"العنصرية" وباء يجتاح العالم.. ما قصته وكيف تواجهه؟

الاعتراف بالإنسانية المشتركة هو الترياق الأمثل لمرض العنصرية
الرابط المختصرhttp://cli.re/gMDAZ9

العنصرية وكره الأجانب والتعصب هي مشاكل شائعة في أوساط المجتمعات

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 12-08-2018 الساعة 09:38
لندن - الخليج أونلاين

تعد مظاهر التمييز العنصري وكراهية الأجانب والتعصب من المشاكل الشائعة في جميع المجتمعات، على الرغم من سن العديد من القوانيين المدنية الحديثة التي تتصدى لها ولغيرها من السلوكيات الاجتماعية المتعصبة.

وتنص المادة "1" من الإعلان العالمي لحقوق الانسان على أن "جميع الناس ولدوا أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق، وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء".

وبالرغم من ذلك، تنتشر الممارسات العنصرية وعلى وجه الخصوص تجاه المهاجرين واللاجئين فضلاً عن الأفراد من أصل أفريقي أو مسلم.

وفي حين ينزع الأشخاص العنصريون صراحة إلى إعلان وجهات نظرهم التي تزدري الفئات الأخرى، تشيع في بعض المجتمعات ظاهرة ما يعرف بـ"العنصرية الخفية"، وهي سلسلة مواقف دفاعية يتخذها البعض حين يُواجهون بمواقفهم العنصرية بتأكيد إيمانهم الواعي بمبادئ المساواة، وإعطاء تبريرات أخلاقية لمواقفهم العنصرية، وبذلك تعد "العنصرية الخفية" شكلاً متطوراً عن العنصرية التقليدية التي تتميز بالوضوح والإعلان.

وتبحث الأدبيات الإنسانية، خاصة المرتبطة بعلوم النفس والمجتمع، أسباب وعواقب هذا النوع من العنصرية وطرق مواجهته، خاصة أن "الخفية" منها لا تكشف صراحة عن نفسها إلا من خلال آليات خفية؛ ما يزرع في المجتمع الشعور بالظلم وعدم المساواة لدى الضحايا، ومن ثم تزعزع انسجام المجتمع.

كيف اكتشفت؟

وبحسب بحث أجراه "الخليج أونلاين" وجد أن "جون دوفيديو وصامويل غارتنر" هما أول من أطلق نظريتهما حول "العنصرية الخفية" عام 1986، وذلك بعد أبحاث ميدانية ونظرية بدآها عام 1973، حين أجريا تجربة على مجموعتين من البيض، ليبراليين ومحافظين، أسست نتائجها فيما بعد لنظرية ومصطلح "العنصرية الخفية".

واعتمدت التجربة على تلقي أفراد المجموعتين اتصالات من أشخاص يطلبون المساعدة الهاتفية، وطالبو المساعدة هؤلاء تكشف لهجاتهم إن كانوا من البيض أو السود، وفي حال رفض الشخص المتلقي للاتصال المساعدة فإن النتيجة تُحسب باعتبارها "رفض مساعدة"، إما إن أنهاها قبل أن يشرح المتصل ظروفه فتحسب باعتبارها "إنهاء مبكّراً".

وكشفت التجربة أن المحافظين سجلوا نقاط "رفض مساعدة" مع السود أكثر ممَّا فعلوا مع البيض، وهي نتيجة كانت متوقعة بالنسبة للباحثيَن، خاصة أن الليبراليين نجحوا في اختبار المساواة، إذ قدموا مساعدة شبه متعادلة للطرفين.

إلا أن النتيجة الجديدة الأكثر أهمية تمثلت بحقيقة أن تصرف الليبراليين كان "عنصرياً" في التجربة، ولكن بشكل أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً، إذ أظهرت التجربة تسجيلهم نقاط "إنهاء مبكّر" مع السود أكثر ممَّا فعلوا مع البيض.

