التحرّش يدق جرس الإنذار في العراق بقوانين معقدة تنتظر التفعيل

قانون العقوبات العراقي أقر عقوبة بالحبس والغرامة ضد المتحرش

قانون العقوبات العراقي أقر عقوبة بالحبس والغرامة ضد المتحرش

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 22-06-2017 الساعة 10:48
أربيل - محمود النجار - الخليج أونلاين


تعتبر ظاهرة التحرش الجنسي من الظواهر الاجتماعية المقلقة والتي تنتشر حول العالم، وتُعِد فيها مراكز البحوث الدولية العديد من التقارير، ويتم رصد الظاهرة بشكل متواصل من قِبل المؤسسات الحكومية، والجامعات، والمنظمات الاجتماعية؛ لما لها من مخاطر على المجتمعات.

وثمة العديد من الدراسات التي تناولت القضية بالتحليل رصداً وتشخيصاً لأسبابها، ولعل من أهمها انتشار الفقر والجهل والبطالة، وهذه العوامل الثلاثة توافرت في البيئة العراقية بعد احتلال العراق عام 2003، وما رافق ذلك من انتشار للعنف، وتفشي الطائفية والفساد والجريمة.

"الخليج أونلاين" تحدث مع عدد من أصحاب التجربة والمختصين بانتشار هذه الظاهرة في الشارع العراقي، وكانت البداية مع نور القيسي، وهي مواطنة من العاصمة بغداد تحدثت عن معاناتها بسبب تعرضها للتحرش اللفظي كلما قررت الذهاب للسوق والأماكن العامة، وقالت إنها تشعر بالخوف بسبب حركات بعض الشباب وانحدار سلوكياتهم، مضيفةً أنها تعرضت للتحرش أكثر من مرة وهذا يسبب لها إحراجاً كبيراً؛ الأمر الذي يجبر أهلها على منعها من الخروج مع زميلاتها.

وتؤكد صديقتها هذا الأمر وتشير إلى تعرضها للتحرش، علماً أنها محجبة! وتعتبِر أن هذه المشكلة "تخطت معايير الانضباط وازدادت بشكل يقيد حركة الفتيات، ويصيبهن بالإحباط وعدم الوثوق بأي أحد"، مشيرة إلى امتناعها عن الارتباط بمشروع الزواج كلما تذكرت ما يحدث من استهتار في تصرفات الشباب، و"حتى بعض كبار السن".

"تكون الصدمة كبيرة عندما يشوب التعليم سوء الأخلاق"، حسب رأي الطالبة الجامعية سارة محمد، التي تدرس القانون في إحدى الجامعات العراقية، وتكشف لمراسل "الخليج أونلاين" أن أستاذها تحرش بها جنسياً، مغرياً إياها بالنجاح مقابل الاستجابة لما يريد، وتشير إلى أنه هددها بأنه لن يسمح لها بتجاوز المادة التي يدرسها، إن لم تنفذ ما يطلبه منها.

وتتابع سارة حديثها بالقول: "إن الشكوى لدى رئاسة الجامعة غير مجدية؛ لأن الرئاسة لا تُجري أي تحقيقات ولا يتم محاسبة الأستاذ المتحرش، ويعتبرون الشكوى كيدية ضد الأستاذ، فيضيع حق المشتكية"، وتؤكد أن هناك حالات تحرش للبنات، والسبب أيضاً هو "طريقة لبسهن التي تخدش الحياء، واختلاطهن بالشباب بطريقة مبالغ فيها وخروجهن في أوقات الدوام بلا علم أهلهن، وهذا ما يؤثر أيضاً على ازدياد المشكلة".

اقرأ أيضاً:

"يوم الأرض".. الهجرة حول العالم تنافس التصحّر وتعمّقها

تعاطي الإعلام مع المشاكل الاجتماعية

وتستمر أزمة التحرش حتى تدخل إلى المجال الإعلامي، فالصحفي كلكامش نبيل، يتحدث لـ"الخليج أونلاين" عن أن "الواقع الإعلامي يتعرض لانتهاكات؛ فالصحفيات يتعرضن لمحاولات الاستغلال الجنسي في بعض الحالات مقابل ترقيتهن، وهناك كثير من الإعلاميات يضطررن إلى الاستقالة من وظائفهن بسبب التحرشات والكلمات المشينة من موظفي الدوائر والقنوات الفضائية التي يعملن فيها".

