رفضَ أموال الملوك.. "الشيخ رفعت" صوت ملائكي صدح بالقرآن

القارئ الشيخ محمد رفعت

القارئ الشيخ محمد رفعت

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 01-06-2017 الساعة 16:50
إسطنبول - الخليج أونلاين (خاص)


"إن قارئ القرآن لا يهان"، تلك العبارة الأشهر التي عُرفت بين قراء القرآن، وصاحبها حاز قلوب القراء في كل بقعة أرض وصل إليها صوته الذي تميز بعذوبته وجماله وشدة تأثيره، وكان سبباً في دخول البعض إلى الإسلام، بينهم مشاهير.

ألقاب عديدة خُلعت عليه، كان أبرزها "الصوت الملائكي" الذي أطلقه عليه صديقه الموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي كان هو ومجموعة كبيرة من الموسيقيين والمثقفين من جلّاسه في المنتدى الثقافي الذي أسسه.

ذلك هو القارئ الشيخ محمد رفعت، الذي عاش لأجل القرآن الكريم، فأحبه الناس لصفات حميدة كثيرة كان يتمتع بها، علاوة على كونه أبرز قارئ قرآن سمعته الأذن البشرية، بحسب مختصين.

كان الشيخ الراحل رفعت يسعى لعمل الخير والوقوف بجانب من يحتاج إلى وقفته، وفقاً لما أكده معاصروه، ولم يكن غنياً؛ بل كان رجلاً بسيطاً، ولما مرض ولم يكن معه ما يفي بمصاريف علاجه علم بمرضه الناس من خلال مقال لكاتب صحفي، ووصلت له تبرعات من دول مختلفة، وعرض ملوك ورؤساء عرب علاجه، لكنه رفض.

فالشيخ القارئ كان يعتبر تبرع آخرين له إهانةً لقارئ القرآن، وقال قولته الشهيرة: "إن قارئ القرآن لا يهان"، وأمر بأن يودع مبلغ كبير جُمع من تبرعات محبيه له في صندوق للزكاة، ومات بمرضه ولم ينفق على علاجه من تبرع خارجي.

وُلد الشيخ محمد رفعت (وهو اسم مركب)، في حي "المغربلين" بمنطقة الدرب الأحمر في العاصمة المصرية القاهرة في 9 مايو/أيار 1882، وكان والده "محمود رفعت" ضابطاً في الشرطة، وترقّى من درجة جندي -آنذاك- حتى وصل إلى رتبة ضابط.

كان الطفل محمد رفعت مبصراً حتى سن سنتين، إلا أنه أُصيب بمرض كُفَّ فيه بصره، وأُشيع أن السبب في فقد بصره هو حسد امرأة له حين رأته، قالت عنه: "إنه ابن ملوك، عيناه تقولان ذلك"، فما لبث أن كُفّ بصره.

ووهب "محمود بك" ابنه "محمد رفعت" لخدمة القرآن الكريم، وألحقه بكتّاب مسجد فاضل باشا بـ"درب الجماميز"، فأتم حفظ القرآن وتجويده قبل العاشرة.

أدركت الوفاة والده -مأمور قسم الخليفة في تلك الفترة- فوجد الفتى نفسه عائلاً لأسرته، فلجأ إلى القرآن الكريم يعتصم به ولا يرتزق منه، وأصبح يرتِّل القرآن الكريم كل يوم خميس في المسجد المواجه لمكتب فاضل باشا، حتى عُيِّن في سن الخامسة عشرة قارئاً يوم الجمعة، فذاع صيته.

كانت ساحة المسجد والطرقات تضيق بالمصلين ليستمعوا إلى الصوت الملائكي، حدثت الكثير من حالات الوجد والإغماء من شدة التأثر بصوته الفريد، وظلَّ يقرأ القرآن ويرتله في هذا المسجد قرابة الثلاثين عاماً؛ وفاءً منه للمسجد الذي بدأ فيه.

ولم يكتفِ الشيخ محمد رفعت بموهبته الصوتية الفذة، ومشاعره المرهفة في قراءة القرآن؛ بل عمّق هذا بدراسة علم القراءات وبعض التفاسير، واهتم بشراء الكتب، ودراسة الموسيقى الرقيقة والمقامات الموسيقية، فدرس موسيقى "بيتهوفن"، و"موتزارت"، و"فاجنر"، وكان يحتفظ بالعديد من الأوبريتات والسيمفونيات العالمية في مكتبته.

