"الهجرة".. باب مفتوح لمسيحيّي غزة هروباً من الحصار والأزمات

تعد فلسطين هي مهد الديانة المسيحية

تعد فلسطين هي مهد الديانة المسيحية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 29-01-2018 الساعة 04:02
غزة - الخليج أونلاين (خاص)


دفع الحصار المشدّد والخانق المفروض على قطاع غزة، منذ العام 2007، وما خلّفه من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية طاحنة لم تستثنِ أحداً، وأصابت دون تمييز المسلم والمسيحي، الكثير من الفلسطينيين للتفكير في فتح باب الهجرة للهروب من ويلات الحصار التي يعيشونها منذ 11 عاماً.

أعداد المسيحيين داخل الأراضي الفلسطينية باتت تنحسر تدريجياً، وكان لقطاع غزة نصيب الأسد من هذا الانحسار، حتى وصلت أعدادهم إلى أقل من 1000، بعد أن كانت في أعوام سابقة تتجاوز الـ 3500، بحسب إحصائيات رسمية صادرة عن "كنسية الروم الأرثوذكس" في القطاع.

تحوّل هجرة مسيحيّي غزة إلى ظاهرة حملت معها خلال السنوات الأخيرة أرقاماً مخيفة، دفع مراسل "الخليج أونلاين" إلى فتح هذا الملفّ الشائك والبحث عن أسبابه الرئيسية ودوافعه، ومدى تأثيرها عملياً على الوجود المسيحي في القطاع وفلسطين بشكل عام.

- بحثاً عن الحياة

ناصر الترزي، أحد أبناء الديانة المسيحية بغزة، ومن الذين هاجروا برفقة عائلتهم القطاع وتوجّهوا للإقامة في مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلّة، في شهر مايو من العام الماضي، شرح لـ "الخليج أونلاين" الأسباب الحقيقية التي دفعته هو وعائلته للهجرة من القطاع.

يقول: "خلال السنوات الـ 11 الماضية، كانت الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في قطاع غزة تتأزّم يوماً بعد يوم بفعل الحصار الإسرائيلي، غير الحروب الطاحنة التي شنّها الاحتلال خلال تلك السنوات ولم ترحم أحداً، وكنّا نقول إن العام القادم سيكون أفضل، ولكن نتفاجأ بأزمات وويلات جديدة".

ويضيف الترزي: "حاولنا أن نصبر ونتحمّل، ولكن سوء الأوضاع المعيشة كالكهرباء والمعابر، وعدم توفّر أي فرص عمل، وارتفاع نسبة البطالة، كانت أقوى منّا ودفعتنا إلى الهجرة نحو رام الله (شمال الضفة الغربية)، في محاولة من عائلتي للبحث عن حياة بعد أن قتلها الحصار ودمّر كل صورها الجميلة".

ويلفت هنا الترزي إلى أن هجرتهم إلى رام الله لن تكون دائمة، ويمكن أن تعود عائلته للقطاع في حال تحسّنت ظروفه الاقتصادية والسياسية، مضيفاً: "فكرة الهجرة كانت مرفوضة في السابق، ولكن ما أجبر مئات العائلات المسيحية على ترك القطاع الأوضاع القاسية وظروفه الصعبة، وإحساسهم بأن مستقبلهم بات على المحكّ".

وأكّد أن هجرة العائلات المسيحية من قطاع غزة نحو الداخل كالضفة الغربية، أو الخارج للدول العربية والأوروبية، "لا تعني الاستغناء عن الوطن والتفريط بأرض الأجداد وميلاد المسيح"، مشدداً على أنهم جزء أصيل من فلسطين، ووجودهم له أهمية كبيرة للغاية في إفشال المشاريع الإسرائيلية بالقضاء على الثقافة الدينية، وخاصة في قطاع غزة المحاصر، مطالباً الجميع بدعم الوجود المسيحي في فلسطين؛ "لما يحمله هذا الوجود من بعد ثقافي وديني واجتماعي ووطني كبير وهام".

وبعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، صيف 2014، هاجر أكثر من 300 مسيحي برفقة عائلاتهم القطاع دون رجعة إلى الضفة الغربية والدول الأوروبية.

وبحسب إحصائيات صادرة عن "كنيسة الروم الأرثوذكس" في القطاع، فإن أعداد المسيحيين في غزة بلغت 18 ألف مسيحي عام 1948؛ بسبب النكبة الفلسطينية وهجرة القرى إلى الجنوب، في حين بلغت أعدادهم عام 2009 نحو 3500 مسيحي، واليوم لا تتجاوز الـ 1000، بعد حملة الهجرة التي شهدها القطاع مؤخراً.

