"داعش" مر من هنا.. إبادة لجامعة الموصل ومجزرة ثقافية لأعرق مكتبة

جامعة الموصل من كبريات جامعات الشرق الأوسط

جامعة الموصل من كبريات جامعات الشرق الأوسط

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 23-02-2017 الساعة 12:25
الموصل - الخليج أونلاين (خاص)


الإعلام العالمي، والحراك السياسي المحلي، يركز في معركة الموصل على شقيها العسكري والإنساني، لكن ثمة جانب وأثر ثقيل ألقت الحرب ظلالها الثقيلة عليه، بدءاً من سيطرة تنظيم الدولة على المدينة، وانتهاء بحرب استعادتها منه.

جانب أغفله العالم، ألا وهو الجانب الثقافي والتراثي والأثري، لمدينة ضاربة في عمق التاريخ، جمعت الزمان والمكان والأديان، من آشور مروراً بحضارة الكنيسة، إلى العصر الإسلامي مروراً بالنهضة الإسلامية التي قادها عماد الدين ونور الدين زنكي، وانتهت بصلاح الدين، والمأثرة التي خلدها التاريخ بتحرير بيت المقدس.

بين هذا وذاك ثمة آثار خالدة، وتراث عظيم، وثقافة أرست تقاليدها في مدينة الموصل، مدينة الأنبياء والعلماء كما يصفها أهل العراق، ومن أبرز صروحها العلمية والثقافية والفكرية، جامعة الموصل، التي خسرت الكثير من تاريخها وحاضرها بسبب الحرب، فمشهد الدمار والأضرار واضح جداً على واحدة من كبرى جامعات العراق وأقدمها، فأكثر من عامين ونصف من احتلال "داعش" لها، وأشهر من المعارك والقصف الجوي، ألحقا أضراراً كبيرة بها، ولعل أهم ضرر معنوي لحق بها دمار المكتبة المركزية.

- دمار شامل

في حديث لـ"الخليج أونلاين" يقول رئيس جامعة الموصل الأستاذ الدكتور أبي سعيد الديوه جي: "لا يمكن حالياً حصر حجم الدمار بشكل كامل، لأسباب تتعلق بالوضع الأمني داخل الجامعة وعملية تطهيرها، فعلينا الدخول إلى داخل المباني والأقسام لمعرفة ما فقد أو دمر أو حرق، وهذا أمر محفوف بالمخاطر حالياً"، متابعاً: "ليس لدينا صلاحية للدخول دون موافقات أمنية؛ خشية دخولنا إلى مناطق خطرة، إذ لا تزال هناك عبوات ومبان مفخخة لم يتم رفعها، وقبل فترة بترت ساق أحد الأساتذة وأصيب آخر إثر انفجار بابٍ مفخخ لأحد الأقسام لدى قيامهم بعملية التفتيش، ولدينا اتصالات مكثفة مع الجهد الهندسي العسكري لإكمال تطهير مباني الجامعة من مخلفات الحرب والمتفجرات".

16833653_419797248353836_895870629_o

وأضاف: "تمكنا ظاهرياً من تحديد الدمار والأضرار، فهناك أبنية دمرت بالكامل 100%، مثل مبنى كلية الطب البيطري، ورئاسة الجامعة الجديدة، ورئاسة الجامعة القديمة، ومطبعة الجامعة، وقسم الكهرباء في كلية الهندسة، وثمة مبان أخرى، مثل كلية طب الأسنان، حجم الدمار فيها 80%".

وتابع الديوه جي: "هناك دمار نسبي في الأبنية ما بين 20- 50% وهناك العديد من المباني التي تعرضت لهذا الخراب، ولدينا 14 مبنى ظاهرياً غير مدمرة وتحتاج بعض الإصلاحات بهدف استعمالها، وكذلك لدينا خمس عمادات كليات في المجمع الثاني في حي الشرطة، الأضرار فيها بسيطة، أما عن عمادة كلية طب الموصل فهي في الجانب الغربي للمدينة ولا تتوفر معلومات عنها".

16931209_419794055020822_771623968_o

وتمكنت قوات جهاز مكافحة الإرهاب من تحرير حرم جامعة الموصل في 15 يناير/ كانون الثاني الماضي، في حين قام تنظيم الدولة بحرق المباني والأقسام العلمية والمختبرات التي نجت من قصف طائرات التحالف الدولي، حيث اتخذ التنظيم من مباني الجامعة مقرات له.

