فراغ وفقر يدفع فتيات الموصل وشبابها لأعمال يدوية مندثرة

النسيج وتربية الطيور والاهتمام بالحدائق أصبحت دارجة في المدينة

النسيج وتربية الطيور والاهتمام بالحدائق أصبحت دارجة في المدينة

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 05-03-2016 الساعة 15:00
الموصل - منذر الطائي - الخليج أونلاين


لجأت غالبية نساء وفتيات مدينة الموصل شمال العراق، والخاضعة لحكم تنظيم "الدولة" منذ قرابة عامين، إلى الأعمال اليدوية شبه المندثرة وأبرزها النسج بالمغازل، في حين لجأ الشباب إلى تربية طيور الزينة والدواجن والزراعة، هرباً من الواقع الممل، وتشبثاً بالحياة.

حيث يعاني أهالي الموصل تحت سيطرة "الدولة" أوقات فراغ كبيرة جداً، يملؤها القلق وانتظار المجهول المحفوف بالمخاطر، فمن بقوا بالمدينة، موظفون وعمال وتجار وطلبة وأساتذة من كلا الجنسين، جلسوا في بيوتهم بعد أن أغلقت الدوائر الحكومية أبوابها وفرض التنظيم بالمقابل أوامره التي قيدت الحركة والحريات.

تقضي سعاد (32 عاماً) جل وقت فراغها تلاعب أصابعها بغزل النسج، لتنتج لعائلتها قطعاً من الملابس، سعاد التي لم تمارس النسج سابقاً لعدة أسباب، أصبحت اليوم من المحترفات فيه.

وتقول في حديثها لـ"الخليج أونلاين": "ماذا أفعل؟ الوقت طويل ويسير ببطء، أنا متزوجة وكنت موظفة، جلست في المنزل بعد أن تعطل الدوام في دائرتي، تربية طفلين والاعتناء بالمنزل لا تحتاج إلى وقت وجهد كبير، لا أماكن ترفيهية أو حدائق عامة يمكن أن نلجأ إليها؛ بسبب سلوك عناصر ديوان الحسبة التابع للتنظيم والذين يحاسبوننا ويعاقبوننا على الصغيرة والكبيرة في ما يتعلق بالنقاب والأزياء والتصرفات الأخرى، فنتحاشى التصادم ونلزم منازلنا".

وتضيف: "عند زيارة إحدى قريباتي ورؤيتي جدتها تغزل، أعجبتني الفكرة وتذكرت عندما كنت صغيرة كيف كانت أمي وقريباتها يغزلن ويتبارين في هذا الأمر".

وتابعت سعاد: "بدأت تعلم الغزل بخيوط الصوف من الأقارب ومن مواقع الإنترنت، وشيئاً فشيئاً طورت قابليتي، واشتريت خيوط الصوف وأول إنتاج لي كنزة لطفلي وكانت رائعة لأنها من عمل يدي، ولم تكن مكلفة، كانت بربع القيمة التي لو أردت شراءها من السوق، ثم تطورت ونسجت العديد من القطع".

محال بيع خيوط الصوف المغزول في الموصل تشهد زخماً من قبل الزبونات؛ لشراء خيوط الصوف ومواد التطريز وتزيينها، في حين تتابع الفتيات والنساء الموصليات مواقع الإنترنت المتخصصة بهذا المجال لتطوير مهاراتهن على الموديلات الحديثة في هذا المجال.

نهى الموصلي قالت: "مع ضيق اليد بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة، لم نستطع شراء حاجات جاهزة من السوق، كان لا بد من البحث عن البدائل، فاهتديت إلى غزل الصوف".

وأضافت: "وفرت لأطفالي جزءاً كبيراً من ملابسهم الشتوية هذا العام، كما أني ساعدت زوجي في خفض النفقات، لتوجيه ما يحصل عليه إلى أمور أكثر أهمية".

ويعد غزل الصوف في الموصل من الأعمال النسائية التي اندثرت في السنوات الأخيرة، بعد أن تركتها النساء والفتيات ولجأن إلى شراء الملابس الجاهزة لتنوع موديلاتها وغياب الوقت المخصص لذلك؛ بسبب الوظائف أو متابعة التلفاز والزيارات العائلية وقضاء الوقت باستخدام الأجهزة الإلكترونية ومتابعة الإنترنت، فضلاً عن ظروف عدم الاستقرار في البلاد.