وتحدثت إحصائيات عن أن نسبة البطالة بين الفلسطينيين المسيحيين في قطاع غزة تصل من 40 إلى 45%، وجميعهم من حاملي الشهادات والدراسات العليا، من بينهم 75 فرداً يحملون الدكتوراه أو الماجستير، بالإضافة إلى 340 حاملاً للبكالوريوس.

اقرأ أيضاً :

صحيفة فرنسية: بن سلمان لديه ميول لـ"تعذيب جيرانه"

- ظاهرة مخيفة

الأب منويل مسلم، راعي كنيسة اللاتين في غزة سابقاً، ورئيس اللجنة المشتركة المسيحية الإسلامية للدفاع عن القدس، أكّد أن ظاهرة هجرة المسيحيين "خطيرة"، وسببها تردّي أوضاعه الاقتصادية والمعيشية والسياسية.

وفي تصريحات خاصة لـ "الخليج أونلاين"، قال الأب مسلم: "ما يجري داخل قطاع غزة من حروب إسرائيلية طاحنة، وحصار مشدّد وخانق، وأزمات معيشية واقتصادية، وانعدام فرص العمل، وارتفاع البطالة والفقر، دفع عدداً من المسيحيين للهجرة من غزة نحو الخارج".

وبيّن أن "أعداد المسيحيين في القطاع في تناقص تدريجي وخطير، وخلال الشهور المقبلة سنشهد أيضاً تناقصاً حادّاً آخر، وهذا الأمر بات مقلقاً للغاية ويؤثر سلباً في تنوّع الثقافة الدينية، رغم أن أبناء الجالية المسيحية معظمهم مهجّرون من أراضيهم التي احتلّها الاحتلال الإسرائيلي عام 1948".

ولفت الأب مسلم إلى أن هجرة المسيحيين من غزة "ليست لاضطهاد دينيّ أو مضايقات وقمع، بل كان الدافع الأوّل هو الهرب من الفقر والبطالة والحصار، وبإغراء من الدول الأوروبية لتقليل عدد المسيحيين في فلسطين، لكيلا يبقوا شهوداً على جرائم إسرائيل"، داعياً إلى إنهاء هذه "الظاهرة المخيفة"، ومحاولة وضع حلول عملية للقضاء عليها.

ورغم أن هجرة المسيحيين من قطاع غزة حظيت بنصيب الأسد، فإن الأمين العام للهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات، الدكتور حنا عيسى، كشف في بيان صحفي سابق له "أن الحضور المسيحي في المجتمع الفلسطيني في الوقت الحالي يشكّل أقل من 1% فقط من تعداد سكان الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة".

وأضاف عيسى: "معظم مسيحيّي فلسطين قد توجّهوا إلى العيش في بلاد أخرى لأسباب مختلفة؛ منها وجود الاحتلال الإسرائيلي في هذه الأراضي، والوضع الاقتصادي السيئ، والإحصائيات الأخيرة تشير إلى أن عدد المسيحيين 40.000 شخص في الضفة الغربية، وأقل من 5000 في القدس، و1000 في قطاع غزة".

ولفت إلى أن المسيحيين اليوم ضمن المجتمع الفلسطيني يشكّلون نحو 20% من حجم تعداد الفلسطينيين الذي يبلغ 12.930.608 نسمة، بحسب إحصائية مايو 2017، مشيراً إلى أن من الأسباب المباشرة لانخفاض نسبة المسيحيين في فلسطين انخفاض معدل المواليد بينهم بسبب ارتفاع مستواهم الاقتصادي والاجتماعي، وفشل مشاريع التنمية والنهضة في معظم دول المنطقة، وشعور المسيحيين وفئات اجتماعية أخرى بعدم جدوى البقاء بسبب تردّي الأوضاع الاقتصادية والسياسية فيها.

وأكّد عيسى أن المهام الملقاة على عاتق مؤسّسات المجتمع الرسمي والأهلي في فلسطين هي منع هذه الهجرة وترسيخ بقاء هذه الفئة، والتطلّع من خلال إيجاد الوسائل الفاعلة إلى هجرة معاكسة إن أمكن.

وتعدّ فلسطين هي مهد الديانة المسيحية، ففيها نشأ السيد المسيح عليه السلام، وأبلغ رسالته، وينقسمون إلى أربع طوائف أساسية: الكنائس الأرثوذكسية الخلقيدونية، والكنائس الأرثوذكسية غير الخلقيدونية، والكنائس الرومانية الكاثوليكية (اللاتينية والشرقية)، والكنائس البروتستانتية.

الاكثر قراءة

مكة المكرمة