رمضان يُدخل المصريين بعناد مع الدولة من التبرعات إلى التراويح

المصريون يمتنعون عن التجاوب مع دعوات جمع التبرعات

المصريون يمتنعون عن التجاوب مع دعوات جمع التبرعات

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 02-06-2017 الساعة 12:21
القاهرة - الخليج أونلاين (خاص)


بعكس سنوات سابقة، شهد شهر رمضان الجاري دخول كثير من المصريين في حالة عناد مع الدولة وفي أكثر من اتجاه، ضمن مشهد يرى مراقبون أنه يعكس خلافاً يخيم على العلاقة بين المواطن والحكومة.

هذه الحالة من العناد كما يراها البعض، يمكن لمسها في إحجام المصريين عن الاستجابة لحملات التبرع التي تطلقها الحكومة في رمضان من كل عام، وهي الحملات التي كثيراً ما لاقت تجاوباً فيما مضى. كما يمكن ملاحظتها أيضاً في عدم الاكتراث بقرارات حكومية هامة متعلقة بالشهر الكريم، ولا سيما تلك المتعلقة بتنظيم الصلاة وموائد الرحمن وغيرها.

الأوضاع الاقتصادية هذا العام ليست ككل الأعوام، كما يقول مواطنون عاديون استطلع "الخليج أونلاين" آراء بعضهم، ومع ذلك لا تزال حملات التبرع لفقراء مصر ومرضاها وأطفالها وغارميها وريفها، تطالب المصريين بمد يد العون، الأمر الذي حدا بكثيرين إلى أن يرفعوا أصواتهم: "هذا ليس دورنا وإنما هو دور الدولة".

اقرأ أيضاً

كيف كان صدام حسين يقضي أيامه الأخيرة بالسجن؟

- رفض

الأمر لم يقف عند حد رفض التبرع فحسب، وإنما امتد إلى الدعوة لعدم التبرع للمؤسسات التي تستهدف الدولة جمع التبرعات لها، وفي مقدمتها مستشفى (57357) لعلاج سرطان الأطفال، والذي كان قبلة المتبرعين، قبل أن يُطلق سيل من الانتقادات هذا العام؛ لكونه لا يقبل بإدخال أي طفل مريض، وإنما يقبل فقط الحالات "مضمونة العلاج".

دسوقي أحمد، طبيب مصري، كتب مقالاً قبيل شهر رمضان دعا فيه الناس إلى عدم التبرع لمستشفى أطفال (57357)، معللاً دعوته بأن هذا المشروع "يستنزف منذ ظهوره تبرعات الطبقات المتوسطة، تارة بالإجبار وتارة بالاختيار، وحين يذهب أي طفل للعلاج فإنه لا يمكن حجزه في هذه المشفى، حتى وإن توافرت الأسرّة له".

ويضيف الطبيب المصري: "العاملون في 57357 يعللون هذا الأمر بأنهم يحاولون وسط كثرة أعداد المرضى أن يختاروا الحالات التي يمكن مساعدتها، بدلاً من الحالات الميئوس من شفائها، ما يعني أن نسب نجاح العلاج في هذا المشفى هي نسب مخادعة، كما أن عدد أسرّة المستشفى الـ220 لا يتناسب مع هذه الميزانية الضخمة التي يحصل عليها".

ودعا الطبيب المتبرعين أن "يوجهوا أموالهم إلى جهات أكثر احتياجاً وأكثر فاعلية. جهات علاجية لاتستطيع أن تقوم بحملات إعلانية مليونية، ولا تجتذب علية القوم ومبرزيهم ومشاهيرهم. ورغم هذا يعملون في صمت وفي ظروف صعبة ليخففوا عن الأطفال المصابين بالسرطان".

- دعوات مناهضة

هذه الدعوة رافقتها دعوات أخرى من أطباء آخرين للكف عن إهالة التبرعات لـ"مشفى فندقي"، وتوجيهها إلى مستشفيات حكومية تعاني نقص الإمكانات، كمستشفى "أطفال أبو الرئيس" أو "القصر العيني"، فضلاً عن معهد الأورام الحكومي الذي لا يرفض، ولا يحق له أن يرفض، دخول أي مريض، ويسعى لتقديم الخدمات الطبية لكل حالات السرطان بغض النظر عن تأخرها، ومع ذلك لا يتسبب غياب الإمكانيات في موت المرضى على عتباته في مشهد يعرفه المصريون جيداً.

زينب محمد، مديرة سابقة بالتربية والتعليم، ترى أن الناس فقدت الثقة في كل المؤسسات القائمة على جمع التبرعات؛ لأنها تدفع ملايين الجنيهات للفنانين من أجل عمل حملات دعائية لجمع مئات الجنيهات.

