الطفل والدبدوب.. سر إبداع الكبار

يتعلق الطفل بالدبدوب كتعويض عن الأم

يتعلق الطفل بالدبدوب كتعويض عن الأم

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 30-12-2014 الساعة 18:22


لا بد أن كلاً منا يتذكر دمية دبدوب أو وسادة أو قطعة قماش تعلّق بها وهو صغير، أو رأى طفلاً يجر وسادته أو غرضاً غالياً عليه معه أينما ذهب، فينام ويأكل ويتنقل وهذا الغرض في حضنه، ويمنع أمه من أن تنزعه منه، أو حتى أن تنظّفه، وإذا قامت بذلك فيستاء بشدة ويتوتّر، ويجوب البيت غاضباً بحثاً عنه، ولا يطمئن حتى يسترجعه.

وعلى خلاف ما قد يعتقده الأهل، يعتبر هذا الغرض مهماً فعلاً وذا ضرورة حقيقية لتطور الطفل عاطفياً ونفسياً بشكل سوي، وأطلق العالم النفسي البريطاني "دونالد وينيكوت" على هذه الظاهرة اسم "الغرض الانتقالي" (Transitional Object)، أو "الغطاء الآمن" (Security Blanket).

ما السر وراء التعلّق بدبدوب؟

يتعلق الطفل بالدبدوب في خطوة أولى نحو الاستقلالية وتكوين الذات، وخلق الحيّز المنمّي للإبداع مع اقترابه من إتمام سنته الأولى، إذ يبدأ الطفل بالانفصال عن أمه واستيعاب فكرة أنهما كيانان منفصلان، لكلّ إرادته ورغباته وقدراته؛ وعليه، يعيش الطفل تجربة جديدة مليئة بمشاعر الخيبة والخوف من المرحلة الجديدة؛ إذ يبدأ في هذه المرحلة بخوض الحياة باستقلالية أكبر، فتتطور قدرته على المشي والتفاعل مع شخصيات جديدة، كما أن أمه تبدأ بالغياب أكثر من قبل، ونتيجة لذلك يتبنى الطفل أي غرض يعبّر عن "الأم الغائبة"، مما يساهم في تخفيف التوتّر والخوف، ويمنحه الشعور بالأمان، ويفرّغ فيه جزءاً من مشاعره تجاه الأم؛ بكلمات أخرى، يعتبر الدبدوب تعويضاً عن الأم في المرحلة الانتقالية ما بين التوحّد الكامل وبين تكوين الطفل لشخصيته المستقلة ذات الإرادة.

جيل التعلق

تختلف بداية التعلق من طفل لآخر، وذلك بحسب عدة عوامل؛ منها طبيعة العلاقة بين الأم والطفل، ووفقاً لمزاجه (Temperament) فقد يبدأ الطفل بتفضيل غرض معيّن بداية من سن 4 شهور حتى سن 12 شهراً، وتستمر العلاقة بين الطفل والدبدوب حتى يشعر بأنه قد استقل تماماً، الأمر الذي قد يمتد عند قسم من الأطفال حتى سن الروضة.

طفل بدون دبدوب

تقول الدراسات التي لحقت نظرية "وينيكوت": إن من الخطأ أن يجبر الأهل طفلهم على تبنّي غرض معيّن، بل يجب أن يختاره الطفل بنفسه، وفقاً لحاجته وتقديره، لكن لأجل التأثير الإيجابي المرافق لوجود هذا الغرض على التطوّر العاطفي والنفسي لدى الطفل، يقدّم الاختصاصيون النفسيون عدة نصائح لأهل الطفل الذي لم يختر غرض التعلق بعد.

