"كل شي يتلاشى عدا المقابر".. السوريون يمضون العيد بزيارة الموتى

عيد السوريين وفرحتهم الكبرى هما بزوال الظلم والقتل

عيد السوريين وفرحتهم الكبرى هما بزوال الظلم والقتل

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 16-06-2018 الساعة 20:58
درعا - الخليج أونلاين (خاص)


جاء عيد الفطر لهذا العام ومضى، ولم يشأ أن يأتي إلا بالحال ذاتها التي تمر بها سوريا منذ ثماني سنوات خلت.

وبدلاً من التوجه لشراء الملابس وحلويات العيد وألعاب الأطفال وزيارة الأقارب، باتت زيارة المقابر طقساً لا يمكن تجاوزه في سوريا.

إذ تجد الأب المكلوم، والأم الثكلى، والأيتام، يعايدون من أصبحوا تحت التراب، بسبب نيران الحرب التي فتحها نظام الأسد على السوريين.

ومنذ عام 2011 وحتى نهاية العام الماضي، تم توثيق مقتل أكثر من 360 ألف شخص بحسب الأمم المتحدة، وتشريد أكثر من 6 ملايين و600 ألف شخص، واعتقال مئات الآلاف من الأشخاص.

- الطقس الأبرز

"كل شي يصغر ويتلاشى في سوريا، عدا المقابر تنمو وتكبر!".. بهذه الكلمات، بادرَنا الحاج محمد عبد القادر، الذي كان يجلس إلى إحدى المقابر في ريف درعا، بجانب قبرين متجاورين صباح يوم عيد الفطر، قال إنهما لولديه.

وأشار الرجل الستيني إلى أنه جاء للمقبرة في هذا اليوم الفضيل، بعد أداء صلاة العيد؛ وذلك لزيارة قبرَي ولديه نادر وعصام (23 و21 عاماً)، اللذين أعدمتهما قوات الأسد ميدانياً رمياً بالرصاص، بتهمة الانتماء إلى فصائل المقاومة المناوئة للنظام، وذلك عند دخولها قريتهم في ريف درعا قبل أربعة أعوام.

ولفت في حديث لـ"الخليج أونلاين" والعَبَرات تخنقه، إلى أن زيارة المقابر أصبحت، في جميع المناطق السورية، هي الطقس الأبرز المتبقي من طقوس العيد، بعد هذا الكم الهائل من عمليات القتل، والتدمير، والخراب، التي نفذتها قوات النظام وحلفائها بحق السوريين.

وقال: "لقد غادر الفرح معظم بيوت السوريين، وغادرت معه جل الطقوس الاحتفالية التي كانت تقام في المناسبات، وحل بدلاً منها الحزن والذكريات المؤلمة".

وأضاف: "انظر إلى هذه المقبرة المترامية الأطراف، فهي تحتضن في باطنها خيرة الشباب، من ضحايا الحرب المستمرة منذ أكثر من ثماني سنوات".

ولفت إلى أن القبور في هذه المقبرة كانت قبل انطلاق الثورة السورية في عام 2011، تعد على الأصابع، لكنها الآن مليئة عن بكرة أبيها ولم تعد تتسع للمزيد من القبور.

- قصص وحكايا

أم غازي، المرأة الخمسينية الكفيفة، كانت تحتضن أحد القبور وتنحب بحُرقة، وتصيح: "لمن تركتني يا ولدي؟!"، قالت: إن "غازي (25 عاماً) كان ولدي الوحيد الذي لم أُرزق بغيره، وهو كل دنيتي وسعادة حياتي، لكن يد القتل خطفته مني وتركني وحيدةً".

وأضافت في حديث لـ"الخليج أونلاين"، أن "نظام الأسد هو مَن قَتَلَ ابنها الوحيد، وتحديداً مفرزة الأمن العسكري في ريف القنيطرة، التي كانت قد استدعته في عام 2013، للتحقيق معه بتهمة التواصل مع الثوار في المنطقة، ثم رمته جثة هامدة على جانب أحد الطرق بعد يومين".

وزادت بالقول: "أجبَروا والده العجوز، آنذاك، على التوقيع على وثيقة تفيد بأن مَن قتَل ابنه هم الثوار، وإلا تعرَّض لمصير ابنه نفسه إذا رفض التوقيع"، موضحة أن زوجها العجوز تُوفي بعد أشهر قليلة على وفاة ولده متأثراً بحزنه.