امتاز محمد رفعت بأنه كان عفيف النفس زاهداً في الحياة، فلم يكن طامعاً في المال لاهثاً خلفه، وإنما كان ذا مبدأ ونفس كريمة، فكانت مقولته: "إن سادن القرآن لا يمكن أبداً أن يُهان أو يُدان" ضابطة لمسار حياته، فقد عرضت عليه محطات الإذاعة الأهلية أن تذيع له بعض آيات الذكر الحكيم، فرفض وقال: "إن وقار القرآن لا يتماشى مع الأغاني الخليعة التي تذيعها إذاعتكم".

وعندما افتُتحت الإذاعة المصرية في مايو/أيار 1934، كان الشيخ محمد رفعت أول من افتتحها بصوته العذب، وقرأ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً}.

ولما صار الناس يجتمعون لسماع الإذاعة كان يذهلون لقراءة الشيخ رفعت، فعشقت الملايين صوته، وكان يحرص على سماعه حتى أصحاب ديانات أخرى، وأسلم البعض عندما سمع هذا الصوت الجميل.

تنافست إذاعات العالم الكبرى، مثل: إذاعة برلين، ولندن، وباريس، في أثناء الحرب العالمية الثانية؛ لتستهل افتتاحها وبرامجها العربية بصوت الشيخ محمد رفعت؛ لتكسب الكثير من المستمعين، إلا أنه لم يكن يعبأ بالمال والثراء، وأبى أن يتكسَّب بالقرآن.

وقال قولاً اشتُهر به: "أنا لا أبحث عن المال أبداً، فإن الدنيا كلها عرض زائل"، كان ذلك عام 1935 حين رفض الذهاب للهند بعد أن ضاعف نظام حيدر آباد العرض المادي إلى 45 ألف جنيه، فغضب وقال قوله ذاك.

كان منزل الشيخ رفعت منتدىً ثقافياً وأدبياً وفنياً؛ حيث ربطته صداقة قوية بالموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي كان يحرص على قضاء أغلب سهراته في منزل الشيخ بالسيدة زينب، وكثيراً ما كانت تضم هذه الجلسات أعلام الموسيقى والفن، وكان الشيخ يُغني لهم بصوته الرخيم الجميل قصائد كثيرة، منها: "أراك عصيّ الدمع"، أما عبد الوهاب فكان يجلس بالقرب منه في خشوع وتبتل، وتدور بينهما حوارات ومناقشات حول أعلام الموسيقى العالمية.

واعتادت الفنانة ليلى مراد الذهاب إليه قبل إسلامها برفقة والدها؛ لسماع الشيخ وهو يقرأ القرآن، على الرغم من أنها كانت يهودية الديانة فى ذلك الوقت.

قصص كثيرة موثقة، كان بطلها صوت الشيخ محمد رفعت، لعل من بين أبرزها أن مصريين مسيحيين كانوا يحرصون على سماعه، لا سيما توقف سائق الترام الذي يمر بجانب المسجد الذي يقرأ فيه الشيخ رفعت، فيوقف الترام لكي يستمع لقراءة رفعت.

شاء الله أن يُصاب الشيخ محمد رفعت بعدة أمراض لاحقته وجعلته يلزم الفراش، وعندما يُشفى يعاود القراءة، وتعرَّض في السنوات الثماني الأخيرة من عمره لورم في الأحبال الصوتية، منعَ الصوت الملائكي النقي من الخروج، ومنذ ذلك الوقت حُرم الناس من صوته.

وكانت وفاة الشيخ محمد رفعت يوم الاثنين 9 مايو/أيار 1950، التاريخ نفسه الذي وُلد فيه، عن ثمانية وستين عاماً قضاها في رحاب القرآن الكريم.

اعتمدت الإذاعات العربية لسنوات طويلة، قراءة الشيخ رفعت في افتتاحياتها، أو ختام إذاعة برامجها عند المساء، كما أنه يعد أحد أهم ملامح شهر رمضان الكريم، ليس فقط عند المصريين؛ بل في البلدان العربية، حيث تعتمد تلاوة القرآن بصوت الشيخ ثم يصافح صوته أذان المغرب في معظم المحطات الإذاعية والتلفزيونية.

ولا يزال صوت محمد رفعت يغرد في تلفزيونات العالمين العربي والإسلامي، وينجذب إليه الكثير من الأجيال الشابة الذين لم يعاصروه ولم يروه، وتواصل تلاواته تسجيل ارتفاع في عدد مرات الاستماع إليها على موقع "يوتيوب".

مكة المكرمة