الحمار.. من جوار الملوك إلى محط سخرية العالم

الحمار كان سبب فتح التجارة بين مصر وبلاد ما بين النهرين

الحمار كان سبب فتح التجارة بين مصر وبلاد ما بين النهرين

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 04-11-2016 الساعة 14:48
مي خلف


قبل 5000 عام كانت الحمير تقبر في مقبرة واحدة مع ملوك مصر القديمة، وكان لهذه المقابر شأن كبير في ذلك الحين، فهي كانت مخصصة للنبلاء فقط. ومن هنا، وبسبب أهمية الحمير للتجارة في منطقة الصحراء، كان الحمار يعتبر من الطبقة العليا.

هذا ما أوضحته فيونا مارشل، عالمة الآثار في جامعة واشنطن، والباحثة في علم الحمير الأليفة. وكان ذلك خلال المؤتمر السنوي الرابع "لرعاية الحمير" الذي عقد مؤخراً في جامعة كورنل بنيويورك. ولسوء الحظ، فحتى كبار المهتمين والمعجَبين بالحمار يعرفون أنه اليوم يعاني قلة الاحترام والتقدير في العالم.

اقرأ أيضاً :

حرب أمريكية روسية باردة.. و"إسرائيل" عالقة في المنتصف

"الحمير موجودة اليوم في قعر القاع" قال إريك ديفيس، طبيب بيطري مشارك في المؤتمر الذي نقلته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، مضيفاً أن الحمار يعاني المعاملة السيئة والأذى في الكثير من دول العالم، وفي حالات معينة يتعرض للذبح، سواء من أجل أكله أو لإنتاج الجيلاتين من جلده في الصين. وبعد ذبح عشرات الآلاف من الحمير، منعت بوركينا فاسو هذا العام، تصدير الحمير.

وشارك في المؤتمر، إلى جانب ديفيس، أطباء بيطريون آخرون، ونشطاء فاعلون بمجال إنقاذ الحمير وحمايتها، وضِمن المؤتمر ناقش الحاضرون المشكلات التي يضطر الحمار– الحيوان القابع في أسفل سلم التقدير الإنساني- إلى التعامل معها.

لكن لحسن حظ الحمير فهي لا ينقصها أصدقاء، وهذا ما أوضحه المؤتمر نفسه؛ فعدد الداعمين لهذا النشاط لأجل الحمير ليس كبيراً؛ إذ حضر 77 ناشطاً المؤتمر، لكن وفاءهم للحمير صادق والتزامهم تجاهها قوي، فيعملون على حمايتها بجدّ.

إلى جانب ذلك، تقول الصحيفة، يعمل النشطاء على تغيير الأفكار النمطية عن الحمير. فعلى سبيل المثال، يقول الكثيرون إن الحمار عنيد، لكن بن هارت- وهو مدرب يعمل في ملجأ الحمير ببريطانيا- قال إن الحمير مخلوقات حذرة وتفضل التفكير قبل قيامها بأي فعل؛ وسبب ذلك، ربما، أن أبا الحمير الأول، وهو الحمار البري الأفريقي، كان رافضاً للمشي في القطيع.

وبشكل عام، الحمار البرّي هو مخلوق إقليمي مستقل تماماً؛ إذ يقرر كلّ حمار طريقه بنفسه، ويقرر نوع ووقت طعامه، كما يقرر -إذا ما أراد- المواجهة أو الهرب. تقول مارشال إن الحمير حافظت على مستوى ذكاء معين، وهو ما يجعلها تحب اتخاذ القرار بأنفسها. وتضيف أنه إذا حاول الإنسان جرّ الحمار إلى منطقة مظللة أو إلى مكانٍ يبدو كأنه جرف صخري، فإنه يرفض.

هذا ما فعلته أنثى الحمار في إحدى قصص التوراة، عندما رفضت 3 مرات التقدم على الرغم من أن صاحبها أصر على ذلك، ومن ثم ضربها؛ لأنه ظنّ أنها ترفض ذلك عناداً، لكن كان سبب رفضها أنها ترى ملاكاً يتقدم حاملاً سيفاً يريد قتل صاحبها به. وما تُبيّنه هذه القصة، أن الحمار هو الحيوان الوحيد –إلى جانب الأفعى- الذي يتمتع بالقدرة على الكلام في قصص التوراة.

وبحسب مارك ميرس، مدير المحمية الطبيعية للحمير في تكساس الذي أحضر عدداً من الحمير إلى المؤتمر للتبني، فعلى الرغم من أن الحمار قد يخاف من "الملائكة المسلّحة" ويميل للهرب منها، فإنه يختار المواجهة، خاصة أمام الحيوانات المفترسة؛ مثل الذئاب والثعالب، وأحياناً النمور. لذلك، تُستخدم الحمير في حماية قطيع الخرفان وحيوانات أخرى.

وتضيف الصحيفة أنه في تاريخ علاقتها مع الإنسان، كانت الحمير هي البهيمة المثالية لحمل البضائع. كما أنها كانت من أوائل الحيوانات البيتية المدجّنة؛ إذ دجّن أول حمار قبل نحو 6000 عام، وقبل 5000 عام كان الحمار من طبقة النبلاء لشدة أهميته وقداسته. وهنا، أكدت مارشال أن الحمار –وليس الجمل- هو من فتح الصحراء أمام الإنسان ومكّنه من بدء التجارة بين مصر وبلاد ما بين النهرين.

أما الجِمال فقد ظهرت قبل 3000 عام، ومنذ ذلك الحين أصبحت الحمير تحمل حجارة البناء والطعام والبضائع والأسلحة والبشر. وعلى الرغم من ذلك كله، تحتجّ مارشال قائلة إن المتاحف وصالات العرض تعج بالصور والقطع التي تمجّد الحصان وليس الحمار، "من المثير للغضب فعلاً أن تتحول إلى شخص غريب الأطوار لمجرد حبّك للحمار".

وتؤكد مارشال أن الحمار بالفعل ليس حيواناً "مثيراً"؛ فهو يمشي بسرعتين: ببطء أو ببطء أكثر. لكن الفجوة في التقدير بينه وبين الحصان هي بفعل البشر. الحمار البري الأفريقي، مثلاً، لم يبقَ منه إلا 600 واحد، وهو "حيوان برّي مذهل"، قالت مارشال.

في المقابل، كان الحصان قبل آلاف السنين حيواناً متدنّي القيمة؛ لأنه كان سميناً وذا أقدام قصيرة. لكن، بعد فترة من التدجين، تحوّل الحصان إلى حيوان سريع وطويل القدمين وذي قامة عالية، بالضبط كما أصبح الحمار البري السريع بطيئاً وذا أقدام قصيرة. ونظراً إلى إسهامه في فتح التجارة في بداياتها، يرى ديفيس أن "بني البشر مدينون للحمير"، لذلك من مسؤولية كل إنسان رعاية حمار.

مكة المكرمة