ويتابع أن "على الإعلام إنتاج أفلام تثقيفية واحترافية لمعالجة المشاكل الاجتماعية، وأن يبتعد عن التسطيح الفكري والثقافي؛ بل من الضروري أن يهتم الإعلاميون بتغطية القضايا الحساسة؛ لكي يتم تسليط الضوء عليها، والضعط الجماهيري نحو نبذ مثل هذه الظواهر المسيئة إلى الأخلاق المجتمعية".

موقف المنظمات الإنسانية

من جهتها، تعرب ميسون البياتي، رئيسة منظمة "أوديسا" لحقوق المرأة، عن قلقها من الظاهرة، وتقول لـ"الخليج أونلاين": "ترِدنا حالات كثيرة عن مسائل التحرش الجنسي، وهذا يشكل خطراً على المجتمع، مسبباً تفكيك الأسرة وانحلال أسس التربية، ونحن كمنظمات مجتمع مدني نحاول إقامة ندوات ومؤتمرات عديدة لتوعية المجتمع بأسباب وآثار التحرش؛ في سبيل الحد من هذه الظاهرة المقلقة، والتي تؤثر على الأجيال الحالية والقادمة".

وتابعت أن "حالات التحرش الجنسي آثارها تصل في بعض الأحيان إلى احتمالية ارتكاب جرائم الشرف عند بعض العشائر المتعصبة؛ لأنهم يظنون أن بناتهن ارتكبن الفاحشة، أو في بعض الحالات تخشى الفتيات من كشف ما تعرضن له من تحرش؛ خشية الفضيحة، وهكذا تتعمق أزمة ضياع الحقوق".

وفي السياق ذاته، يقول الباحث الاجتماعي عبد الله شاهر، وهو موظف في قسم الحماية الاجتماعية بمنظمة "إنترسوز" الإنسانية: "نقدم بحوثاً وإحصاءات للحكومة العراقية ونضغط نحو تشريع قانون رادع لحالات التحرش، لكن تتكدس المطالبات والملفات على طاولة لجنة حقوق الإنسان، ولا أحد يكترث منذ سنوات".

ويضيف أن "بعض حالات التحرش يتورط فيها رجال الأمن وعناصر من حماية بعض السياسيين الذين يستغلون النساء في نقاط التفتيش، ونحن نصاب بالخيبة عندما نشاهد تطاول الأمن واستخدامه ألفاظاً جريئة خادشة للحياء، بدلاً من دفاعه وصيانة خصوصيات المرأة".

لماذا لا يفعّل قانون التحرش؟

في سياق متصل، يلفت الناطق الرسمي باسم وزارة المرأة بالحكومة العراقية، محمد حمزة، ويقول لـ"الخليج أونلاين"، إن وزارته بدأت بفتح تحقيقات ونظمت دراسات منهجية للتعامل السليم مع مشاكل التحرش الجنسي، لكن "لا يوجد تعاون حقيقي مع القضاء والبرلمان التشريعي. وعلاوةً على ذلك، تم إيقاف عمل الوزارة وحلها بقرار تقليص من رئيس الوزراء".

وبيّن أن "وزارة المرأة كانت مهتمة بالحفاظ على حقوق المرأة، لكن هناك عجز اقتصادي في ميزانية الدولة، لذلك تم دمج بعض الدوائر والآن ملف المرأة تابع لدائرة تمكين المرأة في مجلس الوزراء".

من جانبه، يعلق الحقوقي غسان عبد الله على الأمر بالقول: "التحرش الجنسي يعتبر أحد أشكال العنف، وقد تنتهي آثاره بنتيجة خطيرة تتمثل بجرائم اغتصاب".

واستدرك قائلاً: "من الناحية القانونية، نظر المشرّع العراقي إلى التحرش الجنسي عبر قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، وأفرد له المواد (402، 401، 400) تحت عنوان الجرائم المخلة بالحياء، وعقوبتها الحبس مدة لا تزيد على سنة أو غرامة مالية".

وتابع في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن "القانون موجود ومفعّل، لكنه لا يطبق ويُهمل بلا فائدة؛ إذ تتستر المرأة على حقها وتتنازل عنه؛ بسبب عدم مساندة المجتمع لها، وضعف أداء لجنة حقوق الإنسان في الحكومة، فالمشكلة معقدة وبحاجة إلى عملية تشاركية وإصلاحية جدية بين القضاء والرأي العام في المجتمع العراقي".

مكة المكرمة