تزوير الشهادات.. مهنة أنتجتها الحرب تهدّد الثقة بالتعليم السوري

قسم التزوير بداخلية الأسد يستقبل يومياً أربع معاملات جامعية مزوّرة

قسم التزوير بداخلية الأسد يستقبل يومياً أربع معاملات جامعية مزوّرة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 21-02-2018 الساعة 16:14
دمشق - الخليج أونلاين (خاص)


فتحت فضيحة شهادة الدكتوراه المزوّرة التي كُشف أن أحد المسؤولين في حزب "البعث السوري الحاكم" يحملها باب ملفّ تزوير الشهادات العلمية في سوريا على مصراعيه، بعد أن توصّلت التحقيقات إلى وجود شبكة تزوير على مستوى عالٍ من التنظيم، متورّط فيها أستاذ جامعي قيل إن شهادته الجامعية مشكوك بمصداقيتها أيضاً.

وأشار مصدر مطّلع من داخل مؤسّسات نظام بشار الأسد، إلى أن "كشف فضيحة تزوير شهادة الدكتوراه أطاح بأمين فرع ريف دمشق لحزب البعث الحاكم، المدعوّ أحمد همام حيدر، الذي أُقيل من منصبه وأُحيل إلى التحقيق".

وأضاف المصدر: إنه "وفقاً لصحيفة الوطن الموالية لنظام الأسد، فإن وزارة الداخلية التابعة للنظام أشارت إلى أن شبكة تزوير شهادات الدكتوراه يديرها سليمان سليمان، الذي كانت تستضيفه فضائيات موالية على أنه محلل سياسي ذو شهرة واسعة".

ولفت المصدر إلى أن "المدعوّ سليمان سليمان، الذي كان يظهر أحياناً باسم حيان سليمان، توارى عن الأنظار بعد انكشاف أمره"، مبيّناً أن قسم ما يعرف بمكافحة التزوير والتزييف التابع لوزارة داخلية النظام يستقبل يومياً أربع معاملات فيها شهادات جامعية مزوّرة"، وفقاً للصحيفة.

وأكد المصدر أن "الذين تم ضبطهم بتهمة تزوير شهادات ووثائق رسمية أخرى بلغ خلال الفترة الماضية نحو 171 شخصاً، بينهم الناشط الحقوقي محمد سراج الدين".

وتابع: إن "عمليات تزوير الشهادات العلمية والوثائق الرسمية لم تكن معروفة قبل الحرب السورية، لكنها انتشرت خلال سنوات الحرب على نطاق واسع، سواء داخل مناطق سيطرة النظام أو داخل مناطق المعارضة"، مبيّناً أن "عمليات التزوير باتت تمارَس علناً في بعض المناطق، في ظل غياب القوانين الرادعة والمحاسبة".

ولفت في حديث لـ "الخليج أونلاين" إلى أن "هذه الظاهرة فرضتها الظروف القاهرة التي تعيشها البلاد؛ بسبب الحرب والحاجة الماسّة إلى وثائق رسمية بعدما فقد المواطن السوري الكثير من وثائقه بسبب عمليات التدمير الممنهج الذي تعرّضت له المناطق من قبل قوات النظام والمليشيات المتحالفة معها، ولعدم قدرته على الحصول على بديل عنها".

واستدرك المصدر أن "مهنة تزوير الوثائق الرسمية هي واحدة من مهن الحرب السورية التي نشطت في بعض المناطق بشكل كبير نتيجة الفوضى وغياب القوانين وقدرة الجناة على الإفلات من المحاسبة والعقاب".

وأوضح أن "هذه المهنة أصبحت من المهن المدرّة للدخل، تمارسها شبكات مترابطة، يتوزّع أفرادها داخل مؤسّسات النظام، وتعمل بالتعاون والتنسيق مع مكاتب معروفة"، مؤكداً أن "زبائنها من المناطق المحرّرة ومن اللاجئين في دول الجوار السوري".

من جهته قال غسان أبو سليم، وهو موظف سابق: إن "الحصول على الشهادات العلمية المزوّرة يتم من أجل الحصول على عمل داخل المناطق السورية المحرّرة الخارجة عن سلطة النظام، أو من أجل تحسين وضع وظيفي معيّن، أو من أجل لمّ شمل الأسر في بعض دول اللجوء، التي تضع الحصول على شهادة جامعية شرطاً لذلك".

