الأساس النفسي للإرهاب.. كيف يتحول الشخص العادي إلى انتحاري؟

حزام ناسف يستخدم في تنفيذ العمليات الانتحارية

حزام ناسف يستخدم في تنفيذ العمليات الانتحارية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 06-12-2015 الساعة 17:53
مي خلف


نتساءل دائماً عما يدور في أدمغة الشباب الذين يختارون إنهاء حياتهم بتنفيذ عمليات انتحارية يموت فيها الكثير من الناس، بدلاً من أن يستمر في حياته كشخص عادي أسوة بمن هو في مثل عمره؛ بكلمات أخرى نطرح السؤال التالي: ما الذي يجعل الإرهابي إرهابياً؟ لذا سنتوقف عند عدد من التفسيرات النفسية لجذور الشخصيات المؤهلة لارتكاب أعمال هدّامة للمجتمع، أو ما يشتهر اليوم بـ"الإرهاب".

وهنا وجب التوضيح انه لا يمكن الجزم حول الأسباب والظروف التي تقف وراء تحوّل الإنسان المسالم إلى "إرهابي" مستعد وقادر وعازم على القتل، إلا أن العوامل المذكورة هي الأسس النفسية التي يعتبر وجودها مساهماً في تبني سلوك عدواني قابل للتحول عبر وضعه في إطار فكري وتنظيمي إلى سلوك مدمّر وقاتل.

وبعيداً عن التفسيرات العلمية المعقدة، للطفولة ولعلاقة الأم النفسية الصحية بأبنائها دور أساسي في بناء الشخصية وتصوّرها عن العالم وعلاقتها مع المجتمع، فالطفل يعتمد بشكل كامل على والدته في أول سنوات عمره، وعلاقته بها لا تؤثر فقط على صحته الجسدية وتغذيته إنما أيضاً على تطور عقله، وينضم الأب لدائرة التأثير هذه بعد العام الأول.

ففي فترة الارتباط هذه يحتاج الطفل إلى كل المشاعر التي تبني لديه علاقة ثقة وأمان وحب مع العالم المحيط به وهذا يساعد عقله على التطور بشكل صحي قادر على التعامل بالشكل الصحيح والإيجابي مع العالم.

بالمقابل إذا مر الطفل بعلاقة مضطربة مع والديه في السنوات الأولى، والتي يغلبها الإجبار والتخويف والتجاهل والبرود العاطفي، سيؤثر ذلك بشكل فعال وغير مرئي على تكوين دماغه وتفعيل النواقل العصبية التي تتحكم بالشعور بالتعاطف والتهدئة الذاتية.

إلحاق الضرر بهذه الوظائف يؤدي لنشوء شخص غير عابئ بنتائج أفعاله وغير متفاهم مع الآخرين، وإذا كانت هذه الصفات بارزة فهي الأساس الذي يحوّل الإنسان لشخص عدواني السلوك وكاره للمجتمع ويفسّر الكثير من سلوكيات الآخرين العادية على أنها معادية له ومقصود بها إيذاؤه، إذن للعلاقة البدائية بين الإنسان وعالمه والمحيط مساهمة قوية في تنشئته نفسياً بشكل صحي أو تحويله لشخص عدواني مؤهل نفسياً للتحول إلى "إرهابي".

هل للجينات علاقة؟

على الرغم من البحوث العلمية التي تحدثت في الآونة الأخيرة عن وجود علاقة للجينات بالإرهاب اعتماداً على وجود صلات قرابة بين عدد من منفذي الهجمات في أوروبا وأماكن أخرى، لم يكتشف حتى الآن جين "الإرهاب" لكن علماء الجينات وعلم النفس توصلوا لعوامل جينية متعددة تحفز على السلوك العدواني، ويدرسون أيضاً تأثير النظام الغذائي على تطور الجهاز العصبي، وهنا وجدوا علاقة بين السكر وأصباغ الطعام والجلوتين ومواد أخرى وبين نسبة هرمون الكورتيزول، مما يعني المزيد من العدوانية والإهمال والانفعال والطيش والقلق.

لا تنتهي الدراسات الباحثة عن المسببات الأساسية والعوامل المساهمة بإنتاج الميول للسلوك العدواني، وعن الظروف والدوافع التي تحفز هذه الجينات لتتحول إلى فعل حقيقي يؤذي الآخرين، لذا ليس من المقبول علمياً إطلاق الأحكام على الأشخاص وإثارة الشكوك حولهم بسبب قرابة تجمعهم بأحد الفاعلين في المنظمات الإرهابية.

البيئة والمجتمع

كما يتأثر الطفل بوالديه في السنوات الأولى من حياته، يأتي دور المجتمع والبيئة المحيطة مثل العائلة الموسعة والمدرسة والحي والأصدقاء والمبنى الاجتماعي العام في التأثير بسلوك الإنسان وتصوّره عن العالم وعلاقته به، فمن شأن البيئة أن تكون داعمة لبناء علاقات صحية بين أفرادها، لكنها أيضاً قد تكون هدّامة وتحفز مشاعر العزلة والخوف والاضطراب.

وعليه؛ ازدياد الشعور بالعزلة والخوف والاضطراب يدفع الإنسان للانضمام والالتفاف حول آخرين يحملون نفس الشعور أو ربما قادرين على احتوائه، وبالحالات المتطرفة تكون جماعات منظمة قادرة على استقطاب المنعزلين عن المجتمع والذين يعانون نوعاً من أنواع الاضطرابات السلوكية التي تؤهلهم ليكونوا هدفاً سهلاً وأرضية خصبة لزرع الأفكار المعادية للمجتمع.

وتعمل هذه التنظيمات بشكل ممنهج على هدم القناعات السابقة لدى العضو الجديد أو المرشح للانضمام، واستبدال هذه القناعات بأخرى تلائم أهداف التنظيم السياسية وتخدمها، وليس بالضرورة أن يكون المنتسب الجديد يعاني من اضطرابات نفسية أو ميول عدوانية، فيمكن أن يتم هدم قناعاته بطرق عدة منها العنف والتعذيب المستمر وأساليب أخرى لغسيل الدماغ التي تدفع الشخص في النهاية للطاعة وإيجاد كامل التبريرات والتفسيرات التي تبدو له منطقية وعقلانية لشرعنة التنظيم وأهدافه وأسلوبه.

مكة المكرمة