الإدريسي.. الجغرافي الذي حدد مرتفعات الأرض تخلده جبال بلوتو

الإدريسي طوّر رسم الخرائط

الإدريسي طوّر رسم الخرائط

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 08-12-2015 الساعة 13:50
إسطنبول - الخليج أونلاين (خاص)


بعد أن نقلت اسم "أم كلثوم" من كوكب الشرق إلى كوكب عطارد، وزيّنت إحدى مركباتها باسم شهيدة ثورة يناير المصرية "سالي زهران"، قررت وكالة الفضاء الدولية الأمريكية (ناسا) إطلاق اسم العالم العربي الجغرافي الشهير، أبو عبد الله الإدريسي على أحدث اكتشافاتها في أبعد الجيران "بلوتو".

وقررت ناسا، إطلاق اسم الإدريسي على سلسلة جبال كانت حصلت الجمعة الماضية على أفضل صور لها، بل "الأكثر دقة حتى الآن للكوكب"، بفضل جهود مركبتها "نيو هورايزونز" (New Horizons)، وتُظهر تشكيلة واسعة من تضاريس جبلية وجليدية مذهلة، ومتهالكة.

- الإدريسي وإسهاماته
والإدريسي، هو محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس، ويتصل نسبه بالنبي عليه الصلاة والسلام، عبر الحسن بن علي بن أبي طالب، ولهذا يضاف إلى اسمه لاحقة "الهاشمي القرشي".

ولد في مدينة سبتة في المغرب عام 493هـ/ 1100 م، ومات عام 559هـ/ 1166م، واتخذ جزيرة صقلية مكاناً له بعد سقوط الدولة الإسلامية في الأندلس، ولهذا لقب أحياناً بالصقلي، وما تزال نهاية حياته ووفاته أمراً غامضاً حتى اليوم.

والإدريسي هو أحد واضعي علم الجغرافيا، وأحد كبار الجغرافيين في التاريخ، واستخدمت مصوراته وخرائطه في سائر كشوف عصر النهضة الأوروبية. ومن إسهاماته تحديد اتجاهات الأنهار والبحيرات والمرتفعات، حيث ضمنها في خرائطه مع معلومات عن المدن الرئيسية وحدود الدول.

كان الإدريسي من أبرز الدارسين في علم الرياضيات، وكان له إسهامات في علم الهندسة أقدم من بعض العلماء المشهورين في هذا المجال، كما أنه كتب في الأدب والشعر والنبات ودرس الفلسفة والطب والنجوم في قرطبة.

اختار الإدريسي الانتقال إلى صقلية بعد سقوط الدولة الإسلامية؛ لأن الملك النورماني في ذلك الوقت "روجر الثاني" كان محباً للمعرفة. شرح الإدريسي لروجر موقع الأرض في الفضاء مستخدماً في ذلك البيضة للتمثيل، فشبه الأرض بصفار البيضة المحاط ببياضها تماماً كما تهيم الأرض في السماء محاطة بالمجرَّات.

- اختراق الآفاق
ألّف الإدريسي كتابه المشهور "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، الذي غدا من أشهر الآثار الجغرافية العربية، وترجمه الأوروبيون إلى لغاتهم، وانتفعوا منه إبان عصر النهضة.
واستغرق تأليفه 15 عاماً، نهج فيه الإدريسي نهجاً جديداً عن غيره من الجغرافيين المسلمين، فقد وصف العالم ككل ثم قسمه إلى سبعة أقاليم، وكل إقليم إلى عشرة أقسام رئيسية، ثم وصف كل قسم ورسم له خريطة، وتحاشى فيه الخلط بين التاريخ والجغرافيا، وظل كتابه مرجعاً لعلماء أوروبا أكثر من ثلاثة قرون.

705px-Al-Idrisi's_world_map


(خريطة الإدريسي التي رسمها للملك روجر الثاني، ويلاحظ أن الخريطة مقلوبة لأن الناس في تلك الأيام كانوا يعتبرون أن الجنوب في الأعلى).

وفي هذا الكتاب، طور الإدريسي رسم الخرائط بطريقة أكثر دقة من الخرائط التي كانت معروفة من قبل، ويمكن رؤية ذلك بوضوح في خرائطه، حيث لجأ إلى تحديد اتجاهات الأنهار والبحيرات والمرتفعات، وهذا تحديداً ما تعرفه "ناسا" عن الإدريسي، الذي -على ما يبدو- جعلها تضع اسمه على سلسلة جبالها المكتشفة للتو.

