مكّة مركز العالم.. معلومات تثير جدلاً حول موقع البيت العتيق

مكة المكرمة ومركز الكرة الأرضية

مكة المكرمة ومركز الكرة الأرضية

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 18-02-2017 الساعة 14:22
محمد صادق أمين - الخليج أونلاين


انتشر مؤخراً على موقع الـ"يوتيوب" مقطع مصور (فيديو) مدّته دقيقتان و39 ثانية، يحاول أن يثبت منتجه المجهول؛ من خلال استخدام برنامج "جوجل إيرث" معلومات إعجازية عن موقع الكعبة، قبلة المسلمين المقدسة، باستخدام معادلة رياضية تعرف باسم النسبة الذهبية (Golden Ratio)، يثبت الفيديو أن المعادلة تنطبق تماماً على مكة المكرمة.

الفيديو نشر بتاريخ (13‏/02‏/2017)

ومن خلال البحث تبيّن لـ "الخليج أونلاين" أن فكرة الفيديو ليست جديدة، وأنها نشرت في سنين سابقة في ذات السياق، وبأسلوب عرض مختلف، على موقع "يوتيوب".

الفيديو نشر بتاريخ (10‏/08‏/2009)

تجدر الإشارة إلى أن هناك جدلاً كبيراً يمكن ملاحظته في المواقع على الإنترنت، بين كثرة تروّج للفكرة بقوة وبوسائل عدة، دافعها تعضيد الإيمان بالدلائل العلمية التي تتيح للعوام التمسّك بالدين، والثقة بما عند الله، وبين أقلّيّة تنظر إلى الأمر على أنه إقحام لمادة علمية قد تصح وقد لا تصح في إثبات دين الله الخاتم "الإسلام"، حجّتهم في ذلك أن أثبات الحقائق العلمية له قواعد وأصول تواضع عليها البشر؛ منها أن يخضع الموضوع قيد الإثبات للتجربة العلمية المخبرية من مركز بحثي علمي موثوق، وأن يبحث الأمر من علماء مجازين، تنشر أسماؤهم بعد أن يخضع الموضوع للتجريب، فإن تحقّق كل ذلك باتت المسائل ذات طابع علمي موثّق، ويعضد هذا الرأي أن الفيديوهات المنشورة والمعلومة المنشورة غير موثّقة لا باسم جهة بحثيّة، ولا باسم شخص، بل إن بعضها منشور من خلال قنوات لا يعرف أصحابها.

في هذا التقرير نستعرض وجهتي النظر دون أن نتبنّى إحداهما على وجه التحديد.

ما هي النسبة الذهبية؟

عرفت النسبة الذهبية عند المفكّرين والرياضيين منذ القدم، واهتم بها الإغريقيون القدامى، وفنانو النهضة الأوروبية؛ مثل مايكل أنجلو، ودافنشي، واهتم بها الأدباء؛ مثل دان براون، في رواية شيفرة دافنشي، التي حققت نجاحاً واسعاً.

أُطلق عليها عدّة أسماء لكونها اكتشفت عدة مرات؛ منها المقطع الذهبي، والمتوسط الذهبي، والتناسب الإلهي.

وغالباً ما تُعرف هذه النسبة في الجوانب الجمالية بالأشكال الهندسية، والبنايات، وفي الطبيعة، وفي الكون، والبعض طبّقها على جسم الإنسان وأبعاده الخلقية والتكوينية.

تُكتب النسبة الذهبية باعتماد الحرف الإغريقي "فاي"، وهو عبارة عن ثابت رياضي قيمته: (1.6180339887498948420)

يتمّ الحصول عليه من خلال تقسيم قطعة مستقيمة إلى قسمين (أ) و (ب)، بحيث يكون الطول الكلي أ + ب بالنسبة إلى القطعة الأطول (أ) مساوياً للنسبة بين القطعة (أ) والقطعة الأقصر (ب).

