المسلمون والمسيحيون في غزة.. تعايش مثالي وتلاحم ضد الاحتلال

الاحتلال يعامل مسيحيي غزة كإرهابيين

الاحتلال يعامل مسيحيي غزة كإرهابيين

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 31-10-2015 الساعة 09:16
غزة – مها شهوان - الخليج أونلاين


إلى الشرق من مدينة غزة حيث حي "الزيتون" القديم، تفوح رائحة المحبة والتسامح بين الأديان، لا يميز المتجوّل داخل أزقته بين المسلم والمسيحي إلا عند دخولهم الكنيسة والمسجد لتأدية الصلوات.

هذا الحي يقطن فيه غالبية مسيحيي قطاع غزة، ويقدر عددهم بألفي شخص جلهم ينتمون لطائفة الروم الأرثوذكس، والبقية ما بين الكنيسة الكاثوليكية والمعمدانية والإنجيلية.

في مشهد يوحي بالتآخي بين المسلمين والمسيحية بغزة، حيث يعانق هلال مسجد "كاتب ولاية" صليب كنيسة "القديس بيرفيروس" منذ مئات السنين، فكثيراً ما يجتمع شباب المسجد بعدما ينهون صلاتهم في باحة الكنيسة لقضاء سهرتهم برفقة جيرانهم وأصدقائهم المسيحيين.

ومع أن المنطقة العربية تشهد حروباً طائفية، لكن الحال في قطاع غزة مغاير؛ حيث يتشارك المسلمون والمسيحيون الهموم ذاتها؛ لكونهم يعيشون تحت سيطرة محتل واحد، ففي الانتفاضة الأولى كانت تحتضن الكنيسة المقاومين كنوع من الحماية، لكن جنود الاحتلال كانوا ينتهكون حرمتها ويعتقلونهم، كما تعرضت لأكثر من مرة لقصف طائرات الاحتلال الإسرائيلي، آخرها كان في الحرب الأخيرة حينما كانت تؤوي عائلات مسلمة هجرت قسراً من بيوتهم خلال العدوان.

- تدين بالمسيحية

في حي الرمال تعيش المسيحية أليسار مسعود برفقة عائلتها المكونة من خمسة أفراد، بجوار عائلة مسلمة، ويتشاركون الأفراح والأحزان.

تصف إليسار علاقتهما في حديث لمراسلة "الخليج أونلاين" بأنها كالعائلة الواحدة، حيث التشابه في العادات والتقاليد، فلا تشعر بأن هناك اختلافاً بينهما، لكن الجارتين تحرصان على عدم الخوض في الحديث عن الأمور الدينية.

تقول: "في إحدى المرات شاهدت ابن جارتي المسلمة يقوم بتقليدي خلال صلاتي (..) وقتئذ صحبته إلى والدته وأخبرتها بما حدث كي تفهمه"، مضيفة: "أحرص على تعليم أبنائي حينما يبلغون سناً معيناً الفرق بين الديانة الإسلامية والمسيحية كي لا يحدث لبس لديهم عند تعاملهم مع أصدقائهم في المدرسة".

ولفتت إلى أنها تعيش حياتها الطبيعية دون مشاكل سوى المشاكل التي تسبب بها الاحتلال ويعاني منها كل أطياف الشعب الفلسطيني.

وإلى حكاية أخرى، حيث الشاب رامي إلياس، فالقليل من أصدقائه يعلمون بدينه المسيحي، فطيلة فترة دراسته لم يخبر أحداً بديانته، وبقي يحضر دروس التربية الإسلامية ويتجاوب مع الأستاذ ويقدم الامتحان ويحصل على أعلى الدرجات.

يقول: "التعرف على الأديان الأخرى أمر جيد، وفي الوقت ذاته لا أرغب بإعلام أي شخص جديد يدخل حياتي بديانتي، كي لا أدخل في جدال مع أحد"، موضحاً أن "بعض الغزيين الذين لم يحتكوا بالمسيحيين لديهم تصور مختلف عن جيرانه وأصدقائه فهم ما إن يلتقون بأي مسيحي حتى يدعونه للإسلام فوراً".