فعلى سبيل المثال، يمكنهم اختيار غرض ليّن وناعم مصنوع من قماش لطيف الملمس، وإظهار الغرض أمامه في لحظات الاسترخاء اللطيف كي يرتبط في ذهنه بتجارب إيجابية وشعور بالأمان. من المفضّل اختيار غرض غير نادر الوجود، أي من الممكن تكرار شراء بديل طِبْق الأصل له في حالات فقدانه أو تعرّضه للضرر، إلى جانب ذلك من الجيد أن لا يكون الغرض كبيراً؛ لأنه من المتوقع جداً أن تأتي المرحلة التي سيصحب فيها الطفل هذا الغرض إلى كل مكان.

كما أنه يمنع تماماً غسل الغرض أو تنظيفه دون موافقة الطفل، لأن الرائحة هي أهم عامل مؤثر بهذه المرحلة، وفي حال ضياع الغرض وشراء بديل طبق الأصل له، ينصح بأن تقوم الأم باستخدامه لتعلق رائحتها به، ومن ثم تسلمه للطفل من جديد.

ويضيف الخبراء أن أهم اللحظات التي يحتاج بها الطفل إلى الدبدوب هي في حالات الخوف والغضب أو التهديد، أو عند توجههم لمكان غير مألوف، لذلك على الأهل التأكد من توفّر الدبدوب المفضّل بمتناول يد الطفل ليقوم باحتضانه في حال احتاج إلى ذلك.

هل نخاف من التعلق الزائد بالدبدوب؟

يتخوّف الكثير من الأهل من العلاقة الطويلة بين الطفل والدبدوب، ويظنّون أن الأمر قد يتحوّل لتعلق مَرَضي، إلا أن الغالبية العظمى من الدراسات، على مر السنين، بيّنت أن لا أساس لهذا الخوف؛ إذ إن على الأهل ترك مساحة الحرية الكاملة لطفلهم لاتخاذ قرار استمرار حيازة الدبدوب أو تركه، لأن هذا التعلّق ينبع بالأساس من حاجة عاطفية ونفسية ومن المضر نزع الطفل منها بالقوة، وأن لهذا النوع من التصرف أثراً عكسياً ربما يظهر لاحقاً سيقوم الطفل بإرادته الكاملة بالتخلص من الدبدوب عن طريق تجاهله أو وضعه جانباً عندما يشعر بأن شعوره بالأمان اكتمل، وهو نابع من ذاته وليس له حاجة أن يستمده من مصدر خارجي، لكن في حال استمر التعلق حتى جيل المدرسة 6-7 سنوات، فمن المقترح أن يتوجّه الأهل إلى استشارة الاختصاصيين النفسيين، لأن استمرار الظاهرة يعد مؤشراً لوجود ضائقة عاطفية تتمثل بعدم الشعور بالأمان، وحاجة مستمرة إلى استمداد القوة من مصدر خارجي.

ماذا عن دبدوب الكبار؟

يقول "وينيكوت" إن هذه الظاهرة تبقى موجودة بداخل النفس البشرية، أي عند الكبار أيضاً، على شكل حيز افتراضي بين الواقع والخيال؛ إذ اعتبر أن وجود هذا الحيّز يساعد الكبار على التخيّل والإبداع، بخلق الفانتازيا والاستمتاع بها؛ لذلك يعتبر "وينيكوت" هذه المرحلة خلال الطفولة مهمة جداً؛ لأنها تؤسس لقدرة الإنسان على تطوير شخصية سويّة نفسياً قادرة على الإبداع ومكتفية عاطفياً.

إلى جانب ذلك، بحسب "وينيكوت"، فإن الشخصيات الصارمة من الكبار، والتي لا تملك هذا الحيّز، عادة ما تكون غير قادرة على التفاعل مع الأدب الخيالي أو ألعاب مثل "أصحاب المهن"، وتجارب متعددة يطلب منهم فيها اتخاذ دور آخر أو تخيّل أشياء غير موجودة، أو وضع أنفسهم مكان الآخرين، وتمثيل أدوارهم، ويعود هذا بحسبه لخلل في المرحلة الانتقالية في أثناء طفولته.

مكة المكرمة