في غزة.. مبتورو الساق تجمعهم الصداقة وتقاسم الوجع و"الحذاء"

صداقتهما كانت دراما لا يُحسدان عليها

صداقتهما كانت دراما لا يُحسدان عليها

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 19-02-2016 الساعة 14:46
غزة - أحمد علي - الخليج أونلاين


كانت لافتة صداقة ثلاثة شبان مبتوري الساق يقفون على شاطئ بحر مدينة غزة، لكن الشيء الأكثر سريالية في المشهد، كان اشتراك اثنيْن منهم في ارتداء حذاء واحد!

أحدهما ويدعى عدلي عبيد (24 عاماً)، بُترت ساقه اليمنى، والآخر واسمه منصور القرم (26 عاماً) بترت ساقه اليسرى، وكلاهما أصيبا في حادثين منفصلين نتيجة قذيفة إسرائيلية يصفانها بـ"غادرة".

في إصابتهما حكاية، ليس مبالغة القول إنها تصلح سيناريو لفيلم هوليوودي عن صداقة باللون القاني، جمعت شابين على الضراء كما السراء.

في شهر مارس/آذار عام 2011، كان الشاب عدلي يقوم بإسعاف أطفال جرحى أصيبوا بقذيفة مدفعية إسرائيلية أطلقت على منزل بحي الشجاعية شرق مدينة غزة، قبل أن تباغته قذيفة ثانية تسببت ببتر ساقه اليسرى.

وبعد أسبوع كامل قضاه الشاب عدلي غائباً عن الوعي في قسم العناية المكثفة بأحد مستشفيات غزة، استيقظ ليسأل من حوله: "أين قدمي؟" فأجابوه: "سبقتك إلى الجنة".

ومن حينها استوطنه الحزن، وعبثاً حاول صديقه المقرب منه (منصور) التخفيف من مصابه، حتى إنه مازحه ذات يوم قائلاً له: "ما رأيك أن تأخذ قدميّ الاثنتين؟".

ولم يدر في خلد منصور أنه سيكون على موعد مع إصابة شبيهة بإصابة صديقه عدلي، في شهر أغسطس/آب من العام نفسه، حين استهدفت مدفعية الاحتلال مكاناً بجوار منزله، وكان مارّاً من هناك، ليصاب وتبتر ساقه اليمنى.

المشهد نفسه تكرر مع منصور بمكوثه في العناية المكثفة، وبعد أن أفاق من غيبوبته تفاجأ ببتر ساقه ليسأل السؤال ذاته الذي سأله صديقه عدلي من قبل: "أين ساقي؟"، ثم الإجابة نفسها: "سبقتك إلى الجنة!".

لكن حالة منصور كانت أكثر خطورة ببتر ساقه وأصبعين في يده اليمنى، مع شظية اخترقت دماغه، تسببت له بضعف في أعصاب يده اليسرى.

يقول منصور لمراسل "الخليج أونلاين" مبتسماً: "إصابتنا أنا وصديقي كانت دراما لا نُحسد عليها"، فكان ردّ عدلي: "الحمد لله على كل حال".

ويضيف عدلي: "ربما ما حدث لنا أنا وصديقي خفف عن كليْنا (...)، أعتبر منصور نصفي الثاني، الذي لا أتخلى عنه، لدرجة أننا نتشارك في ارتداء حذاء واحد".

ويكمل منصور: "نقضي كل أمورنا معاً، لدرجة أننا يعتمد كل منا على الآخر في قيادة دراجة نارية، فعدلي يضغط بساقه اليمنى على (دواسة الوقود)، فيما أنا أتولى أمر تبديل الغيارات بساقي اليسرى".

لم يشعر الاثنان بعد إصابتهما ببرود الهمّة؛ فعدلي قرر ألّا يستسلم عند منتصف الطريق وأن يربح النصف الثاني، فهو اليوم يلبي احتياجات أسرته، ويقضى أوقاتاً جميلة مع أصدقائه. أما منصور فمضى هو الآخر في حياته، وتزوج بعد إصابته بفترة.

وفي مركز الأطراف الصناعية الوحيد التابع لبلدية غزة، تعرف الاثنان على صديقهم الثالث مهند عيد، كان قد أصيب في العدوان الإسرائيلي الأخير عام 2014، نتيجة قذيفة مدفعية.

ولم يمنع حاجز الإعاقة ثلاثتهم من الاستمتاع بالحياة، مسلحين بالأمل.

هذه الصداقة الفريدة، استرعت انتباه الشاب المصور طارق الدقس، الذي التقط لهم صورة حظيت بإعجاب كثيرين، تناقلوها بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي.

يقول الدقس لمراسل "الخليج أونلاين" حول شعوره عن شيوع صورته: "شعرت أنها يمكن أن تخدم هؤلاء الشباب الجرحى، وتوصل معاناتهم".

ويضيف: "أنا فخور جداً أن الصورة نالت إعجاب الناس؛ لأنها تحمل رسالة مفادها أن عجلة الحياة لا توقفها الإعاقة".

disable

هناك في مركز الأطراف الصناعية تسكن الإعاقة، وخارج أسواره يشيع الأمل، فثلاثة حروب إسرائيلية على غزة منذ عام 2008، تسببت بإعاقة لما يزيد على 1800 جريح، بكل أنواع البتر.

يقول نبيل فرح، رئيس المركز، إن العدوان الأخير ضاعف أعداد الجرحى، مشيراً في الوقت نفسه إلى ضعف إمكانات المركز من ناحية إنتاج الأطراف الصناعية للمصابين.

ونقل "الخليج أونلاين" عن فرح قوله إن المركز يحرص على إخراج الجريح من الحالة النفسية التي يعيشها، بتزويده بالأطراف التي تساعده على قضاء بعض أموره، وتدريبه عليها.

ويشار إلى أن عدوان 2014، الذي استمر 51 يوماً، استشهد على إثره 2148 فلسطينياً، وأصيب قرابة 11 ألفاً، وفق بيانات وزارة الصحة.

وتقوم الوزارة على تحويل مئات المرضى الفلسطينيين إلى خارج قطاع غزة لتلقي العلاج، لكن الحصار الإسرائيلي وإغلاق المعابر يعيقها.

مكة المكرمة