ووجد غالبية الأهالي أنفسهم بلا عمل ولا نشاط يقضون به وقت فراغهم، منذ دخول تنظيم "الدولة" وإحكام الحصار على المدينة إلا بما يبقي سكانها على قيد الحياة، فضلاً عن ضيق اليد بسبب قطع رواتب الموظفين من الحكومة بحجة أن التنظيم يقتطع جزءاً منها لدعمه مالياً، وهو ما أثر على الوضع الاقتصادي بشكل سيىء.

من جهتهم، لجأ شباب الموصل ورجالها إلى الزراعة وتربية الدواجن وطيور الزينة، وباتت ظاهرة استغلال الأراضي المتروكة داخل الأحياء السكنية لتحويلها إلى مزارع صغيرة أمراً منتشراً في المدينة.

يقول أمجد سعيد، الذي كان يعمل موظف حسابات في إحدى المؤسسات الحكومية، متحدثاً لـ"الخليج أونلاين": "بجوار داري قطعة أرض مساحتها 300 متر غير مستغلة، فقررت أن أجعل جزءاً صغيراً منها مكاناً لنجلس به أنا ورجال المنطقة مساء، بدلاً من المقاهي والمرافق الترفيهية التي أغلقها تنظيم "الدولة" ويراقب ما تبقى منها، وبنفس الوقت نوفر ثمن الشاي والقهوة".

ويضيف: "بعد فترة تطور الاهتمام بمكان الاستراحة وبدأت بزراعة بعض المحاصيل فيها؛ التي لا تحتاج إلا لبذار ورعاية بسيطة، مثل الباقلاء والطماطم والبصل والباذنجان؛ كجزء من ملء وقت الفراغ الذي أعاني منه، وتوفير احتياجات منزلي من تلك المواد على الأقل، بعد أن أغلقت المؤسسة التي أعمل بها".

أما يونس خليل فقال: "كنت أعمل في مجال تنفيذ الديكور، لكن عملي توقف تماماً منذ أكثر من سنة ونصف السنة مع توقف عجلة البناء والتطوير في المدينة؛ بسبب الظروف التي تمر بها، فاشتريت عدداً من طيور الزينة لرعايتها والاهتمام بها والاستمتاع بمشاهدتها، واليوم لدي عدة أقفاص يضم كل منها نوعاً مختلفاً عن الآخر من الطيور".

من جهته، يملأ علي سعدون وقت الفراغ بالاهتمام بحديقة منزله وزراعتها بنباتات الزينة والأزهار، وينظفها من الأدغال بشكل مستمر، حتى أنه غير من تصميمها اعتماداً على ما متوفر لديه من مواد لزراعة الحدائق.

ويرى مختصون أن المجتمع الموصلي معروف عنه التحضر والتمدن ويبحث عن الإبداع الجمالي والوظيفي والفائدة المالية.

ويقول الباحث الأكاديمي في جامعة الموصل، عبد الرحمن علي: إن "أهالي الموصل معروف عنهم حبهم للجمال والطبيعة؛ بفعل جغرافية مدينتهم التي تتمتع بربيعين وتضاريس كونت شخصية الفرد على حبه للخضرة والجمال، حتى أطلق عليها أم الربيعين".

ويتابع: "لم تتمكن الظروف الحالية السيئة من تغيير معادلة الحياة الموصلية المتمثلة بالإبداع، بل إن الظروف القاسية التي يعاني منها الفرد الموصلي بغياب العمل وقلة المردود المالي، دفعته إلى استعارة ذاكرته في اللاوعي، وهي ثقافته العريقة وعاداته الأصيلة".

ويوضح أن اهتمام سكان المدينة بهذه الحرف التي تركوها في السنوات السابقة، "لم يكن إلا لسرعة إيقاع الحياة وقسوتها والعنف الذي ضرب المدينة، لكنهم استعادوها بحكم الظروف التي فرضت كلمتها، وأعادتهم إلى عقود سابقة".

مكة المكرمة