800px-TabulaRogeriana


(خريطة الوطن العربي التي رسمها الإدريسي لروجر الثاني ملك صقلية عام 1154م، واحدة من خرائط العالم القديم الأكثر تقدماً)

800px-Muhammad_al-Idrisi_-_Saint_Petersburg_transcript_of_VI-5


(سان بطرسبرغ (بروسيا حالياً) تظهر في خريطة للإدريسي)

ولا تعلن ناسا عن إطلاق الأسماء على مكتشفاتها بشكل مستقل، لكن ذلك سرعان ما يعرف في سياق أنبائها التي تضمّنها الأسماء الجديدة، وهو ما اكتشفه متابعون لحساب الوكالة على موقعها الرسمي على يوتيوب، حيث أصدرت مقطعاً خاصاً باسم "مرتفعات الإدريسي على بلوتو".

وكانت ناسا أطلقت اسم الفنانة الراحلة "أم كلثوم" على فوهة بركان في عطارد، واسم "سالي زهران" إحدى ضحايا الأمن المصري إبان ثورة يناير 2011 على مركبة متوجهة إلى المريخ، واسم الطفلة الباكستانية ملالا يوسف، الحاصلة على جائزة نوبل للسلام العام، على كويكب جديد اكتشف مؤخراً، يقع بين كوكبي المريخ والمشتري.

وتعطي ناسا علماءَ الفضاء فيها حق تسمية ما يكتشفونه، كما جرت العادة على تسمية الاكتشافات باسم أشخاص أثرَوا حياة البشرية، سواء كانوا أمواتاً أو أحياء، تخليداً لذكراهم.

- بلوتو وجديده
وأظهرت صور هي "الأكثر دقة حتى الآن"، أرسلتها المركبة الفضائية التابعة لوكالة ناسا، "نيو هورايزونز"، تشكيلة واسعة من تضاريس جبلية وجليدية مذهلة، على سطح الكوكب البعيد بلوتو.

والصور التي نُشرت الجمعة، هي لشريط بعرض 80 كيلومتراً يتجه من أفق خشن لبلوتو يقع على بعد 800 كيلومتر شمال غرب منطقة يُطلق عليها على نحو غير رسمي اسم "سبوتنيك بلانوم"، عبر جبال الإدريسي، إلى شاطئ سبوتنيك ومن ثم عبر السهول الجليدية.

وكانت "نيو هورايزونز" قد أرسلت الصور التي حصلت عليها أثناء تحليقها حول الكوكب القزم عن قرب، الذي يبعد عن الأرض مسافة 4.8 مليارات كيلومتر، في شهر يوليو/تموز الماضي.

وترسل "نيو هورايزونز" – التي لا يتجاوز حجمها حجم البيانو – كل أسبوع بيانات مخزنة على مُسجِّلاتها الرقمية منذ رحلتها حول بلوتو يوم 14 يوليو/تموز الماضي. والصور الأخيرة جزء من سلسلة تم التقاطها عند أقرب نقطة للمركبة من بلوتو، والتي بلغت دقتها نحو 77-85 متراً في البكسل الواحد.

وتواصل "نيو هورايزونز"، التي تنطلق أسرع من أي مسبار فضائي آخر على الإطلاق بسرعة فائقة ناهزت 51.500 كيلومتر في الساعة، رحلتها لاكتشاف “حزام كويبر”، وهي الآن على بعد 167 مليون كيلومتر بعد بلوتو، و 5.2 مليار كيلومتر عن الأرض، وكل أنظمة المركبة الفضائية سليمة وتعمل جيداً.

وبلغت كلفة "نيو هورايزونز" 700 مليون دولار أمريكي، وهي مزودة بسبعة أجهزة تمكنها من التقاط صور مقربة عن تفاصيل سطح بلوتو وأقماره الخمسة، وسماتها الجيولوجية وأجوائها. كما أنها مزودة بوقود يكفيها لاستكمال رحلتها الاستكشافية.

وسبق لناسا أن نشرت صوراً لسطح بلوتو تضمنت مؤشرات توحي بحدوث طائفة واسعة النطاق من الأنشطة الجيولوجية، بما في ذلك التدفقات الجليدية الخاصة بهذا الكوكب القزم، وهو ما قد يبشر بوجود حياة هناك.

ولفتت صور سابقة النظر إلى جبلين على سطح بلوتو يتجاوز قطر كل منهما 161 كيلومتراً، ويزيد ارتفاع كل منهما على بضعة كيلومترات، وعلى قمة كل منهما منخفض يضاهي البراكين التي عُثر عليها على المريخ وأُخرى على كوكب الأرض، أطلقت ناسا اسم الإدريسي عليهما.

MountainousShorline


(مرتفعات الإدريسي على بلوتو)

مكة المكرمة