الحرب في سوريا تسببت بتدمير مواقع أثرية عالمية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 21-09-2014 الساعة 10:52
دمشق - الخليج أونلاين


كشفت صور التقطتها الأقمار الاصطناعية عن إصابة خمسة من المواقع الأثرية السورية الستة المسجلة لدى منظمة يونسكو كمواقع أثرية عالمية، بدمار كبير من جراء الحرب الدائرة في سوريا.

ونشرت البي بي سي، صوراً لخمسة مواقع أثرية سورية من بين ستة مواقع مسجلة كمواقع أثرية عالمية لدى اليونسكو، طالها الدمار، بما فيها مساجد تاريخية، ومبان حكومية، وقصور، وقد استحال بعضها إلى محض أنقاض، حسبما يقول باحثون ومختصون لدى الجمعية الأمريكية لتطوير العلوم، الذين أكدوا أن الموقع الحضاري الوحيد الذي سلم من التدمير هو مدينة دمشق القديمة.

ويقول بريان دانيلز، من متحف مدينة فيلاديلفيا الأمريكية، الذي شارك في البحث: "من مصادرنا واتصالاتنا في سوريا تأكدنا أن الدمار قد حل بمواقع تراثية عالمية، ولكننا فوجئنا بنتائج هذا البحث الذي أظهر مدى هذا الدمار".

ووقع أشد الدمار في مدينة حلب، التي تعد واحدة من أقدم مدن العالم المأهولة باستمرار منذ أقدم الأزمنة.

وشهدت مدينة حلب الشمالية، التي كانت إلى عهد قريب تعد عاصمة سوريا الاقتصادية، والتي يعود تاريخها إلى عام 2000 قبل الميلاد، أشد المعارك في الحرب الأهلية التي تعصف بسوريا.

وتكشف الصور الملتقطة في عامي 2011 و2014 مدى الدمار الذي أصاب مسجد المدينة الكبير، الذي يعد واحداً من أهم المعالم الأثرية في حلب، حيث هوت مئذنة المسجد السلجوقية ذات الـ50 متراً، والتي كانت تعد واحدة من أهم المباني في سوريا في العصور الوسطى، نتيجة القصف في مارس/آذار 2013، كما تسبب القصف في انهيار جزأين من جدار المسجد الشرقي.

كما حل دمار كبير بالجزء الجنوبي من قلعة حلب التي تضم العديد من الدوائر الحكومية.

ودُمر خلال الفترة المحصورة بين ديسمبر/ كانون الأول 2011 وأغسطس/ آب 2014، مسجد الخسروية، كما أصيب السراي الكبير، الذي كان مقر محافظ حلب، بأضرار كبيرة، بحسب الصور الملتقطة من قبل الأقمار الصناعية، كما دمرت قبة حمام يلبوغة الناصري، الذي يعود تاريخه إلى القرن الخامس عشر والذي يعد واحداً من أجمل حمامات سوريا.

وأظهرت الصور، أيضاً، آثار القصف على مدينة بصرى الشام، الواقعة في محافظة درعا الجنوبية، الكثير من الآثار الرومانية والبيزنطية والإسلامية، بما فيها سقف الجامع العمري.

كما تظهر الصور الفضائية مدى الدمار الذي أصاب الآثار الرومانية-الإغريقية والفارسية، في مدينة تدمر الواقعة وسط الصحراء السورية، والتي تعد من أهم المعالم السياحية في سوريا، بما فيها المسرح الروماني، من جراء القصف المدفعي ونشاط القناصة، علاوة على استخدام هذه المواقع كقواعد لإطلاق الصواريخ ومرابض للدروع، يضاف إلى ذلك تعرض آثار تدمر للنهب.

ويُشاهد في الصور، طرق عسكرية جديدة شقت في الجزء الشمالي من الموقع الأثري، إضافة إلى تحصينات لحماية الآليات العسكرية.

أما قلعة الحصن التي يعود تاريخها إلى القرن الحادي عشر، فقد استخدمت كمخبأ من قبل المسلحين، وتعرضت للقصف من جانب القوات الحكومية.

ويكشف تحليل الصور الفضائية للقلعة الواقعة إلى الغرب من مدينة حمص، الدمار الذي أصاب برجها الجنوبي الشرقي، كما يكشف آثار قصف إلى الشمال.

وقالت كورين ويغينير، المسؤولة عن المحافظة على مواقع الإرث الحضاري في معهد سميثسونيان الأمريكي: إن سوريا بحاجة إلى مساعدة المجتمع الدولي "لمنع تعرض إرثها الحضاري للدمار جراء الحرب".

