الرومانسية التركية .. إعادة اكتشاف!

نجمات تركيا يشاركن في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة

نجمات تركيا يشاركن في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 27-11-2014 الساعة 15:04
إسطنبول – عبد القادر محمد علي - الخليج أونلاين


مهند ونور .. ليث ونورا .. ثنائيات من العاشقين الأتراك دفعت إلى زوايا النسيان ليلى ومجانينها وديوان غزلها العذري، وليتها اكتفت بذلك، فما أهون الشعر والرموز علينا هذه الأيام! بل امتدت إلى بيوت فهدمتها على رؤوس ساكنيها؛ فهذه المسلسلات وبما فيها من فائض عاطفي تصدره لنا تركيا فيما تصدر، جعلت بعض الأزواج يكتشفون بغتة التصحر العاطفي الذي نعيشه، وبعد أن وضعت لنا عيونُ الممثلات النجلاء ونظراتُها وورودُ الممثلين الحمراء وشوكاتُها مقاييس الحب، ارتفعت المطالبات باحتذاء النموذج التركي، في العشق أيضاً، كما تدوول وصول الأمر إلى منتهاه بحالات طلاق كان سببها عجز أحد الزوجين، وربما عجزهما معاً، عن الوصول إلى المقاييس المذكورة.

إذن هي "دروس تركية في الحب" كما تقول أحلام مستغانمي، ولكن... هل تشاركنا الجهات المعنية بالمرأة وحقوقها، تركية أو عالمية، هذه النظرة المبهورة إلى الرومانسية التركية يا ترى؟

مفارقة وحقائق

يبدو أن حقائق الورق تخالف حقائق المسلسلات؛ ففي شهر مايو/ أيار من العام الماضي صدرت عن وزارة الأسرة والسياسات الاجتماعية التركية إحصائيات صادمة حول العنف الموجه ضد المرأة؛ أعلنت الوزيرة حينها فاطمة شاهين أن 666 امرأة توفيت بين عامي 2009 و2012 نتيجة العنف داخل العائلة، كما أفادت وكالة الأناضول نقلاً عن الوزارة ذاتها، أن عدد عمليات تدخّل شرطة حماية النساء في مواجهة العنف ضد المرأة، في عموم تركيا، بلغ 8 آلاف و908 عمليات خلال الشهرين الأولين من عام 2013.

أما رئيسة سياسات المرأة بحزب الشعب الجمهوري المعارض، هلال دوزجان، فلم تخالف هذا، مبينة أن "تركيا شهدت خلال الأشهر العشرة الأولى من 2014، قتل 255 امرأة، مقابل 237 في عام 2013"، وأن "المرأة التركية تتعرض لحوادث قتل وضرب واغتصاب وتحرش واعتداء جسدي، بمعدلات تفوق نظيرتها في العديد من دول العالم، وأنها تتعرض لممارسات عنف تفوق المعدلات الدولية".

وفي دراسات أجرتها وزارة الأسرة والسياسات الاجتماعية، تبين أن 53 بالمئة من النساء تعرضن للعنف في شمال شرقي البلاد، و50 بالمئة منهن كن ضحايا الأمر ذاته في وسط البلاد، وهذه أعلى النسب، أما أخفضها فبلغت 25 بالمئة من مجموع النساء في غربي تركيا.

كما أوردت هيومن رايتس ووتش في تقرير نشرته عن تركيا في 2011 بيانات مروعة عن نساء التقتهن تعرضن لاغتصاب وطعن وركل بطون الحوامل وضرب بالمطارق والعصي وأفرع الشجر والخراطيم، لدرجة إحداث كسور في العظام وتهشيم الجماجم؛ وحبسهن مع الكلاب أو غيرها من الحيوانات والتجويع؛ وإطلاق النار ببندقية صاعقة والحقن بالسموم والدفع من الأسطح؛ فضلاً عن التعرض للعنف النفسي الشديد. ووقعت أحداث العنف في جميع الأنحاء التي أجرى فيها الباحثون المقابلات، وعبر مختلف مستويات الدخل والتعليم.

ليست الثقافة وحدها

تعنيف النساء ظاهرة عالمية لا تختص ببلد دون آخر، ومن أهم أسبابها عموماً ضغوط الحياة المعاصرة التي تدخل الإنسان في دوامة المشاعر السلبية، بالإضافة إلى النظرة السوداوية للحياة، وتعاطي الكحول والمخدرات، وسهولة الوصول إلى السلاح، غير أن المتخصصين الأتراك يذكرون -فيما يخص بلدهم- أسباباً أخرى للعنف الممارس ضد النساء، بعضها يتعلق بمؤثرات نفسية، فالمناطق التي نالت أعلى المعدلات يتصف سكانها بحدة المزاج والميل إلى العنف، ولعل أهم المؤثرات تلك التي تتعلق بتقاليد المجتمع التركي والعائدة في جذورها إلى مكانة الرجل والمرأة في الثقافة السائدة، بجانب التغيرات التي بدأت تطرأ على هذه التراتبيات نتيجة أسباب متعددة من أهمها دخول المرأة إلى سوق العمل، وما قد ينتج عن ذلك من شعور المرأة بالتحرر الاقتصادي أو بالندية مع الطرف الآخر مما يخدش "هيبة" الرجل، أو شعوره بذلك على الأقل، وفي حالات أخرى كان نيلها راتباً أعلى من راتب الزوج يولد نوعاً من الغيرة أو الشعور بالنقص، ويتجسد كل ذلك في الواقع سلوكاً عنفياً لأتفه الأسباب، حتى عنونت جريدة وطن الإلكترونية الصادرة في 2014/11/25 بقول الدكتورة في جامعة باموك كاله نازان كوشتو: "المرأة التي تنال أجراً أعلى تتعرض لقدر مضاعف من العنف".