كما في الشكل أدناه:

14233137_1117765848314307_8681211414072057683_n

لم يخلُ التاريخ من إنجازات عمرانية تحمل النسبة الذهبية في هندستها وأبعادها؛ كأهرامات مصر، ومعبد البارثينون الإغريقي، فطول ضلعي قاعدة الهرم الأكبر بالجيزة بمصر يبلغ 756 قدماً، ويبلغ طول ارتفاعه 481 قدماً، ومنه يتبيّن أن النسبة بين القاعدة والارتفاع تساوي 1.571، وهي قيمة قريبة من الرقم الذهبي.

كما تجلّى في الحضارة الإغريقية؛ إذ يُعتقد أن فيدياس، النحّات والمهندس المعماري اليوناني (480 ق.م – 430 ق.م) استعمل النسبة الذهبية في تصميم منحوتات البارثينون.

بالإضافة إلى ذلك اعتبره أفلاطون من أكثر العلاقات الرياضية المتماسكة والمحكمة في جميع الأحوال.

كما أن إقليدس وضع العلاقة بين النسبة الذهبية وطريقة إنشاء النجمة الخماسية.

اقرأ أيضاً :

قطر والإمارات.. حرية اقتصادية تتوجهما ضمن الـ30 الكبار عالمياً

تطبيق النظرية على الكعبة

الفيديو الذي أشرنا إليه مطلع هذا التقرير، يتحدث عن أن هناك إعجازاً إلهيا في اختيار موقع الكعبة بحيث يحقق النسبة الذهبية، حيث يُجري ناشره مطابقة لموقع الكعبة مع هذه النسبة بالاستناد إلى برنامج "جوجل إيرث".

يظهر الفيديو قياس المسافة بين الكعبة والقطب الجنوبي، وهي 12361.17 كيلومتراً، ثم قياس المسافة بين الكعبة والقطب الشمالي، وهي 7639.50 كيلومتراً، وعند تقسيم الرقم الأول على الثاني تكون النتيجة 1.618، وهي تماماً النسبة الذهبية، ويمكن لأي شخص كان تجريب عملية القياس هذه وستكون النتيجة دوماً 1.6، التي تشكّل النسبة الذهبية، حسب أنصار الفكرة.

لكن ماذا عن موقع الكعبة بالنسبة إلى خطي الشرق والغرب؟ من المستحيل إجراء عملية القياس السابقة في "جوجل إيرث"، ولا بد من خريطة مسطّحة لإجراء عملية القياس.

وبحسب موقع "سكاي نيوز"، يمكن لأي شخص الحصول على خريطة دقيقة مسطّحة للكرة الأرضية؛ مثل خرائط ناسا، وتطبيق النسبة الذهبية على طول الخريطة وعرضها، ويتم تطبيق النسبة الذهبية من خلال تقسيم طول الخريطة على 1.618، والقيام بنفس العملية بالنسبة إلى عرض الخريطة.

عند تقسيم الخريطة إلى قسمين بشكل أفقي وفقاً للنسبة الذهبية، يمرّ الخط الذي يقسم الخريطة من مكة المكرمة، وعند تقسم الخريطة إلى قسمين بشكل عمودي وفقاً للنسبة الذهبية فإن الخط الذي يقسم الخريطة يقاطع الخط السابق في موقع مدينة مكة المكرمة، كما يظهر في الخريطة التالية، التي طولها (5400 بيكسل) وعرضها (2700 بيكسل).

الصورة لـ "سكاي نيوز".

1-919059

معارضون يبطلون الحجة

المقاربة العلمية أعلاه يستند إليها أنصار فكرة مكة والنسبة الذهبية، وبناء عليها ينشرون مقاطع الفيديو، ويكتبون المقالات، ويعرضون الأمر في المحافل الدعوية العامة.

ولكن في المقابل، يقف معارضون بالمرصاد لهذه الأفكار والوسائل؛ معتبرين أن العلم نتاج بشري تجريبي قابل للنقض والإثبات، فما يثبت علمياً اليوم قد يثبت العلم لاحقاً عكسه، ويستدلّون على ذلك بعشرات النظريات العلمية التي كانت مسلّمات عند أسلافنا من البشر، لكن سرعان ما أثبت تطوّر العصر والأدوات العلمية عكسها، فيقولون على هذا الأساس إذا جئنا لنثبت الدين من خلال معلومات علمية وثبت أنها خاطئة لاحقاً فكأننا نكذّب الله ورسوله من حيث لا نعلم.