يذكر أن 420 موقعاً أثرياً، وفقاً للمديرية العامة للآثار والمتاحف، تعرض للضرر في سوريا؛ بين تدمير كامل وجزئي وسرقة وتخريب. وتضم سوريا 10 آلاف موقع آثاري، لكن الجهات المعنية بالآثار تؤكد أن الأماكن التي تعرضت للضرر مهمة لمكانتها التاريخية والدينية، مما يجعل هذه الأضرار ضربة كبيرة للحضارات الموجودة في سوريا.

ووفقاً للأرقام الرسمية السورية، تصدرت حلب وحمص قائمة المناطق الأثرية الأكثر تعرضاً للضرر، إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن نصف المواقع التي تضررت تقاسمتها كل من مدن حلب وحمص، دون ريفها، من أصل 14 محافظة.

وتجدر الإشارة إلى أن المعلومات تبقى غير مكتملة نتيجة استمرار عمليات النهب والتخريب والتدمير الكلّي الناجم عن القصف المدفعي والطيران، دون وجود أي رادع أو تحركات فعلية من قبل الحكومة السورية لإيقافها، في حين تكتفي الأخيرة بإجراء بعض عمليات الترميم في المناطق الخاضعة لسيطرتها فقط.

إلى ذلك ذكر موقع " تحرير سوري" في تقرير له، أن القصف الذي طال قلعة الحصن في مارس/ آذار الماضي، أسفر عن تدمير"الإيوان" فيها، عبر طائرة ميغ تابعة لقوات النظام السوري، وأضاف أن الجيش النظامي حفر عدداً من الخنادق والسدود الأرضية في تدمر، إضافة إلى تثبيته قاذفات صواريخ داخل مخيم الإمبراطور"دقلديانوس"، كما أن معبد "بل"، بدوره لم ينجُ من التدمير في المنطقة التي شهدت الحملات العسكرية الأكثر عنفاً، إذ ضربت القذائف أعمدة المعبد وتسببت في انهيار اثنين منهما.

وأشار التقرير إلى أن قلعة "فخر الدين المعني" تم اتخاذها معقلاً للجيش النظامي، ومركزاً لإطلاق قذائفه، التي بدورها لم تقتصر قدرتها التدميرية على الموقع الأثري فقط، بل تسببت بدمار عدد من حقول أشجار الزيتون والرمان المعمّرة.

ولفت إلى أن حمص المدينة تعرضت أيضاً بدورها إلى خراب كبير، حيث دمّر كلياً عدد كبير من الكنائس، وتمت تسويتها بالأرض، ككنيسة "أم الزنار"، ومدينة "إميسا" القديمة، إضافة إلى تدمير جامع "خالد بن الوليد".

أما العاصمة دمشق، فعلى الرغم من كونها الأقل تدميراً مقارنة بمحافظات ومدن مثل حمص وحلب، إلا أن مكانتها التاريخية عالمياً، إضافة إلى تمركز قوات النظام في معظم أرجائها، جعلها مركزاً للاستهداف، بحسب التقرير، الذي أضاف: "في تشرين الثاني، أُطلقت قذيفة هاون من المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في الضواحي الشمال شرقية للعاصمة، أصابت الجامع الكبير، ملحقة الضرر بلوحة فسيفساء لا تقدر بثمن على واجهة الجامع، وتظهر هذه اللوحة صورة للجنة ومبان خيالية محاطة بالأشجار والحدائق، تم فيما بعد إصلاح هذه اللوحة من قبل السلطات السورية، كما أن قذيفة أخرى في الشهر ذاته اخترقت الواجهة الغربية للجدار المحيط بقلعة دمشق، تاركة حفرة تقدّر بحوالي متر واحد بالقرب من قاعة العرش، التي تم ترميمها أيضاً في وقت قريب".

وتابع التقرير: "تعرض المعبد اليهودي الأقدم "إلياهو حنابي"، في حي جوبر شرقي المدينة، إلى دمار تام، واحتوى المعبد قبل تعرضه للضرر على آلاف الكنوز الدينية والثقافية، من ضمنها مخطوطات توراتيّة تعود إلى مئات السنين، إضافة إلى نصوص تاريخية وأدوات للطعام ويهوديّات قديمة من أنواع مختلفة".

وأشار إلى أن "مسجد حلب الكبير، تعرض لإطلاق نار كثيف، وشهد معارك عنيفة بين الجيشين الحر والنظامي، وكانت المئذنة السلجوقية في المسجد (بطول 50 متراً) مركزاً لقناص من المعارضة، وتعرضت بسبب ذلك إلى القصف والتدمير بالكامل، ووصف الخبراء خسارة المئذنة بأنها كخسارة ساعة بيغ بن في لندن، أما تمركز الجيش السوري الحر في منزل بالقرب من حمام السوق القديم في سوق حلب القديم، فكان سبباً في جعله هدفاً للقصف من قبل قوات النظام.