اقرأ أيضاً:

"عساكم من عواده".. كيف يتبادل الخليجيون التهاني في العيد؟

في حين أكدت أم خالد (48 عاماً)، أنها لم تصدِّق أن ابنها خالد (27 عاماً) أصبح في عداد المفقودين بعد اعتقالٍ دامَ أربع سنوات، مشيرة إلى أنها كانت تزوره في سجن "صيدنايا" قبل ثلاثة أعوام، لكن إدارة السجن طلبت منها العام الماضي عدم المجيء للزيارة؛ لأن ابنها لم يعُد موجوداً ومات بسبب "المرض"، كما قيل لها.

وقالت: "منذ ذلك الحين وأنا أزور في الأعياد قبور رفاقه وأقاربه وأضع عليها الورود وأغصان (الآس)؛ لأن كل واحد منهم بالنسبة لي هو ابني خالد الذي لا أعرف حقيقة وضعه، إن كان فعلاً ميتاً أم حياً يُرزق ويقبع في أحد معتقلات النظام".

وأضافت في حديث لـ"الخليج أونلاين"، أن إحساسها يخبرها بأن ولدها خالد حي يُرزق، وأنه وإن طال غيابه، فلا بدَّ من أن يعود إليها؛ لذلك فهي ما زالت تحتفظ بجميع أشيائه، ولم تسمح لأحد من إخوته باستخدامها.

وقالت مشيرةً إلى أشيائه: "هذا سريره، وهذه خزانة ملابسه، وهذه قوارير عطره، وهذه آلة التسجيل التي كان يحب الاستماع إليها، وأشرطة الكاسيت كلها ما زالت على حالها تنتظر عودته".

- كل شيء تغيّر

الباحث الاجتماعي عبد الإله الحسين أشار إلى أن الحرب السورية وتداعياتها غيَّرت الكثير من العادات والطقوس الاجتماعية المتوارثة، المتبعة في الأعياد الدينية، والمناسبات.

ولفت في حديث لـ "الخليج أونلاين"، إلى أن طقوس الأعياد الدينية، التي كانت متعددة الجوانب، باتت تقتصر على الجوانب الروحية، المتعلقة فقط بِصلة الأرحام، وتبادُل الزيارات القصيرة للأقارب، وذوي الأُسر المنقوصة، وأُسر الشهداء، وزيارة المقابر التي يمضي السوريون معظم أوقات العيد فيها.

وبيَّن أن زيارة المقابر في الأعياد عادةٌ دَرَجَ على اتِّباعها السوريون منذ القديم، ولكنها خلال سنوات الحرب، تكرست بشكل كبير؛ بسبب ارتفاع أعداد القتلى، التي وصلت إلى أرقام صادمة، لافتاً إلى أن هذه العادة أصبحت القاسم المشترك بين معظم العائلات السورية، التي فقدت خيرة شبابها في هذه الحرب.

وأضاف أن زيارة قبور الأحبَّة في الأعياد عادةٌ مستحبَّةٌ وتحمل في طياتها الكثير من المعاني الإنسانية؛ فهي تعبر عن الوفاء للمتوفى، وإحياء لذكراه، كما أنها تُشعر الزائر براحة نفسية كبيرة، جراء قيامه بواجبه تجاه شخصٍ عزيزٍ افتقده.

وأشار الحسين إلى أن الحرب السورية غيَّبت أيضاً الكثير من المظاهر الاحتفالية، التي كانت تقام في الأعياد الدينية، عازياً ذلك إلى الأوضاع الاقتصادية السيئة والمزاج العام، والحالة النفسية الصعبة لمعظم السوريين، والتي لم تعد تسمح بذلك.

وقال: "منذ بداية الثورة في عام 2011، غاب الازدحام الشديد عن الأسواق والشوارع، في الكثير من المناطق السورية، كما غابت السهرات، التي كانت تدوم إلى ساعات متأخرة من الليل.

وأضاف أن "الساحات العامة والشوارع لم تعُد مراتع وملاعب طفولة، يقضي الأطفال جُل أوقاتهم فيها، لقد حوَّلتها الحرب إلى ركام وأنقاض مخيفة، لا تصلح لشيء".

معظم الأُسر السورية باتت منكوبة ومفجوعة بأعزّاء لها -يقول الحسين- وقلما تجد أسرة لا يوجد فيها شهيد، أو فقيد، أو مغيَّب، أو مهجَّر، متسائلاً: "من أين لهذه الأُسر أن تفرح أمام هذا الفقد الكبير لأعزّاء وأحبَّة كانوا في الأمس بينها؟".

وختم حديثه بأن لسان حال السوريين يقول: "إن عيدهم وفرحتهم الكبرى هي بزوال الظلم والقتل، وبوضع حد لهذه الحرب المجنونة، وبالإفراج عن المعتقلين، وبيان مصير المغيَّبين والمفقودين، وعودة اللاجئين إلى ديارهم".

مكة المكرمة