وأضاف: "وصلتُ إلى السنة الأخيرة في كلية الآداب قسم اللغة الفرنسية، ولم يتبقَّ لي سوى تقديم بعض المواد للتخرّج، لكني لم أستطع فعل ذلك خوفاً من سحبي إلى الجندية، ففضّلت عدم تقديم الامتحانات المطلوبة، والهروب إلى مناطق سيطرة المعارضة".

وأشار أبو سليم إلى أنه "استعاض عن شهادته الجامعية بشهادة معهد فني مزوّرة مقابل 200 دولار أمريكي، وأنه الآن يعمل بموجبها إدارياً في إحدى المنظّمات مقابل أجر شهري يتجاوز الـ 200 دولار أمريكي".

اقرأ أيضاً :

الغارديان: نظام الأسد يعيد مجازر البوسنة في القرن الـ21

ناشطون سوريون أكّدوا ضرورة محاربة ظاهرة الشهادات المزوّرة التي بدأت تهدّد الثقة بمستوى الخرّيج السوري وإمكانيّاته العلمية، بعد أن كانت له مكانة جيدة بين خرّيجي الدول، محمّلين نظام الأسد ومؤسّساته الفاسدة المسؤولية عن ذلك.

الناشط عمار محمد قال: إن "ما يحزّ بالنفس أنك درست وتعبت سنوات طويلة حتى حصلت على شهادتك الجامعية، ويأتي من يحمل شهادة مزوّرة لينافسك على عمل أنت أولى به"، لافتاً إلى أن "الشهادات المزوّرة وللأسف الشديد أصبحت تُباع بالأسواق".

وأضاف لـ "الخليج أونلاين": "ما عليك من أجل الحصول على شهادة إلا أن تحدّد نوع الشهادة والاختصاص الذي تريد"، موضحاً أن "سعر الشهادة المزوّرة يبدأ من 200 دولار أمريكي، ويصل إلى 2000 دولار، وهي تُباع للأسف في معظم دول الجوار، ويُروّج لها عبر مكاتب وهمية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، أو غرف الدردشة".

ولفت إلى أنه "ليس فقط الشهادات العلمية ما يتم تزويره، بل كل الوثائق الرسمية التي يحتاجها المواطن السوري يمكن تزويرها، بدءاً من شهادات الميلاد، مروراً بدفتر العائلة، والبطاقات التموينية، وملكية العقارات، وجوازات السفر، ولكل وثيقة سعر وثمن خاص".

ويشير الدكتور الصيدلاني محسن هلال إلى أنه "رغم ما يسوقه بعض الأشخاص من مبرّرات من أن الشهادات المزوّرة حلّت مشكلات كبيرة للمواطنين السوريين، وخاصة للطلاب من أجل الالتحاق بالجامعات في دول اللجوء وغيرها، فإنها تبقى في إطار عمليات الكذب والخداع".

وأكّد في حديثه لـ "الخليج أونلاين" أن "هذا العمل مدان بكل المعايير الأخلاقية، والحقوقية، والسلوكية، والقانونية، وهو يحتاج إلى تكاتف جهود محلية ودولية لمحاربة هذه الظاهرة، التي باتت تسيء بشكل كبير للمواطن السوري".

وأشار هلال إلى أن "التزوير يصبح أكثر خطراً عندما يشمل شهادات تؤدّي إلى ممارسة أعمال تتسبّب بتهديد حياة المواطنين، لا سيما تلك الشهادات المزوّرة في مجالات الطب والصيدلة"، لافتاً إلى أن "عشرات الصيدليات يديرها باعة وتجار لا يفقهون من العمل الصيدلاني إلا الربح، ما يهدّد بوقوع أخطاء حقيقية تهدّد حياة المواطنين".

المحامي زيد مطر أكّد أن "التزوير مهما كان حجمه تحاسب على ارتكابه الأنظمة والقوانين بأقسى العقوبات وأشدها".

وأشار إلى أن "التزوير حسب المادة 443 من قانون العقوبات السوري هو تحريف مفتعل للحقيقة في الواقع والبيانات التي يُراد إثباتها بصكّ أو مخطوط يحتجّ بهما يمكن أن ينجم عنه ضرر مادي أو معنوي أو اجتماعي".

ولفت في حديث لـ "الخليج أونلاين" إلى أن "عقوبة الموظف الذي يرتكب جرم التزوير تصل إلى السجن أكثر من خمس سنوات، كما يعاقب من يستخدم المزوّر وهو عالم بأمره بالعقوبة ذاتها".

مكة المكرمة