيونال هيرالد تريبيون" مقالاً حدد فيه كاتبه العناصر الأساسية التي أهلت بطرس غالي ليتولى أمانة الأمم المتحدة؛ وهي: كونه مسيحياً، وزوجته يهودية، ودوره (الجهنمي) في اتفاقية كامب ديفيد وزيارة السادات إلى إسرائيل، ثم جهوده في ترسيخ آليات التطبيع مع المحتل.

كما أن تلك العناصر الثلاثة ذكرها الكاتب الإنجليزي جيمس بون في صحيفة "التايمز" اللندنية تحت عنوان: بطرس غالي يواجه تحدي الإصلاح.

- عائلة غالي وتاريخ مصر الحديث

ولكون عائلة غالي شغلت وظائف عديدة في الحكومات المصرية المتعاقبة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، فقد أصدر دار الكتب والوثائق القومية كتاب "من وثائق العائلات القبطية في أوراق عائلة بطرس باشا غالي" لمؤلفه لخالد عزب، كمحاولة لتوثيق التاريخ، خاصةً أنها من العائلات القبطية المصرية التي أدت دوراً مهماً في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمصر منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى سبعينيات القرن العشرين.

وتدرجت عائلة غالي في مناصب بوزارات الخارجية والاقتصاد والمالية المصرية، ومنهم من تعرض للاغتيال، في اتهام مباشر بالعمالة للاحتلال الإنجليزي بحسب ما ذكر قاتله أثناء محاكمته فيما بعد.

- اتهامات بالعمالة

في كتاب "السلام الضائع"، يحكي وزير خارجية مصر الأسبق، محمد إبراهيم كامل، عن فترة وجوده بكامب ديفيد برفقة أنور السادات عام 1978 م فيقول: "ومن النوادر التي حدثت في ذلك الوقت، كان بطرس غالي يحكي عن خطابات التهديد التي وُجِّهت له بعد مرافقته للرئيس السادات في القدس، ثم أردف قائلاً بالفرنسية: "إنهم يتهموني بأني الجيل الثالث من الخونة في عائلة غالي"، فقلت ضاحكاً: "كيف؟ إني لا أعرف إلا اثنين فقط، هما جدك، وأنت، فمن الثالث؟ "أجاب بطرس: يقولون إن عمي نجيب باشا غالي، قد تورط مع الإنجليز أثناء الحرب العالمية الأولى".

ويعتبر بطرس غالي أحد مهندسي معاهدة السلام مع الكيان الصهيوني، والتي أدت إلى توقيع معاهدات كامب ديفيد السرية والعلنية. وكان حريصاً على مرافقة الرئيس المصري الأسبق، أنور السادات، في زيارته إلى إسرائيل كأول دولة عربية سعت للتطبيع مع الكيان المحتل.

واهتم غالي بوضع تصور كامل لتفاصيل اتفاقية السلام مع الاحتلال الإسرائيلي، آنذاك، بل سعى إلى تحديد نقاط اهتمامه بالتعايش السلمي بين مصر والمحتل، وفي ذلك يقول غالي: "لقد عملت في المفاوضات مع إسرائيل لسنوات طويلة، حتى أن الإسرائيليين اتهموني بأني المهندس الأكاديمي لمبادرة الرئيس السادات ( ... ) لكن ما حدث أن الإسرائيليين بحثوا في مقالاتي، ووجدوا مقالاً كنت قد كتبته في مجلة السياسة الدولية، وذكرت فيه صراحة، أنه لا بد من إيجاد صيغة للتعايش السلمي مع إسرائيل.

ووجدوا أيضاً أنني قمت في عام 1975 بعمل ندوة في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية (بمؤسسة الأهرام)، ودعوت فيها بعض العناصر الصهيونية، وعلى هذا الأساس بنوا افتراضهم هذا ( ... )".

- موقف غالي في أزمة البوسنة والهرسك

وإبان حرب البوسنة والهرسك، طلب المسؤولون الفرنسيون من الدكتور بطرس غالي بعد انتهاء عدوان الصرب على جمهورية البوسنة والهرسك أن ترسل الأمم المتحدة قوات حفظ السلام ومنع اعتداءات الصرب على البوسنة والهرسك، فرفض غالي مستنداً إلى أن قدرات الأمم المتحدة آنذاك لا تسمح بذلك، في حين أنه قبل قراره بأسابيع أرسل 14 ألف جندي من قوات الأمم المتحدة إلى كرواتيا لصد التحركات الصربية هناك.