اقرأ أيضاً :

931 مليون $ صفقات عسكرية إماراتية في رابع أيام "أيدكس"

- الخسارة الكبرى

يقول الديوه جي: "خسارة الجامعة كبيرة في المباني، لكن الخسارة الكبرى لها في المكتبة المركزية؛ فهي لا تعوض؛ لكونها تعد أفضل مكتبة جامعية على مستوى الجامعات العراقية، وكانت تضم أكثر من 70 ألف كتاب، وكماً هائلاً من أرشيف المجلات العلمية والبحثية والوثائق والمستندات الورقية والإلكترونية، فضلاً عن آلاف النسخ من المخطوطات النادرة والأثرية".

وأوضح أنه "تم تشكيل مجموعة من فرق العمل ستقوم بجرد الدمار والأضرار بالمباني والممتلكات وستباشر عملها في المناطق المؤمنة داخل الجامعة، وبسبب إزالة السياج الخارجي للجامعة فقد وقعت عدة حالات سرقة، وأوقفت من قبل القوات الأمنية".

16910717_419793448354216_1641978597_o

- التمويل والتبرعات

وعن إصلاح الأضرار وإعادة الإعمار يقول الديوه جي: "نواجه مشكلة التمويل لإصلاح الأضرار وإعمار الجامعة، فقد تلقينا إشعارات مغرية من مختلف المؤسسات والجهات الحكومية بدءاً بوزارة التعليم العالي، والجامعات العراقية الأخرى، لتزيدونا بالكتب والمكتبات، وهناك عروض من منظمات عالمية ودولية؛ وجامعات عالمية بهدف المساعدة في إعمار الجامعة وتزويدها بالأرشيف والكتب والبحوث، ونحن نقبل التمويل والتبرعات".

16881002_419793895020838_779276385_o

- التعليم مجدداً

يقول رئيس جامعة الموصل: "أجرينا الامتحانات التكميلية، وخاطبنا وزارة التعليم العالي بمطالعة بهدف أن نبدأ العام الدراسي في 1 مارس/ آذار القادم، ويستمر إلى نهاية شهر سبتمبر/ أيلول، لتكون سنة دراسية موازية للفصل الدراسي 2013-2014، لتعويض الطلبة ما فاتهم من عام دراسي في المرحلة التي دخل بها داعش للموصل، وتوقف التعليم في الجامعة، وحين حصول موافقة الوزارة سيكون الدوام في منطقة برطلة، وتدريجياً ينقل إلى داخل مباني الجامعة المطهرة داخل الموصل".

يذكر أن نحو 12 ألف طالب جامعي من سكنة المناطق المحررة في الساحل الأيسر لمدينة الموصل، توجهوا لأداء الامتحانات التكميلية في الموقع البديل للجامعة في 15 فبراير/ شباط الماضي.

وقال عميد كلية العلوم السياسية والمسؤول عن موقع برطلة الجامعي، الأستاذ الدكتور أحمد الفكاك، لـ"الخليج أونلاين": "باشرت جامعات الموصل ونينوى والحمدانية وتلعفر بالامتحانات التكميلية للطلبة الذين تحررت مناطقهم في الساحل الأيسر للموصل، الذين توقفت امتحاناتهم عند دخول تنظيم داعش في يونيو/حزيران 2014، ولغرض فسح الفرصة أمام الطلبة للحاق بالعام الدراسي".

وتابع: "فُتحت استمارة تسجيل إلكترونية في موقع الجامعة الإلكتروني عبر الإنترنت، وفُتح موقع جامعي في كلية النور الجامعة في برطلة للتسجيل الورقي أيضاً، ووصل عدد الطلبة الذين سجلوا لأداء الامتحانات نحو 12 ألف طالب، وهو عدد كبير جداً، لكن أعداد التدريسيين الذين التحقوا من داخل مناطق الساحل الأيسر المحرر كان كبيراً، وساعدونا في مراقبة الامتحانات، والعمل على أن تسير بشكل جيد".

وتم إجراء الامتحانات في كلية النور الجامعة الأهلية في منطقة برطلة (20 كم شرق الموصل)، وفي ثلاث مدارس تم تهيئتها لتكون مراكز امتحانية جامعية؛ لبعد هذه المنطقة عن الخطر الأمني والعسكري، فضلاً عن وجود مبان غير متضررة.

اقرأ أيضاً :

931 مليون $ صفقات عسكرية إماراتية في رابع أيام "أيدكس"

- تاريخ وأصالة

جامعة الموصل واحدة من أكبر المراكز التعليمية والبحثية في الشرق الأوسط، وثاني أكبر جامعة في العراق بعد جامعة بغداد.

تعود اللبنات الأولى لجامعة الموصل إلى العام 1959، وهو العام الذي باشرت فيه كلية الطب عامها الدراسي الأول في الموصل، إلا أن الظهور الفعلي لجامعة الموصل بوصفها مؤسسة علمية تربوية قائمة على أرض الواقع يعود إلى الأول من أبريل/نيسان من العام 1967، وهو اليوم الذي صدر فيه القرار (14) الخاص بتأسيس جامعة عراقية باسم "جامعة الموصل".

