باحث إسرائيلي: الفتح الإسلامي لفلسطين كان متنوراً وسلمياً

الدراسة نشرت في كتاب أصدرته جامعة أكسفورد البريطانية مؤخراً

الدراسة نشرت في كتاب أصدرته جامعة أكسفورد البريطانية مؤخراً

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 08-12-2014 الساعة 14:37
القدس المحتلة - ترجمة الخليج أونلاين


على عكس الصورة التي ترسمها الجهات المعادية للإسلام، والتي تصف الفتوحات الإسلامية بالدموية والبربرية والإحلالية، بيّنت دراسة أجراها باحثون إسرائيليون في علم الآثار، بأن الفتح الإسلامي لأرض فلسطين الذي أنهى السيطرة البيزنطية عليها كان الأكثر سلمية واستنارة على مر العصور فيما يخص تلك البقعة.

وفي تقرير نشرته صحيفة "هآرتس" منذ أيام عن هذه الدراسة، قال الكاتب إن الفتح الإسلامي لفلسطين لم ينه الوجود اليهودي والمسيحي فيها، وحافظ على هويّتهم الدينية؛ والأهم من ذلك أنه ساعدهم على الازدهار تحت الحكم الإسلامي على الأقل لمدة 200 عام بعد الفتح.

وفي هذا السياق يتحدث الباحث في علم الآثار بالجامعة العبرية في القدس، د. "جدعون آفني"، ويقول: إنه "من بين الـ400 موقع أثري تم التنقيب عنها في البلاد، لا يوجد ولا حتى مبنى واحد نستطيع القول إنه هُدم على يد العرب".

وفي الدراسة التي نشرت ضمن كتاب "التحوّل البيزنطي الإسلامي في فلسطين من منظور أثري"، الذي أصدرته جامعة "أكسفورد" البريطانية، جاء أن المواقع الأثرية تروي قصصاً معاكسة للقناعة المنتشرة بين المؤرخين والمثقفين الإسرائيليين، فحسب ما يقول "د. آفني" فإن الدلائل تتراكم أكثر فأكثر بعد كل عملية تنقيب يتم إجراؤها في فلسطين، والتي تنفي أن المسلمين هدموا الحضارة السابقة، وعلى العكس تماماً فقد رمّمت كنائس كانت آيلة للسقوط، وبنيت كنائس جديدة في تلك الفترة.

ويفصّل الباحث ويقول إنه بعد مئة سنة من الفتح الإسلامي للقدس، تمّ بناء كنيسة القبر، وفي طبريا والنقب بنيت مساجد وكنائس إلى جانب بعضها البعض وكانت تمارس فيها الشعائر والطقوس الدينية في الوقت نفسه؛ إلى جانب ذلك في قرية "طمرة" في الجليل شمالي فلسطين، هناك توثيق لترميم كنيسة يونانية على يد المسلمين، لأن تاريخ الترميم مسجّل بحسب التقويم الهجري.

ويكشف التحليل أيضاً أنه، على عكس الصورة المعتادة، فإن المسلمين العرب الذي فتحوا أرض فلسطين لم يسكنوا الخيام ولم يتّصفوا بالهمجية ولم يعتدوا على الثقافة الحضرية للبلاد.

وفي هذا السياق تقول د. "بلها مور" إنه من خلال تحليلها للكتابات في مسجد "شبطة" في النقب جنوبيّ فلسطين، تبيّن أن من كتب تلك الحروف كان ينتمي لمجتمع مثقف جداً وكان مطّلعاً على مراكز الدراسات الإسلامية الأهم في تلك الحقبة.

وفسّر د. "آفني" غلبة الطراز الإسلامي في البناء على الطراز البيزنطي بأنه مواكبة في حينه للعولمة والتيّار العام، والذي كان يفضل بناء كنائس متواضعة واستثمار الأموال في إنشاء مراكز تجارية عالمية تستورد وتصدّر للصين وإسبانيا؛ هذا على عكس قناعة المؤرخين المعارضين للوجود الإسلامي، والذين ادّعوا بأن تغيّر طراز البناء وتراجع بناء الكنائس الفخمة كان بسبب ضعف الاقتصاد المسيحي واضطهاد الحكم الإسلامي للثقافة المسيحية.

ويضيف أن التغييرات التي أحدثها الفتح الإسلامي لفلسطين كانت عميقة جداً سواء على الصعيد الاقتصادي أو الحضاريّ، وهذا ما استدل عليه الباحثون من المعطيات الأثرية؛ ويفصّل بأن البلاد تطوّرت على الصعيد الاقتصادي بانفتاحها على التجارة العالمية تحت ظل الإمبراطورية الإسلامية، واستبدلت تجارة الخمر مع اليونان وقبرص بتجارة القطن والحمضيات لمصر والعراق، كما أن الضرائب التي ارتفعت في تلك الفترة لم تؤثر على المجتمعات اليهودية والمسيحية.

إلى جانب ذلك، ازدهرت مدن جديدة مثل طبريا والرملة وأصبحت عواصم سياسية واقتصادية، أما القدس فلم تتغيّر أحوالها وسمح لليهود أن يعودوا ليسكنوا فيها بعد أن طردهم البيزنطيون منها، وفي هذا السياق يقول "آفني" عن التغيير في القدس: "جبل الهيكل (المسجد الأقصى) تغيّر، لكن عندما تنظر للمدينة من بعيد ترى الأديرة المسيحية نفسها باقية، كأن شيئاً لم يكن".

وهناك أدلة أخرى على استمرار الوضع القائم في القدس بتلك الحقبة على عدم اضطهاد المسيحيين، وهو ما تحدث عنه المؤرخ العربي شمس الدين المقدسي الذي عاش في القدس في القرن العاشر الميلادي، إذ وصف المدينة بأنها "حوض من الذهب المليء بالعقارب".

وقال: إن "سلوك أهل المدينة فظ في الساحات العامة"، وهو وصف اعتبره الباحثون بأنه لا يدل على تصرف المسيحيين كمجتمع مضطهد".

وفيما يخص قوة الدراسة، تقول الصحيفة بأن اعتماد الباحثين في استنتاجاتهم على المعطيات التي استخرجت من حفر 400 موقع أثري في فلسطين اختيرت بشكل عشوائي على يد سلطة الآثار الإسرائيلية، يدل على صلابة الاستنتاجات وصحّتها وموثوقيتها؛ وتضيف الصحيفة بأن الباحث الإسرائيلي اهتم بالبحث في نقاط التحوّل الدراماتيكية السلبية في تاريخ فلسطين، والتي لم يذكر من بينها الفتح الإسلامي، إذ إنه لم يؤثر سلباً على السكان، كما أنه يعتبر التراجع في جودة الحياة بنهاية الحكم الإسلامية هناك كان من جرّاء تدهور اقتصادي وسياسي سبق الاحتلال الصليبي نهاية القرن الـ11.

ولخّص د."آفني" دراسته وقال إن المسلمين في حينه كانوا مثل الصينيين اليوم الذين يحتلون العالم اقتصادياً، فهم لا يثيرون الرعب ويتّسمون بالذكاء؛ فمن جهة، نشر المسلمون دينهم الجديد الذي سيطر على المنطقة، لكنهم اعتمدوا على الاقتصاد بشكل كبير، ولم يهدموا ما يدر عليهم الأرباح.

وختم بقوله إن فلسطين لم تشهد في تاريخها حياة متعددة الحضارات يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود سوياً جنباً إلى جنب، كما حدث في ظل الحكم الإسلامي لها.

ترجمة: مي خلف

مكة المكرمة