الغُربة.. تغييرات نفسية واجتماعية كيف نتعامل معها؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/LdpRBL

يوضع الإنسان في الغربة بمحطات تغيره على الصعيد الشخصي بشكل كبير

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 10-11-2018 الساعة 19:09
هناء الكحلوت - الخليج أونلاين

كان يلقب بـ"المكوك"، فهو المحرّك الرئيس لعائلته وأصدقائه في سوريا قبل أن ينتقل مجبَراً إلى ألمانيا للعيش هناك، ليجد نفسه عقب سنوات قد غيّر الزمن في شعوره ونفسيته وبيئته الاجتماعية الكثير.

عمار المصري، وهو سوري سافر إلى ألمانيا منذ 4 سنوات، يعمل اليوم في مطعم يدرّ عليه مالاً وفيراً، ومرّ بعدة محطات أثرت في نفسيته سلباً وبدأت بفقدانه الاتصال مع الناس، يروي لـ"الخليج أونلاين" قصته عن الانتقال من مجتمعه إلى مجتمع آخر.

وخلال جلوسه في غرفته الواسعة المضاءة بنور الشمس، وهو يضع الحاسوب الخاص به على طاولة بيضاء كبيرة وبجانبه كأس عصير وطبق من المكسرات، يقول: "كنت أقضي الكثير من الأوقات مع أصدقائي وعائلتي، أحاور وأتشاجر وأكسب ود الجميع.. اليوم انتقلت إلى مكان لا أعرف فيه الكثير من الناس، وحاولت أن أندمج مع من عرفتهم رغم قلتهم".

وعلى الرغم من محاولاته الحثيثة لقضاء الوقت مع أصدقائه، بيَّن "المصري" أنه بات يشعر بأن قدراته الاجتماعية في التواصل والتخاطب مع الناس تراجعت، كما أنه أصبح يقضي معظم الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي، ولعب البلايستيشن؛ ما يؤدي إلى عدم التواصل البصري والجسدي مع الأشخاص.

جميع هذه الظروف أدت إلى تغيير في شخصية "المصري"، إذ يقول: "كنت في السابق أتعامل مع الكبار والصغار، نقبّل أيدي أجدادنا، ونداعب أطفالنا، ونحتضن من نحب. لكن الآن بعد وقت أمضيته هنا، أصبح لدي نوع من القسوة، أسعى لإزالتها والعودة لطبيعتي".

ويلجأ العديد من الأشخاص مجبرين أو بإرادتهم، إلى العمل أو الدراسة في شتى دول العالم، سواء كانت عربية أو غربية، لكنهم يواجهون الكثير من التغييرات بحياتهم، قد يتأقلمون معها أو لا يعرفون كيفية التصرف حيالها.

"المصري" اجتمع في أحد الأيام مع مجموعة كبيرة من الأصدقاء في إحدى الحفلات العائلية التي نظمها والد صديقه، لكنه وجد نفسه غير قادر على التفاعل كالسابق، وبات يفضل السكوت أكثر، وإن رغب في التحدث فإن ذلك يكون بكلمات قليلة أو جمل غير مركبة بشكل صحيح، على حد وصفه.

ويقول الأخصائي النفسي السوري باسل نمرة، وهو مغترب، مقيم بمدينة إسطنبول التركية، إن معظم حالات الاندماج التي نراها في الغربة تكون ناجمة عن اندماج خاطئ، أو يكون هناك صعوبة بالاندماج، وعدم رغبة في تقبُّل المجتمع الجديد، بحيث لا يكون الشخص مُهيّأً نفسياً للذي سيذهب إليه.

وبيَّن الأخصائي "نمرة" لـ"الخليج أونلاين"، أن ظروف اللجوء، أو السفر الذي يأتي فجأة، وقلة الاطلاع على البيئات والمجتمعات الجديدة، هي التي تسبب هذه الصدمات، إذ إن هناك الكثير من الاختلافات، منها اختلافات في بيئة العمل وساعاته الطويلة، والعلاقات الاجتماعية المحدودة، وغيرها.

كيف تكسر الحواجز؟

ويشتكي العديد من المغتربين من الوحدة، أو الاكتئاب وهو مرض يميّزه الشعور الدائم بالحزن وفقدان الاهتمام بالأنشطة التي يستمتع فيها الشخص عادةً، وهو يقترن بالعجز عن أداء الأنشطة اليومية أسبوعين على الأقل.

وتبدو أعراضه في: فقدان الطاقة، وتغيّر الشهية، والنوم فترات أطول أو أقصر، والقلق، وانخفاض معدل التركيز، والتردّد، والاضطراب، والشعور بعدم احترام الذات أو بالذنب أو باليأس، والتفكير في إيذاء النفس أو الانتحار.

ويبين الأخصائي النفسي أن اختلاف البيئات يؤدي إلى رفض المجتمع والانعزال، والكثير من الحالات في الغربة أصبح لديها طيف توحُّد، ويكون التواصل مع محيطها السابق من خلال وسائل التواصل الاجتماعي فقط.

ويوضح "نمرة" لـ"الخليج أونلاين"، أنه حتى يُكسر هذا الحاجز النفسي والاجتماعي في البداية، وقبل دخول المجتمع الجديد يجب أن تتعلم لغة هذه البلاد، ويقول إن دخولك مثل هذه الدورات يجعلك تتمكن بشكل أكبر ويصبح لديك أصدقاء جدد.

كما بيَّن أنه في المجتمعات الأوروبية، هناك جمعيات وأنشطة تطوعية، وهذه الأنشطة تدخل ضمن السيرة الذاتية وتفيد عند التقديم للعمل، وساعدت هذه الجمعيات اللاجئين على الاندماج بشكل كبير، كما أتاحت الفرصة للقاء أشخاص من جنسيات وأطياف مختلفة.

ومن الأمور التي أشار إليها، أنه بالإمكان ممارسة الطقوس الدينية بِحُرية، سواء كان ذلك بالذهاب إلى المسجد أو الكنيسة، وهو ما يجعل النفس تشعر بحالة صحية، لافتاً إلى أهمية تكوين أسرة صغيرة، وأثرها الكبير في النفس، بحال كان هناك مقدرة على ذلك.

وهناك العديد من الطرق التي يطرحها مختصون نفسيون وخبراء اجتماعيون، للحد أو الوقاية من الاكتئاب ويستطيع أي مغترب أن يفعلها.

ومن هذه الخطوات: ممارسة الرياضة، وتناول الطعام الصحي الذي يحسن النفسية وينشط الجسم، وفعل شيء جديد، ومحاولة الاستماع للأشخاص والتواصل المباشر معهم، وعدم المكوث في المنزل فترة طويلة وعزل النفس عن الناس، والحد من الأفكار السلبية ومحاربتها وعدم التوقف عندها كثيراً حتى لا تسيطر على العقل.

كما يجب الحصول على قدر كافٍ من النوم، والتواصل الفعال مع الناس، وفي حال تقدّم الأمر تجب مراجعة الطبيب النفسي، الذي يتدخل بالعلاج ويساعد في تحسين الوضع ووصف الأدوية إن تطلَّب الأمر.

وعلى الرغم من عدم تأقلم البعض في الغربة، فإن هناك من استطاع أن يدمج نفسه بالمجتمع الجديد، وأن يُكوّن الكثير من العلاقات، وأن يشغل نفسه بأشياء تعود بالنفع على ذاته ومحيطه.

مكة المكرمة