وفي حديث لـ"الخليج أونلاين"، تقول زينب (62 عاماً)، إن الوضع الاقتصادي أيضاً "دفع الناس إلى تقديم المساعدات إلى ذويهم وجيرانهم المحتاجين؛ حيث لم يعد جزء كبير من محدودي الدخل قادراً على تحمل أعباء الحياة. كما أن تراجع قيمة العملة المحلية وما صحبه من ارتفاع الأسعار، جعل الحديث عن التبرع لمؤسسات يفترض أنها مسؤولة من الدولة غير مقبول".

وتساءلت "الحكومة تجمع التبرعات لنفس المؤسسات منذ سنوات دون جديد. أين ذهبت تبرعات 57357 التي يتم جمعها منذ أكثر من 10 سنوات؟".

سعد الشربيني، عامل في أحد المقاهي، يقول: إن "الإعلانات مكررة ولا تنتهي ولا تطلب جديداً، وكأن التبرعات التي يتم جمعها كل عام لا تذهب إلى أماكنها، أو أن كل المؤسسات الخدمية في مصر قائمة بالأساس على التبرع". وأضاف الشربيني لـ"الخليج أونلاين": "كيف أتبرع لحكومة لا تكف عن التضييق علي وتمويتي وتجفيف مصادر دخلي؟ لقد أغلقوا كل الأبواب في وجهنا".

أما يوسف بركات، وهو طالب بكلية الهندسة، فتساءل: "أين الدولة؟ وأين الضرائب؟ وأين التمويل الحكومي؟ بل وأين رجال الأعمال والفنانون الذين يطالبون الفقراء بالتبرع لهذه المؤسسات؟".

وفي حديثه لـ"الخليج أونلاين"، يؤكد بركات (22 عاماً) أنه "من المنطقي أن يمتنع الناس عن التبرع لمؤسسات الدولة، بعد سنوات من التبرعات المتواصلة دون نتيجة على الأرض. يبدو أن المواطنين بدؤوا ينظرون لهذه الأمور على أنها طريقة جديدة للتربح من المواطن".

وأضاف: "في الماضي كان المواطن يتبرع بمئة جنيه مثلاً لإحدى المؤسسات، وكان لديه شعور بأن هذا المبلغ لن يؤثر عليه. الآن الألف جنيه لن تنفع المؤسسة، في حين أنها ستؤثر على المتبرع الذي بدأ يحسب مصروفاته بالجنيه الواحد بسبب انهيار العملة".

لكن اللافت هذا العام، كما يقول، أن هناك رغبة شعبية وحملات واسعة على مواقع التواصل للتصدي لهذه المواقف الحكومية المثيرة للتساؤل، بالإضافة إلى مجاهرة المواطنين بموقفهم من الدولة وحديثهم المتصاعد عن عدم ثقتهم بها. وتابع: "هذا يعني أن شعبية النظام تدهورت رغم كل محاولات إظهار العكس".

حافظ أبو سعدة، مدير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، انتقد الوضع بقوله: إن "إعلانات رمضان هذا العام تصب في نتيجة واحدة وهي الشعب المصري في أسوأ حالاته".

وفي تغريدة على موقع "تويتر"، كتب أبو سعدة: "خلاصة إعلانات رمضان أن الشعب المصري في أسوأ حالة ويصعب على الكافر والحل في التبرعات".

- التراويح قائمة بمكبرات الصوت

حالة العناد التي تبدو مسيطرة على المصريين خلال رمضان الجاري لم تقف عند حد الامتناع عن التبرع، وإنما امتدت لقرارات أخرى قالت الحكومة إن مخالفيها سيتعرضون للعقاب، وفي مقدمتها قرار إقامة صلاة التراويح دون مكبرات الصوت، وهو القرار الذي ضرب به المصريون عرض الحائط، رغم التزام بعض مساجد القاهرة وكبريات المدن به.

كما أن كثيراً من المساجد لم تلتزم بالمدة الزمنية التي حددتها وزراة الأوقاف لصلاة التراويح (30 دقيقة تقريباً)؛ حيث تمتد الصلاة إلى نحو ساعتين في بعض المساجد، بما فيها مساجد العاصمة.

موائد الرحمن أيضاً وجدت من يقيمها ويعاند قرار الدولة بإزالتها في كثير من الأماكن، بدعوى أنها تمثل نوعاً من "إشغال" الطريق، في تجل آخر لمشهد عناد المصريين مع نظامهم السياسي، والذي يبدو أنه آخذ في التصاعد، رغم كل محاولات كبحه.

مكة المكرمة