 

 

"العنصري الأبيض"

واحدة من أكثر الظواهر كشفاً لـ"العنصرية الخفية" كانت خلال الانتخابات الأمريكية عام 2008، حين كشف باحثون استخدام تعابير لوصف موقف بعض الناخبين البيض ذوي التأهيل العالي والذين يؤمنون بقيم المساواة، إلا أنهم ودون وعي يقنعون أنفسهم بأن عدم تصويتهم لباراك أوباما حينها يعود لكونه "قليل الخبرة"، وقد وصفت صحيفة "نيويورك تايمز" هذا الموقف بكونه "عنصرية خفية".

ومع ظهور موجة اللاجئين نحو الغرب مع مطلع العام 2015 عاد هذا المصطلح للظهور خصوصاً في كندا، فعلى الرغم من نبذ القانون هناك للعنصرية وتجريمها أحياناً إلا أنها وفق كثيرين حاضرة.

استطلاعٌ أجراه معهد "أنغوس ريد" الكندي حول المواقف الوطنية تجاه الأديان، كشف أنَّ الكنديين لديهم وجهة نظر سلبية أكثر من الآراء المحايدة تجاه المسلمين، حيث تعزف العديد من المؤسسات عن توظيف المسلمين ومن يحملون أسماء مسلمة، لكنهم يتعللون بأسباب "مهنية" تكون غير صحيحة في كثير من الأحيان.

وفي أمريكا أيضاً ورغم قانون الأحوال المدنية الذي صدر في ستينيات القرن الماضي، ووصول باراك أوباما أول رئيس "أسود" لرئاسة البلاد، لكن العنصرية ضد السود لاتزال علنية وتارة خفية.

ففي يناير 2017 أظهر تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" أن سبب فوز "العنصري الأبيض" دونالد ترامب بالرئاسة يعكس تململ كثير من البيض بسبب وجود رئيس أسود عليهم، وهذه تفرقة خفية أكثر منها تفرقة علنية، رغم أنه فاز مرتين ورغم أنه معتدل ورغم أن والدته بيضاء، ولا يمكن وصفهم إلا بأنهم عنصريون، لكن يظل الاستعلاء خفياً إن لم يكن علنياً.

ترامب

 

-العالم الإسلامي ليس بمأمن

العالم العربي والإسلامي أيضاً ليس بمعزل عن العنصرية الخفية، رغم أن تعاليم الإسلام تشدد على أنه "لافرق بين عربي ولا عجمي إلا بالتقوى" كما يردد المسلمون ذلك باستمرار، لكن مظاهر العنصرية تبقى حاضرة وبقوة في العديد من المجتمعات المسلمة.

فتركيا البلد المسلم الأكثر استقراراً في الشرق الأوسط تضم على أراضيها نحو 3 ملايين لاجئ سوري، ونحو مليون آخرين من مختلف أنحاء العالم العربي، لكن سياسو المعارضة التركية خصوصاً لا يفوتون بين الحين والآخر ،خصوصاً في التجمعات الانتخابية الكبرى، فرصة إطلاق تصريحات عنصرية "مهينة" بحقهم، واللافت أنها تتم وسط صمت حكومي ونخبوي أيضاً.

وتقول تقارير محلية وعالمية إن السلطات التركية فشلت في تمكين اللاجئين على أراضيها من خلال دمجهم في المجتمع المحلي، مكتفية بتقديم الخدمات الأساسية لهم دون تسهيل انخراطهم في الحياة العامة مع المواطنين.

 

كمال كيليتشدار أوغلو من أكثر السياسيين الأتراك الداعين لطرد اللاجئين

 

وواحدة من الحوادث التي كانت "العنصرية الخفية" نواتها وقعت في يوليو 2017، عندما حدثت اشتباكات عنيفة بين مجموعة أتراك ولاجئين في العاصمة أنقرة، والسبب هو ترويج إشاعات معادية للأجانب عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وفي هذه الاشتباكات طعن شاب عراقي بالسكين بتهمة كاذبة هي اغتصاب فتاة عمرها 5 سنوات.

