حكاية اللجوء السوري في أوروبا.. ألمانيا نموذجاً

اللجوء.. معاناة قديمة جديدة تتنقل بين الألم والأمل

اللجوء.. معاناة قديمة جديدة تتنقل بين الألم والأمل

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 06-07-2015 الساعة 11:47
وسام أبو الهيجاء - الخليج أونلاين


تعود ظاهرة اللجوء الإنساني والسياسي للسوريين في البلدان الأوروبية إلى بداية الثمانينيات من القرن الماضي، إبان فترة حكم الرئيس السوري حافظ الأسد، حينها، تحركت قوات النخبة السورية بقيادة شقيق الرئيس السوري رفعت الأسد لسحق الثورة في مدن حلب وحمص وحماة، وخلال تلك العمليات قتل الآلاف، ودكت السجون السورية التي كانت تغص في ذلك الحين بآلاف المعتقلين السياسيين بقنابل الطائرات والمدفعية، وتمكن الآلاف من الخروج إلى دول الجوار واللجوء إلى الدول الأوروبية وعلى رأسها ألمانيا.

ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، وعلى امتداد المدن والمحافظات السورية، هشّمت القبضة الحديدية التي أطلقها الرئيس الابن بشار الأسد لسحق الثورة ووأدها منذ الساعات الأولى من عمر الثورة، المكون العرقي والاجتماعي للشعب السوري، ومعهم عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين من سكان المخيمات الفلسطينية في سوريا، وتناثرت شظاياه على رقعة جغرافية واسعة، شملت دولاً عربية وإقليمية وأوروبية، مع اتساع حدة القمع واختيار النظام في دمشق للمواجهة العسكرية، خياراً أوحد لمعالجة الأزمة في سوريا.

ظهرت مجتمعات اللاجئين السوريين في البلدان التي وصلوا إليها، ومنها ألمانيا، خلال السنوات الأربع من عمر الثورة السورية، وبشكل فاق ما استقبلته تلك الدول من تجمعات صغيرة خلال العقود الثلاثة الماضية، إذ تعد ألمانيا إحدى أكثر البلدان الأوروبية استقبالاً للاجئين السوريين، وبحسب الإحصاءات الرسمية الألمانية، تقدر أعداد اللاجئين السوريين في ألمانيا بنحو 45 ألف لاجئ، موزعين بين مختلف المدن والولايات الألمانية.

وقد أفرزت الحرب التي يشنها النظام السوري ضد معارضيه منذ 4 سنوات، ظروفاً اقتصادية واجتماعية وأمنية صعبة، تركت أثرها على مختلف الفئات داخل المجتمع السوري، فالدمار الذي لحق بالمنشآت الاقتصادية والتجارية والصناعية، ساهم في تدني مستوى الدخل لدى المواطن السوري، وألحق خسائر مادية تقدر بملايين الدولارات، ورفع معدل البطالة بين الأفراد إلى مستويات خطيرة، ودفع بالكثيرين نحو الهجرة إلى الدول الأوروبية، أملاً في الحصول على العيش الكريم.

العيش الكريم والرفاهية، والأمن والأمان، والمستقبل الواعد لأبناء اللاجئين السوريين، والجنسية الألمانية التي تضمن لهم حرية التنقل في ظل مستقبل غامض لبلادهم، والشهادات العلمية من الجامعات الألمانية، تلك الأسباب كانت الدافع الرئيسي خلف هجرة عشرات الآلاف من السوريين إلى ألمانيا، فعلى وقع الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية الخانقة، التي لم تشهد لها سوريا مثيلاً في تاريخها الحديث، آثر هؤلاء التضحية بمدخراتهم وبيع ممتلكاتهم في سوريا، أملاً في الوصول إلى مبتغاهم.

وبعد رحلة تحفها المخاطر من كل صوب، يصل المئات من المهاجرين السوريين يومياً إلى ألمانيا، حيث يتوجه هؤلاء فور وصولهم إلى مراكز تقديم اللجوء، ليتم استيعابهم في مرحلة لاحقة بمراكز إيواء اللاجئين، خلال فترة انتظارهم لقبول طلب اللجوء الإنساني من قبل السلطات الألمانية، وخلال تلك المدة، تقوم سلطات الرعاية الاجتماعية الألمانية بتقديم المعونات الاجتماعية، لتوفير احتياجاتهم الأساسية، وتوفر لهم السكن المناسب بعد حصولهم على حق اللجوء الإنساني والإقامة في ألمانيا.

