الأحياء محاصرون في الموصل والموتى يبحثون عن قبور

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 07-11-2016 الساعة 11:27
بغداد - الخليج أونلاين


"ما من شيء جيد في الحرب إلا انتهاؤها"، هكذا قالوا، وليس أدل على ذلك أكثر من الواقع الذي تعيشه مدينة الموصل العراقية التي يوجد فيها مئات آلاف المدنيين، وتحاصرها مليشيات التنظيم من الداخل ومثلها طائفية من الخارج، في حين لا يجد الموصليون برهة من وقت آمن لدفن موتاهم.

احتدام المعارك وقطع الطرق يجعلان الوصول إلى المكان المخصص لدفن من يفارق الحياة في مقبرة التلفزيون (شرقي الموصل)، أمراً صعباً؛ بل قل مستحيلاً.

وبعد التوسع العمراني لمدينة الموصل، أنشأ الأهالي مقبرة لدفن موتاهم، قرب منطقة بث الإذاعة والتلفزيون الحكومي (شرقي المدينة)، بموافقة الحكومة العراقية السابقة. ومنذ ذلك الحين، أصبح يطلق عليها مقبرة التلفزيون، وهي عبارة عن أرض صحراوية واسعة في الجانب الأيسر (شرقي نهر دجلة).

اقرأ أيضاً :

بغداد: عدد نازحي الموصل يتجاوز 31 ألفاً منذ انطلاق المعركة

وكان أهالي الموصل، الذين يفقدون أحداً من ذويهم أو أقربائهم، يتوجهون نحو هذه المقبرة لإتمام عملية الدفن؛ لكونها قريبة من مركز المدينة ويمكن الوصول إليها بسهولة وإتمام مراسم زيارة الموتى التي اعتادها الأهالي.

- رحلة دفن

سعدون إلياس (الثلاثيني)، الذي فارقت والدته الحياة، مساء السبت الماضي، ولم يتمكن من دفنها في المكان الذي أوصته بدفنها فيه وهو مقبرة التلفزيون قرب زوجها ووالدها ووالدتها.

وأوضح إلياس لـ"الأناضول"، أنه ذهب بصحبة مجموعة من رجال منطقته، ومعهم جثمان والدته لإتمام مراسم الدفن، إلا أنهم لم يتمكنوا من الدخول إلى المقبرة؛ لكون المواجهات المسلحة كانت قد بلغت ذروتها بين قوات الجيش العراقي وتنظيم "الدولة".

وتابع: "بعد الانتظار أكثر من خمس ساعات على تخوم منطقة المقبرة، جاء أحد عناصر التنظيم إلينا وأبلغنا ضرورة الانسحاب خشية تعرضهم لنيران الأسلحة الرشاشة أو القصف المدفعي أو الجوي.

وأشار إلياس، إلى أنه "بعد أن انتاب الجميع اليأس، قررنا العودة بالجثمان إلى المنزل والانتظار حتى الصباح الباكر لإتمام عملية الدفن"، مضيفاً أنه "خلال ساعات الليل الطويلة، كانت أصوات الاشتباكات المسلحة، تارة تهز أرجاء المدينة وتارة أُخرى تهدأ".

واستطرد: "مع صلاة فجر الأحد، قررنا أخذ الجثمان والانطلاق نحو المقبرة على أمل دفنها. وعند الوصول إلى المنطقة، وجدنا أن الوضع بات أسوأ مما كان عليه، عند مساء السبت".

وأضاف: "وجدنا بعض جثث المسلحين على قارعة الطرقات، وظروف الطلقات النارية تملأ الشوارع، في حين كان هناك بعض المسلحين وهم يحملون الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والقذائف الصاروخية وينتشرون بين المنازل استعداداً للمواجهة ضد القوات الأمنية".

واستدرك إلياس أنهم انتظروا أكثر من ساعتين قبل أن تجبرهم النيران، التي أصابت إحدى مركباتهم، على الانسحاب فوراً، لافتاً إلى أنه "بعد العودة، اتفق الجميع على دفن جثمان والدته في مقبرة وادي عكاب (غربي الموصل)، ومن ثم العودة إلى المنزل عند منتصف نهار الأحد، وعدم إقامة مراسم العزاء".