كما رفض غالي طلب مجلس الأمن بإشراف الأمم المتحدة على عملية تسليم الأسلحة الثقيلة بمقتضى اتفاقية لندن للبوسنة، وبعث بخطاب شديد اللهجة لأعضاء مجلس الأمن يحتج فيه على عدم إشراكه في اتخاذ القرار، وقال إنه لن يوصي بتنفيذه، موضحاً أن أحد أسباب رفضه يرجع إلى مسألة الأولويات.

وكتب بعض الصحفيين المصريين مقالات ينتقدون فيها مواقف غالي تجاه البوسنة باعتباره أميناً عاماً للأم المتحدة، ومن بين هؤلاء الكاتب المصري سلامة أحمد سلامة قائلاً: "تواجه الأمم المتحدة وأمينها العام الدكتور بطرس غالي، اتهامات خطيرة من جانب زعماء البوسنة المسلمين بأن هناك تواطؤاً مؤكداً للحيلولة دون تدخل صريح وفعال من جانب الأمم المتحدة بوقف عدوان الصرب وفظائع قواتها ضد أهالي البوسنة، وبمنع استيلائها على أراضيها. والاتهام الموجه إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنه وقف في وجه الاتفاق الأوروبي الذي كان يسعى إلى وضع الأسلحة الثقيلة تحت رقابة القوات الدولية، وأثار أزمة مع المجموعة الأوروبية بحجة أن القرار اتخذ دون الرجوع إليه، وأن حجم القوات الدولية لا يكفي للقيام بهذه المهام الجديدة".

جريدة الرياض السعودية كتبت مقال الافتتاحية بعنوان: "أيقظوا بطرس غالي"، فقالت تحت صورة كبيرة ملونة لغالي: "يقتلون المسلمين وبطرس غالي لا يرى، الصرب يغتصبون السيدات والأطفال وغالي لا يسمع، الصرب يحرقون ويمزقون كل شيء ويجعلون الناس يتضورون جوعاً وغالي لا يتكلم".

وفي المؤتمر الصحفي وقفت صحفية من البوسنة وقالت للأمين العام: "أنت أيضاً مذنب ومسؤول عن كل سيدة اغتصبت، وكل رجل قتل. وسألته: كم تطلبون من ضحايا في سراييفو قبل أن تتحركوا، ألا يكفيكم 12 ألفاً؟

ورد بطرس غالي: إذا كنت مجرماً فهذه مشكلتي، أنا أشاركك آلامك ولكن حالكم أفضل بكثير من عشرة أماكن يمكن بيانها لكم".

وقد علقت صحيفة واشنطن تايمز على هذا الرد بقولها: "إذا كان هذا هو كلام الصديق فلا لوم على العدو".

- غالي والقضية الفلسطينية

يقول الكاتب المصري فهمي هويدى عن بطرس غالي، عقب تعيينه أميناً عاماً للأمم المتحدة، وكان قد أعلن أن قرار 242 غير ملزم لإسرائيل، فقال: "لقد فوجئنا به في أول مؤتمر صحفي عقده بعد توليه منصبه، وهو يعلن أن قرار 242 (ليس ملزماً)، وعندما صدم الرأي العام العربي وأثار تصريحه الضجة المشهورة، أعاد مكتبه شرح موقفه، فقال: أنه قصد القول: بأن القرار ليس قابلاً فرض تنفيذه؛ نظراً لعدم تبنيه بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وكانت نتيجة ذلك أن الأمين العام الجديد بدأ مهمته بإضعاف مرجعية أساسية في المفاوضات العربية - الإسرائيلية".

وانعكست إفرازات ذلك الموقف على تدهور القرار 242 على المسار الفلسطيني، وذلك عندما رفضت واشنطن، بعد مضي نحو ستة أشهر على تصريح الدكتور غالي، إلزام الجانب الإسرائيلي بتطبيق القرار 242 على الشأن الفلسطيني.

مكة المكرمة