وجدت التجمعات الناشئة للاجئين السوريين في ألمانيا طريقها نحو التشكل، حيث بدأ هؤلاء بالتجمع في مدنٍ ألمانية بعينها، ووجدوا في العاصمة برلين جنة لهم، حيث يكثر الوجود العربي والإسلامي في المدينة ذات أعلى كثافة سكانية في ألمانيا، ورافق ظهور تلك التجمعات صعوبات اجتماعية وإشكاليات تتعلق بفهم قوانين البلاد ولغتها الصعبة.

كما ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في لمّ شمل السوريين في ألمانيا، وأسهمت المجموعات والصفحات المنتشرة عبر الفيسبوك، في تقديم الإرشادات التي يحتاجها السوري فور وصوله إلى ألمانيا، وتقدم تلك المجموعات والصفحات استشارات قانونية، "غير منضبطة" بطبيعة الحال، أسهمت في تخفيف معاناة اللاجئين السوريين عند خوضهم لمسيرة اللجوء الطويلة.

أما على الجانب الآخر، فقد شهدت ألمانيا ظهور أزمات جديدة، وفي قطاعات مختلفة، لم تشهدها من قبل، وذلك بفعل التدفق الهائل للاجئين السوريين إليها، حيث تعاني ألمانيا من ضعف في تغطية أعداد العاملين في المؤسسات الطبية والتعليمية ودور رياض الأطفال، كما تعاني من بطء بناء العقارات والوحدات السكنية في المدن، حيث يعاني اللاجئون السوريون من عدم توفر السكن المناسب لهم في كثير من الأحيان، وهو ما يؤدي بهم إلى المكوث في مراكز إيواء اللاجئين لفترات طويلة.

ولذلك السبب، برزت خلال السنوات القليلة الماضية، مظاهر جديدة واكبت وصول اللاجئين السوريين إلى ألمانيا، إذ ازدهرت تجارة تأجير الشقق والمنازل للاجئين السوريين، كما برزت بشكل مواز ظاهرة تأجير المنازل للاجئين السوريين القابعين في مراكز إيواء اللاجئين بسبب عدم توفر السكن الملائم لهم أحياناً، وأحياناً أخرى بسبب تأخر حصولهم على حق اللجوء والإقامة في ألمانيا.

وتعد شريحة طلاب الجامعات والدراسات العليا وأصحاب الشهادات في مختلف التخصصات، الفئة الأكثر تضرراً بين اللاجئين السوريين في ألمانيا، إذ انقطعت بهم السبل أمام استكمال تحصيلهم العلمي والانخراط في سوق العمل، وذلك بسبب عدم تمكنهم من إحضار شهاداتهم الجامعية المصدقة من بلادهم، وهو ما عزز ظهور نوع جديد من الاتجار بالأوراق الرسمية والشهادات المدرسية والجامعية السورية المزورة، إذ يلجأ البعض لشراء ما يلزمه من أوراق ثبوتية أو شهادات تعليمية مزورة، بغرض الإيفاء بشروط طلبات اللجوء الإنساني، أو الالتحاق بالجامعات والتسجيل في مكاتب العمل الحكومية.

أما أصحاب المهن والحرفيون، فقد وجدوا هم أيضاً طريقهم نحو سوق العمل دون صعوبات، فوجد هؤلاء فرصتهم في القطاعات الخدمية، كالمطاعم والمخابز العربية، بل والألمانية في بعض الأحيان، وتمكن الكثيرون من العمل في تجارة وتصليح السيارات، حيث شهد قطاع تصدير السيارات من ألمانيا إلى المناطق المحررة في سوريا، رواجاً كبيراً خلال السنوات الماضية.

وعلى الرغم من ظروفهم القاسية، والصعوبات التي يواجهها اللاجئون السوريون في الاندماج في محيطهم الألماني، فإن ذلك لم يكن كافياً للحد من عزيمتهم في ممارسة الإبداع، إذ تمكن مجموعة من الفنانين السوريين في ألمانيا، من تقديم معارض فنية وعروض موسيقية متنوعة، حظيت بإعجاب الجمهور الألماني، فيما ستبقى قصة نجاح الطالبة السورية اللاجئة في ألمانيا نور ياسين، أبرز قصص النجاح التي حققها اللاجئون السوريون في ألمانيا، إثر تمكنها من الحصول على المرتبة الأولى في امتحانات الثانوية العامة "الأبيتور" في ولاية براندنبورغ الألمانية، على الرغم من مضي ثلاث سنوات فقط على لجوء نور وذويها إلى ألمانيا.

مكة المكرمة