ويجسد القول التركي "لا ترفع العصا عن ظهر المرأة" نظرة مجتمعية بالغة الحدة تجاه كيفية التعامل مع المرأة؛ ولذا فليس من المستغرب أن تتعرض اثنتان من كل خمس تركيات للعنف المنزلي، لا من الزوج فقط، بل قد يصدر عن أي ذكر في الأسرة.

وأظهرت الدراسات أن قدراً لا يستهان به من العنف يأتي من الذين هجروا القرى إلى ضواحي المدن، ولم يستطيعوا التكيف مع حياتها، فتنعكس أزمتهم هذه سلوكاً عنفياً ينصب على الأسرة بما فيها الزوجة.

ولاحظت الدراسات أن مما يزيد معدلات العنف سكوت المرأة عن التجاوزات الممارسة بحقها، وعدم لجوئها إلى المؤسسات المعنية بحمايتها؛ نتيجة لضوابط اجتماعية تقضي ببقاء ما يحدث داخل الأسرة خلف الجدران المادية والمعنوية.

ولم يقتصر استخدام العنف، بحسب الدراسات، على من لم ينالوا قسطاً من التعليم، بل تعدى الأمر ذلك، لكن اختلفت الطريقة؛ إذ يعمد المتعلمون إلى استخدام العنف المعنوي واللفظي كالسخرية من الزوجة في العلن، والمقارنة المجحفة بينها وبين الأخريات، أو السخرية منها على الملأ.

الدولة وإجراءاتها

وقد اتخذت الدولة مجموعة من الإجراءات للتصدي لهذه الظاهرة المتفشية، وإقرار آليات لحماية المتضرر من العنف الأسري من خلال القانون رقم 4320 لعام 1998 وتعديلاته في 2007، وكان إصدار القانون رقم 6284 في 2012/03/20 خطوة واسعة في هذا المضمار؛ إذ أقر مجموعة من التدابير لحماية المرأة المعنفة من اعتداء الزوج أو شريك السكن، منها منح المرأة المعنفة سواراً إلكترونياً تستطيع عند الخوف أن تضغط على زر للطوارئ فيه، فيتبين موقعها للجهات المخولة بالتدخل في هذه الحالة، كما نص على عقوبات تتطور إلى إبعاد الرجل من مكان السكن، ومنعه من الاقتراب من البيت إلى غير ذلك.

وقد لاقى هذا القانون مجموعة من الاعتراضات من الجمعيات الناشطة في هذا المجال؛ منها أنها أخذت عليه أنه لم يذكر أن تعنيف النساء انتهاك لحقوق الإنسان، وأنه لم يقر التعويض للمتضرر من العنف، كما طالبت أن تطال الإجراءات العقابية من يحرض على العنف.

كما يقضي قانون البلديات بأن على كل بلدية يبلغ عدد سكانها 50000 نسمة فأكثر، أن تدعم بمأوى لسكن النساء المعنفات، وقد بلغ عددها بحسب جريدة ملليت في طبعتها الإلكترونية بتاريخ 2013/08/26، 120 ملجأً، لكن الصحيفة نفسها أكدت خلو عدد من المدن منها، كما رأت عدم كفايتها نسبة إلى عدد السكان.

في أواخر شهر أغسطس/ آب 2013 وقعت كل من وزارة الأسرة والشؤون الاجتماعية ورئاسة الشؤون الدينية (وزارة الأوقاف) تفاهماً، يقوم بموجبه موظفو رئاسة الشؤون الدينية بزيادة الوعي، عبر فعاليات التعليم، من أجل مكافحة العنف ضد المرأة والأطفال وحماية الأسرة، كما يهدف الاتفاق إلى تطوير الوعي بحقوق الإنسان والمرأة، والحد من العنف الأسري، والعمل على تقوية روابط الأسرة والتواصل بين أفرادها ودعم قدراتهم على حل مشاكلهم.

ونهاية أوردت جريدة ملليت في طبعتها الإلكترونية الصادرة بتاريخ 2014/07/20، دراسة قام بها كل من المحاضرة المساعدة أوزلم ألبير والطبيب النفسي ألب أرديش، اللذين زارا السجون ودرسا الحالات التي قتلت فيها الزوجات أزواجهن والبالغة 30، وقد كثفت إحدى السجينات مأساتهن قائلة: "لو تمكنت من النجاة منه لما قتلته!".

مكة المكرمة