تقول فيراي أرتار المتخصصة في علم الاجتماع في جامعة أنقرة لوكالة "فرانس برس": إن "الإشاعات التي تروج تغذي العبارات العنصرية وتزعم بأن السوريين يحق لهم التصويت في تركيا، ويمكنهم إقامة تجارة بدون دفع أي ضرائب، وبأنهم يتقاضون معونات اجتماعية أعلى ممَّا يجب، وبأنهم يدخلون الجامعات بدون اجتياز أي اختبار".

وتضيف: "أثناء أبحاثي وجدت بأن السكان المحليين يميلون إلى التعميم فيما يخص السوريين ويركزون على عيوبهم، لكن السوريين بالعكس لا يعممون التجارب السيئة التي قد يتعرضون لها مع الأتراك، وأغلبيتهم ممتنون للشعب التركي الذي فتح لهم أبوابه".

العالم العربي أيضاً ليس ببعيد عن "العنصرية الخفية" إذ توجد مظاهرها مثلاً في دول الخليج العربي تجاه العمال من الدول الفقيرة وخصوصاً الهند وباكستان والفلبين، فتحت اسم الإجراءات القانونية يتم استعمال العنف أو حجز جوازات السفر أو عدم دفع المرتبات أو تأخيرها، وقد تصل حتى إلى القتل أو الاستعباد.

ولاتقتصر تلك العنصرية على العمال غير العرب، ولكن يعاني العمال من الدول العربية أنواعاً مختلقة من العنصرية، وخصوصاً الكلامية منها حيث ينعتون ببعض التسميات المهينة.

ومؤخراً استهجن كثيرون تصريحات خبيرة التجميل الكويتية المشهورة في الخليج العربي سندس القطان، لرفضها في مقطع فيديو إعطاء خادمتها يوم راحة أسبوعياً واحتفاظ العمالة بجوازات سفرها، وهو ما اعتبر ترسيخاً لـ"عبودية جديدة".

وحاولت سندس إخفاء ما اعتبره كثيرون "عنصرية خفية" بقولها: إن "الخادم يعيش في البيت مثله مثل صاحب البيت، يتناول أكله معه وينام ويرتاح ويخرج للسوق والمطعم برفقته وهذا حق طبيعي، وليس مثل النادل الذي يعمل لساعات محددة، لذلك لماذا نخصص له إجازة أسبوعية؟ّ!".

 

 

-حلول

ممَّا ذكرناه نجد أن "العنصرية" باتت وباء يجتاح العالم ويجب النظر لها بجدية، خاصة في ظل ارتفاع وتيرة الاعتداءات التي تحمل بصمات وطابعاً عنصرياً.

واحد من أهم سبل مكافحة العنصرية كما يقول المقاتل التاريخي لها نيلسون مانديلا في خطاب تنصيبه رئيساً لجنوب أفريقيا عام 1994 بعد إطلاق سراحه من معتقله الذي مكث فيه 27 عاماً، كان أن حكومات العالم يجب أن تعمل على فكرة أنه "لا يوجد سوى جنس بشري واحد، فنحن شعب واحد يسكن كوكباً واحداً، نحن أسرة بشرية مرتبطة بمصير مشترك، ومرهونة بأن تكون كنفس واحدة".

ولفت إلى أن "الاعتراف بهذه الحقيقة هو الترياق الأمثل لمرض العنصرية والخوف من الآخر ولسائر مظاهر التفرقة".

كما تنصح دراسة إجتماعية أعدتها جامعة "أونتاريو" الكندية في العام 2016 بأنه في حال تعرضت لأي مضايقات عنصرية أنه يمكنك أن تطلب من ذلك الشخص التوقف عن عمل ذلك، لكن إذا كنت تشعر بأن قول أو فعل شيء ما قد يضعك أو يضع عملك أو سكنك في خطر فتوجه إلى السلطات بشكل مباشر.

وشددت الدراسة على أن السكوت لا يؤدي عادة الى إنتهاء المضايقة العنصرية في العديد من الحالات إذا لم يتم اتخاذ إجراء ما، محذرة من أن الأمر قد يصبح أكثر خطورة وقد يؤدي إلى ما وصفته بـ(الانتقام غير القانوني).

مكة المكرمة