ويذهب د. محمود عبد الله نجار، عضو الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسّنّة، والمشرف على موقع آيات معجزات، إلى أبعد من ذلك، فيرى في الفكرة "خبثاً" من وجهة نظره، و"تلفيقاً" علمياً هدفه اتهام الإعجاز العلمي بالفبركة والتدليس، فتسقط قيمته عند المسلم قبل غير المسلم فلا يستخدم في الدعوة، مشيراً إلى أن ذلك حصل بالفعل؛ حيث ظهرت أفلام مضادّة تطعن في صحة فيلم مكة والنسبة الذهبية، وتتهم المسلمين بالكذب والتدليس.

يقول النجار: "من أول الأشياء التي تشير إلى فبركة هذا الفيلم هو عدم وجود صاحب له أو مصدر موثوق منه، فتارة ينشر على أنه إعجاز علمي لأحد الباحثين المجهولين، ومرة أخرى ينشر على أنه فيلم علمي من إخراج أردم جتينكايا (ErdemÇetinkaya)، تحت اسم (الأسرار المقدسة)، ومرة ثالثة ينشر على أن وكالة ناسا هي التي أخرجت هذا الفيلم"، مستدركاً بتعجّب: "هكذا وببساطة اختفى صاحب البحث والفيلم؟".

وأضاف: "التعريف بالنسبة الذهبية حسب موقع الويكيبيديا هو أن تكون قيمتان عدديتان تحققان النسبة الذهبية إذا كانت النسبة بين مجموع هذين العددين والأكبر منهما تساوي النسبة بين أكبر العددين والأصغر بينهما، وهو عبارة عن ثابت رياضي معروف تبلغ قيمته 1.6180339887، يشار إليها بالنسبة فاي = 1.618".

واستدرك د.النجار: "أشار الفيلم إلى أن (نسبة بُعد مدينة مكة المكرمة عن نقطة القطب الشمالي وعن نقطة القطب الجنوبي هي 1.618 تماماً، أي النسبة الذهبية، أما نسبة بُعد مدينة مكة المكرمة عن نقطة القطب الجنوبي فهي نفس نسبة البُعد بين القطبين)، ولا أعرف لماذا استخدم الفيلم بعد مكة عن القطب الشمالي والجنوبي، ولم يستخدم بعد الكعبة نفسها عن القطبين، مع العلم بأن الكعبة هي تتوسّط اليابسة"، متابعاً: "بينما كلمة مكة تشير إلى ما حول الكعبة، وبالتالي كان يفترض بالفيلم أن يستخدم بعد الكعبة عن القطبين وليس بعد مكة، وهو ما فعل ذلك إلا لعلمه بأنه لو استخدم بعد الكعبة عن القطبين لما حصل على النسبة الذهبية (1.618) فباستخدام برنامج جوجل إيرث نجد أن المسافة من الكعبة إلى القطب الشمالي 7623.59 كم، ومن الكعبة إلى القطب الجنوبي 12357.95 كم، وبقسمة العدد الثاني على الأول يكون الناتج 1.621014508912468، وبالطبع هذا الناتج أكبر من النسبة الذهبية (1.618)، لذا ولحبك الفبركة استخدم الفيلم بعد مكة عن القطبين".

اقرأ أيضاً :

تعقيدات لبنان بذكرى اغتيال الحريري والحاجة لاتفاق "طائف" جديد

ختاماً:

الجدل حول الإعجاز العلمي لإثبات صحة الدين قضية شائكة بين مؤيّد ومعارض، وهناك من العلماء من يؤيد قضية الإعجاز العلمي إلى حدِّ المبالغة والشطط، وهناك من يعارضها إلى حدِّ العداء، ومن العلماء صنف ثالث آثر أن يكون بين هؤلاء وأولئك قواماً، فضّل أن يكون في المنطقة المتّزنة في النصف فيأخذ الإيجابية ويترك السلبية ما أمكنه ذلك.

مكة المكرمة