- طابور النعوش

وبسبب الظروف الأمنية الصعبة، التي تمر بها المدينة، يصطف طابور من السيارات المدنية، التي تحمل النعوش عند مدخل مقبرة وادي عكاب (غربي الموصل)، بانتظار السماح لهم من قِبل المشرفين على هذه المقبرة بالدخول وإيجاد مكان لدفن موتاهم، هذا هو الحال الآن.

يقول أبو خلدون (في العقد الرابع من عمره)، الذي اختار هذا الاسم المستعار، خشية على حياته، إنه يعمل في مهمة حفر القبور منذ أكثر من 18 عاماً بمقبرة وادي عكاب، وطيلة الأعوام السابقة كان الأهالي، الذين يأتون إلى هذه المقبرة لدفن موتاهم، لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة شهرياً.

ويضيف: "إلا أنه خلال الساعات الـ48 الماضية وبسبب استمرار تعرض المدينة للنيران من كل جبهة، شهد القدوم على هذه المقبرة ازدياداً ملحوظاً".

وبيّن أبو خلدون، أن "العشرات يقفون على القبور بمواقع متفرقة من المقبرة لدفن موتاهم، فالبعض منهم سقط بقصف جوي أو بنيران عناصر التنظيم، لكن بالمحصلة لم يعد بمقدور أهالي الموصل أن يدفنوا موتاهم في مقابرهم التي اعتادوها والتي تعود لعوائلهم.

- عجز وخشية من تفشي الأمراض

من جهته، قال محمد جمال (27 عاماً)، وهو نازح من سكان الموصل يقيم بأربيل (عاصمة الإقليم الكردي)، نقلاً عن أحد أقربائه وهو موظف في دائرة الطب العدلي، فضل عدم ذكر اسمه خشية على حياته، إن الأماكن المخصصة لحفظ الجثث في دائرة الطب العدلي تكاد تمتلئ؛ لأن الأهالي عزفوا عن إخراج جثث موتاهم؛ لكونهم لا يعرفون أين يذهبون بها بعد أن انقطع الطريق المؤدي إلى مقبرة التلفزيون وبُعد مقبرة وادي عكاب وصعوبة الوصول اليها.

وأشار جمال، نقلاً عن الموظف، إلى أن الأمور الصحية في دائرة الطب العدلي أخذت تتدهور وأن الجميع لا يعرف ماذا يفعل، لا سيما أن هناك الكثير من جثامين المسلحين والمدنيين تحت الأنقاض في المناطق الشرقية للمدينة، وحتى الآن، لم يتم استخراجها واتخاذ اللازم تجاهها لمنع تفشي الأمراض في حال بقيت وقتاً أطول وتعرضت للتفسخ.

ويضيف جمال: أن "هذه الصورة التي تنقل من الموصل، ليست حقيقية 100%، فالحقيقة أكثر مرارة بكثير وربما لا توجد كلمات في العالم أجمع لوصفها؛ فهناك أكثر من مليوني شخص داخل المدينة، محاصرون وحياتهم معرضة للموت، في أية لحظة. لا؛ بل أكثر من ذلك أن جثثهم قد لا تجد مكاناً توارى الثرى به".

وتوجد مقبرتان رئيستان في ساحلي الموصل الأيمن والأيسر (غربي وشرقي نهر دجلة)، إحداهما مقبرة وادي عكاب غربي الموصل، وهي على مشارف المدينة الغربية من الجانب الأيمن، والأخرى مقبرة التلفزيون، شرقي الموصل ضمن الجانب الأيسر للمدينة، والتي تدور في رحاها المعارك، ووصلت القوات العراقية إلى مشارفها قرب محطة التلفزيون وتمكنت من استعادة منطقة كوكجلي وأحياء أخرى شرقي الموصل.

ومنذ سيطرة التنظيم على الموصل، في العاشر من يونيو/ حزيران 2014، منع سكان الموصل من زيارة القبور، وحتى في أيام العيد، كما حظر على الأهالي إقامة مجالس العزاء، بدعوى أنها "ليست من السنة النبوية".

مكة المكرمة