وقد توسعت الجامعة على مدى سنوات عملها؛ فأصبحت تضم عشرين كلية، وسبعة مراكز بحثية، وستة مكاتب استشارية، وخمس عيادات ومستشفيات، وستة متاحف، وعدداً من المديريات والوحدات الفنية والإدارية.

تمنح الجامعة شهادات البكالوريوس والدبلوم العالي والدبلوم المهني والماجستير والدكتوراه في مئة اختصاص علمي موزعين في مجالات التخصصات المختلفة لأقسام الجامعة، وتتابع الجامعة المتخرجين فيها بعد توظيفهم في دوائر الدولة من خلال الدورات المتلاحقة لبرنامج التعليم المستمر الذي يهدف إلى إعادة معلومات المتخرجين وتحديثها من خلال إطلاعهم على أحدث الكشوفات العلمية.

وعلى صعيد دعم حركة البحث العلمي تفرض الجامعة على أعضاء أسرتها التدريسية نظاماً بحثياً متصلاً يؤهلهم للارتقاء علمياً والوقوف في الصفوف المتقدمة لمشهد تحديث العلوم وبراءات الاختراع وتقديم كل ما هو جديد.

وقد خاضت الجامعة ميدان المشاريع الموسوعية فأصدرت موسوعة الموصل الحضارية في خمسة مجلدات، وموسوعة العراق الحضارية في أكثر من عشرين مجلداً، وللجامعة دَور في نشر التراث الإبداعي العربي حيث تكفلت بتقديم أول طبعة من كتاب "عقود الجمان في شعراء هذا الزمان" لابن الشعار الموصلي، الذي يقع في عشرة أجزاء جمعت مخطوطاتها من مختلف بقاع الأرض.

وأصدرت الجامعة أول تقويم فلكي عربي منذ العصر العباسي، وأحد أهم أربعة تقاويم عالمية، وأصدرت أجزاء التقويم السنوي منذ العام 2000.

تقدر مساحة المركز الأول لجامعة الموصل بـ 52.85 هكتاراً يضاف إليها مساحة كلية الزراعة والغابات البالغة 41.01 هكتاراً وتقدر مساحة المركز الجامعي الثاني بـ 2.296 هكتار بضمنها دور الأساتذة، وتقدر مساحة كلية الطب بـ 8517 متراً.

- جامعات أخرى

ليست جامعة الموصل هي الخسارة الوحيدة للمدينة، فهناك مبان حديثة لمقر جامعة نينوى في الجانب الأيمن (الغربي) لمدينة الموصل التي أُسست عام 2013، دمرت بشكل كامل بغارة جوية في صيف عام 2015 عندما كانت مقرات لتنظيم الدولة.

وبهذا الصدد يقول ممثل رابطة التدريسيين الجامعيين في نينوى والأستاذ بكلية التربية الدكتور أحمد عامر: "طالبت الرابطة بتفعيل الدوام الرسمي للجامعات في كلية النور ومدراس برطلة، وأن تتم إدارتها من قبل الكادر التعليمي في مدينة الموصل، لاستدراك ما فات الطلاب من فرص تعليمية خلال السنوات الثلاث الماضية، وتفعيل دور الأستاذ الجامعي من جديد".

وأضاف: "بوادر النجاح في إنجاز الامتحانات التكميلية في برطلة التي حققتها جامعات نينوى والموصل والحماداينة وتلعفر، تمت بجهود الأساتذة في هذه الجامعات الموجودين داخل مدينة الموصل، وكانت خطوة رائدة اجتازها الموصليون على صعيد التدريسيين الجامعيين".

- الطلبة والأساتذة

يطالب طلبة جامعة الموصل وزارة التعليم العالي ببيان موقفهم الدراسي للسنوات الثلاث الماضية، وهل هناك حلول لتعويضهم إياها للحاق بنظرائهم من طلبة الجامعات العراقية الأخرى، في حين يطالبون بتوفير خطوط نقل مجانية أو زهيدة الثمن بهدف وصولهم إلى الموقع البديل للجامعة في برطلة.

وحاول بعض الطلبة والمجموعات التطوعية تنظيف الجامعة، لكنهم جوبهوا بالواقع الأمني وبقايا المتفجرات داخل مبانيها، لذلك اقتصر جهدهم على رفع المخلفات أمام بوابتها، وحمل بعضهم كتبه ووقف أمامها في مطالبة منه لإعادة الحياة العلمية لها.

مكة المكرمة