ويعيش الشاب المسيحي الأجواء الرمضانية مع أصدقائه، حيث يلبي دعواتهم على الإفطار، وكذلك يشاركهم في بعض الأطباق التي تعدها والدته كالبربارة التي يطلبها منه أصدقاؤه، وهي تعد أكلة خاصة يتم إعدادها في الأعياد المسيحية إلى جانب المفتول والديك الرومي.

ليس وحده رامي من يمارس الطقوس الرمضانية والاحتفال بالأعياد الإسلامية، فغالبية المسيحيين في قطاع غزة يبادلون جيرانهم المسلمين التهاني والزيارات في المناسبات الدينية، وفي المقابل يرد لهم المسلمون الزيارات في المناسبات كافة.

رامي يرفض ذكر اسم عائلته الأخيرة "للخليج أونلاين"؛ خوفاً من وضع الاحتلال الإسرائيلي اسمه على القائمة السوداء للذهاب إلى بيت لحم للاحتفال بالأعياد المسيحية والصلاة في كنيستي المهد والقيامة، فهذه المرة الأولى بعد حرمان دام تسع سنوات، فقد انتظر الوصول إلى سن الخامسة والثلاثين كي يسمح له.

ويعاني المجتمع المسيحي منذ الانقسام السياسي في قطاع غزة حرمان الشباب الذين هم دون سن الخامسة والثلاثين من دخول الضفة المحتلة، وذلك لأسباب أمنية تتذرع بها "إسرائيل"، فهي تحرم أيضاً منح بعض كبار السن تصاريح الدخول للأراضي المحتلة للتنغيص عليهم.

ومع أن المجتمع المسيحي في قطاع غزة نسبته قليلة مقارنة بالمسلمين، فإنهم يشغلون مناصب عليا ومرموقة داخل المجتمع، بالإضافة إلى أن أشهر صائغي الذهب وأصحاب محطات الوقود هم مسيحيون.

داخل محل شاهين للمصوغات الذهبية نجد زبائن التاجر المسيحي جلهم من المسلمين، ويتعامل معهم في البيع والشراء كما تفرضه النصوص الإسلامية، النساء الغزيات يقبلن عليه أكثر من المحال الأخرى.

كما تجدر الإشارة إلى أنه من حين لآخر يعتنق بعض الشباب المسيحي أو كبار السن الدين الإسلامي، مما يحدث إرباكاً داخل المجتمع الغزي، لكن يتم السيطرة عليه دون المساس بأحد.

- الاحتلال يحرمنا السفر

بدوره تحدث جبر جلدة، مدير العلاقات العامة في كنيسة القديس بيرفيروس، عن طبيعة العلاقة بين المجتمع المسلم والمسيحي في قطاع غزة، فقد ذكر "للخليج أونلاين" بأنهم كالإخوة ولا فرق بينهما، ولا يوجد علاقة بين أي ديانتين في العالم كما الحال في غزة، مدللاً على التآخي بين أبناء الديانتين بمجاورة الكنيسة للمسجد. ولفت إلى أن مدارس المسيحية هي ذاتها التي يدرس فيها المسلمون والجميع يحترم دين الآخر.

وعن أبرز المشاكل التي تعاني منها الطائفة المسيحية في قطاع غزة، أشار جلدة إلى أن الاحتلال ينظر إليهم كإرهابيين، ويحرمهم زيارة بيت لحم مهد عيسى عليه السلام للاحتفال بأعيادهم، مشيراً إلى أن عدد المسيحين في قطاع غزة يتناقص في حال كانت الأحداث السياسية صعبة، حيث يفر بعضهم إلى الضفة أو يسافر خارج البلاد في حال تمكنوا من ذلك.

يشار إلى أن الاحتلال لا يفرق في معاملته بين مسلم ومسيحي فلسطيني، ففي صفقة وفاء الأحرار التي أبرمت عام 2011 تم إطلاق سراح الأسير كريس البندك من مدينة بيت لحم وإبعاده إلى مدينة غزة عقاباً له ليحرم من عائلته هناك، لكن سرعان ما تم احتضانه، سواء من مسلمي ومسيحي القطاع.

مكة المكرمة