وخلال القصف تحولت الأبواب والأواني الخشبية في السوق لرماد في غضون ساعات؛ بسبب اندلاع حريق من جراء القصف.

واستطرد: "كما قام تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، في جنوب الحسكة باعتقال العديد من لصوص الآثار، إضافة لمصادرة وتدمير تماثيل أثرية تعود للفترة الآشورية عثر عليها خلال عمليات التنقيب غير الشرعية في تل عجاجة، أما موقع تل جولمة فوقاني الأثري، والذي يقع على بعد 40 كم إلى الشمال من مدينة الحسكة، و15 كم إلى الغرب من موقع تل شاغر بازار، فقد تعرض لعمليات حفر سري في عدة مناطق من هذا التل الذي يعود تاريخه إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وقام مؤخراً لصوص الآثار بعمليات حفر عميقة وكشفوا عن عدد من الجدران ودرج حجري.

وأضاف التقرير أن موقع تل السن لم يخلُ من وجود أكثر من 200 حفرة وخندق عميق ضمن منطقة المدافن البيزنطية الواقعة إلى شمال سور التل، ما أدّى إلى كشف العديد من المدافن، وسرقة محتواها، بالإضافة إلى تحوّل مساحات من الموقع إلى مكب للنفايات والبقايا الناتجة عن هدم المنازل، إضافة لقيام تجار النفط باستخدام الجزء الجنوبي من التل كسوق لهم.

وفي درعا، تعرضت مئذنة جامع العمري الذي شهد المظاهرات الأولى، إلى أضرار نتيجة سقوط عدة قذائف، كما حلّ بجامع الحراك الأثري في ازرع ما حلّ بالعمري، بحسب التقرير، الذي أوضح أيضاً أن المدرج الروماني في بصرى تم احتلاله من قبل الجيش النظامي ومليشيات الشبيحة، حيث وضعوا أكياس رمل وبدؤوا بإطلاق النار باتجاه المعارضة المتمركزة في البلدة القديمة لبصرى، ما تسبب بحصول أضرار في هذه المدنية الأثرية المدرجة ضمن لائحة التراث العالمي، منها مبنى مبرك الناقة، ومعبد حوريات الماء (المسمّى شعبياً سرير بنت الملك)، والساكف، وهو الوحيد المتبقي فوق الأعمدة، وبعض البيوت القديمة.

وبين التقرير أن تنظيم الدولة الإسلامية قام بحملة ضخمة للتنقيب عن الآثار في منبج في حلب، وأنه يحشد مئات الشباب لتشغيلهم في التنقيب مقابل أجرة يومية ضئيلة، إضافة إلى قيامه بنبش الكثير من المواقع، ومنها صالة السندس، ومنطقة جامع الشيخ عقيل.

ويُذكر أن التنظيم يستخدم الجرافات في عمليات التنقيب حالياً غرب الفرن الاحتياطي، كما عثر على لوحات فسيفسائية ضخمة في ريفي منبج والباب في أثناء عمليات التنقيب، إضافة لقبور رومانية ومقابر ملكية في عدة مواقع في أرياف مدن ريف حلب الشرقي.

وكشفت الإحصاءات عن وجود أكثر من 500 موقع أثري، تعرضت بشكل أو بآخر لأعمال التنقيب السري وعمليات التنقيب غير الأصولي، بهدف السرقة وتهريب الآثار لتركيا أو الأردن أو لبنان، ويمكن تحديد أهم هذه الاعتداءات بأنها تمت في كل من الرقة ودير الزور والحسكة وإيبلا في إدلب وأفاميا في حلب وحمص ودمشق وريفها.

ومن أشهر المواقع التي تعرضت لهذه العمليات كانت مدينة أفاميا، فقد نشر موقع "ترافيكينغ كلتشار" (traffickingculture.org)، المختص بتعقب عمليات نهب الآثار، صورتين لمدينة أفاميا الأثرية مأخوذتين من "غوغل إيرث"، تظهران وضع المدينة الأثرية قبل وبعد سرقة العديد من آثارها.

يذكر أن مدينة أفاميا الأثرية تقع على مسافة 60 كم شمال محافظة حماة، وتحتوي على سويات تاريخية ترقى للعصور الهلنستية والرومانية والبيزنطية والإسلامية.

يشار إلى أن اليونسكو ستقيم مرصداً في العاصمة اللبنانية بيروت لرصد وتقييم حالة التراث الثقافي في سوريا، مهمته رصد حالة المباني والقطع الأثرية والتراث الثقافي غير المادي، لمكافحة الاتجار غير المشروع وجمع المعلومات اللازمة لاستعادة التراث بمجرد انتهاء القتال، وكمساهمة في الحفاظ على التراث السوري قام الاتحاد الأوروبي بتقديم 2.5 مليون يورو كدعم مادي للمرصد من أجل استمراريته.

مكة المكرمة