تركيا.. قوة التغيير الناعمة لبسط مفاهيم التديّن

العدالة والتنمية يستخدم قوة التغيير الناعمة للتأثير في المجتمع التركي

العدالة والتنمية يستخدم قوة التغيير الناعمة للتأثير في المجتمع التركي

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 27-11-2014 الساعة 13:56
إسطنبول - أماني السنوار - الخليج أونلاين


جاء إعلان رئاسة الشؤون الدينية في تركيا، تنفيذَها مشروعاً حكومياً لتشييد مسجد داخل حرم الجامعات التابعة للدولة، البالغ عددها ٨٠ جامعة، ليعيد الضوء من جديد على السياسات المجتمعية لحكومات حزب العدالة والتنمية.

ويأتي المشروع ضمن حزمة من الإجراءات والقرارات الحكومية، التي يرى مراقبون أنها تسعى لإضفاء صبغة إسلامية على المجتمع التركي الموزّع ما بين التيار العلماني والمحافظ، فيما ينص دستور الجمهورية في مادته الثانية على العلمانية.

 

تغيير ناعم

وقال رئيس الشؤون الدينية التركية محمد غورماز، في تصريحات له مطلع الأسبوع الجاري، نقلتها الأناضول: إنه تم الانتهاء من افتتاح 15 مسجداً في 15 جامعة، وسيتم افتتاح 50 أخرى مع نهاية العام المقبل.

وأوضح أن المشروع يهدف إلى تعزيز التواصل مع 20 مليون شاب في تركيا، وتقديم الخدمات لهم في المساجد من قبل موظفين دينيين متخصصين، لتطويرهم معنوياً، مضيفاً أن الحكومة تريد "جعل المساجد محبوبة في قلوب الناس من جديد، وترسيخها جزءاً من حياتهم اليومية".

وأفصح غورماز عن أن الحكومة "تريد للمساجد أن تكون أماكن يكشف فيها شعبنا عن هويته الإسلامية من جديد".

ويرى مراقبون أن حزب العدالة والتنمية، الذي ينصّ قانونه الأساسي على احترام العلمانية، تستعمل حكوماته قوة التغيير الناعمة لبسط مفاهيمها المستقاة من الإسلام على المجتمع، في مواجهة حملات التغريب الممنهجة التي يتعرض لها منذ بدايات القرن الماضي، وفق منظّري الحزب.

حزمة قوانين

هذه الخطوة لم تكن الأولى؛ إذ فرضت الحكومة السابقة، في أغسطس/ آب الماضي، قانوناً يلزم مستثمري مراكز التسوق بتخصيص غرفٍ للصلاة ومواضئ لخدمة الزبائن.

كما عمد حزب العدالة والتنمية، الذي يحكم البلاد منذ عام 2002، إلى تفكيك تدريجي للحظر الذي كان مفروضاً على ارتداء الحجاب في الدوائر الرسمية والمؤسسات التعليمية التابعة للدولة.

إذ عمدت الحكومة إلى تنفيذ حزمة قوانين على مراحل، سمحت بارتداء الحجاب في الجامعات، وحظر طرد المحجبات من قاعات التدريس كما كان سائداً، ليمتد القانون فيشمل الموظفات الحكوميات في جميع المهن، عدا قطاعي الجيش والقضاء، وأخيراً طالبات المدارس الثانوية.

كما مرّر الحزب قانوناً يفرض قيوداً على بيع الخمور، إذ يحظر بيعها بين العاشرة مساء والسادسة صباحاً، ويمنع شركات الكحول من رعاية ودعم النشاطات والفعاليات في البلاد، إلى جانب حظر بيع المشروبات الكحولية على مسافة مئة متر عن مدرسة أو مسجد.

التعليم

وفي قطاع التعليم، ظلت المناهج الرسمية منذ تأسيس الجمهورية، خالية من التدريس الديني، إلا ساعة أسبوعية خصصت للثقافة والتاريخ الإسلامي والأخلاق، بينما يلقى طلاب المدارس الدينية، أو المعروفة محلياً باسم "الإمام خطيب"، معاملة تمييزية تقلل من فرص خرّيجيها بالالتحاق بالجامعات.

لكن عام 2012 شهد لأول مرة إدخال القرآن الكريم والسيرة النبوية كمواد اختيارية في المرحلتين المتوسطة والثانوية، كما تم رفع الحظر الذي كان مفروضاً منذ عام 1997 على الأسر التركية على إرسال أبنائها دون سن 15 عاماً إلى مراكز تعليم القرآن الكريم الخاصة، فأصبح الالتحاق بهذه المراكز متاحاً لجميع الأعمار، وتم تنظيم التدريس بها عبر إشراف هيئة الشؤون الدينية.

وأخيراً تم مساواة الشهادة العلمية الصادرة عن مدارس "الإمام خطيب"، التي تقدِّم تعليماً للدين واللغة العربية إلى جانب المناهج العلمية الحديثة، بغيرها من الشهادات الثانوية التي تمنحها مدارس الدولة، فيما تقول الإحصاءات إن عدد هذه المدارس ارتفع بنسبة 73 بالمئة خلال السنوات الخمس الماضية.

 

انقسام محلي

وتلْقى مثل هذه الخطوات اعتراضات من قبل عدد من الأحزاب العلمانية واليسارية التركية، أبرزها حزب الشعب الجمهوري المعارض؛ إذ ترى فيها مساساً بمبادئ الجمهورية الستة التي رسّخها مؤسس الجمهورية التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك.

كما تلقى استياءً لدى شريحة من الشارع التركي، إذ ترى فيها مساساً بحريتها الشخصية، وتدخلاً في أنماط حياة الناس الخاصة، وتحدياً لمبادئ العلمانية.

ولا تبدو الحكومة الحالية برئاسة أحمد داود أوغلو مختلفة عن الحكومات السابقة التي شكّلها العدالة والتنمية حيال هذا الملف، إذ عمدت غير مرة إلى ربط القوانين الجديدة بمسيرة الإصلاح الديمقراطي التي تنتهجها الدولة، ومع مسار التقدم الإصلاحي المرتبط بمفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي.

ووفقاً لدراسة أعدّت ونشرت باللغة التركية عام 2011، في كتاب بعنوان "التدين في تركيا"، فإن 63 بالمئة من شريحة استطلعت آراؤها في 25 مدينة تركية، صنّفوا أنفسهم على أنهم متدينون، فيما أشارت إحصائيات عام 1999، إلى نسبة 31 بالمئة فقط.

وعند سؤال الشريحة ذاتها عن الطريقة التي يعرّفون بها أنفسهم، أجابت غالبية 47.1 بالمئة بأنهم مسلمون، في حين أجاب 30.4 بالمئة أنهم أتراك، ثم 15.5 بالمئة أنهم مواطنون أتراك.

ويفسّر مراقبون هذه الأرقام، بأن السياسات المجتمعية لحكومات العدالة والتنمية المتعاقبة، ساهمت بإحداث تغيير في المزاج العام للمواطن التركي، وجعلته أكثر تقبلاً للمظاهر الإسلامية وإقبالاً عليها. 

مكة المكرمة