للإعلام دور سلبي.. الجريمة خطر يهدد المجتمع التونسي

تونس.. للجريمة أسباب مجتمعية

تونس.. للجريمة أسباب مجتمعية

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 17-02-2018 الساعة 17:42
تونس - شمس الدين النقاز - الخليج أونلاين


من السهل ملاحظة قاسم مشترك يجمع قارئي الصحف والمجلات في تونس، داخل المقاهي أو المحال الشعبية أو داخل وسائل النقل، فأغلبهم يحرصون على مطالعة ركن "قضايا المجتمع" أو زاوية "جرائم وأحداث"، المختصة برصد الجرائم التي تهزّ البلاد بشكل مستمر.

ونظراً إلى تصدُّرها اهتمام القارئ التونسي، يؤكد رؤساء تحرير وصحفيون يعملون في وسائل إعلامية محلية مختلفة، أن الجرائم بكل تفرّعاتها هي من أكثر المواضيع انتشاراً وإثارةً للاهتمام خلال التغطية الإخبارية اليومية لما يحدث في البلاد.

ووفق معطيات حصل عليها مراسل "الخليج أونلاين" في تونس، فقد تصدّرت التقارير والأخبار التي تتحدّث عن الجريمة، أكثر المواضيع قراءةً بالصحف والمواقع الإلكترونية التونسية المعروفة.

اقرأ أيضاً:

الفقر المائي يهدد تونس بالعطش ويُدخلها مرحلة تحلية مياه البحر

وتُتَهم وسائل الإعلام التونسية، بأنها ومن خلال تغطيتها "المكثّفة" و"المبالغ فيها" للمواضيع المتعلّقة بالجرائم، أسهمت في تفشّيها وانتشارها بالمجتمع.

- الإعلام عوّم الجريمة

وبحسب الطيب الطويلي، عالم الاجتماع التونسي، فإن الزخم الإعلامي الذي ألقى الضوء، بشكل كبير، على الظاهرة الإجرامية بعد الثورة، والتي كانت في السابق مخفيّة أو مسكوتاً عنها في إطار سياسة الدولة، التي تهدف إلى إخفاء سلبيات المجتمع التونسي وتضخيم إيجابياته، أدى إلى تعويم الظاهرة الإجرامية بتونس وتحويلها إلى شيء عادي في الحياة اليومية.

وأشار إلى أنه "من الوارد أننا قد نجد أحياناً وسيلة إعلامية تتعاطف مع مجرم أو مع منتحر، وتحاول تقديم بعض المبررات له".

وتابع الطويلي في حديثه لـ"الخليج أونلاين" أن لهذه الأخبار تأثيرها السلبي على بعض الفئات المجتمعية، التي يمكن أن تتأثر بهذا التعاطي الإعلامي وتتغير نظرتها إلى الجريمة من نظرة مُدينة إلى متعاطفة، هذا إضافة إلى أن بعض القوانين لا تُعتبر بالصرامة اللازمة في عقاب المجرمين، خاصة منها القانون الخاص بقطع الطريق (البراكاج)، والذي لا يعتبر صارماً بالحد الكافي لردع المجرمين.

الطويلي أكد أن معدلات الجريمة في تونس شهدت ارتفاعاً بُعيد الثورة، ويشمل هذا الارتفاع مختلف أنواع الجرائم التي تفصّلها وزارة الداخلية التونسية في إحصائيات لها.

وتشمل هذه الجرائم: الاعتداء على الجسم البشري، والعنف، والاعتداء على الطفولة والأسرة، والجرائم الأخلاقية، وجرائم المخدرات، وجرائم الصحة، والسرقات، والاعتداء على الأملاك، والجرائم الاقتصادية والمالية، والاعتداء على الأمن العام.

وكل هذه الأنواع من الجرائم في تزايد على المستوى الكمي، حيث ارتفعت بنسبة 5.23% بين عامي 2014 و2015، لكنها ارتفعت بنسبة 1.2% فقط بين عامي 2013 و2014. أما بين عامي 2012 و2013، فقد ارتفع عدد القضايا الإجرامية المسجلة بنسبة 4.5%.

لكن الباحث في علم الاجتماع شدّد على أن معدلات الجريمة في تونس لم ترتفع بشكل كبير كما يتبادر إلى الأذهان.

وبيَّن أن ربط ارتفاع منسوب الجريمة بالثورة التونسية غير صحيح؛ باعتبار أن معدل ارتفاعه في تونس بعد الثورة يعتبر عادياً مقارنة بمختلف الدول العربية أولاً، ومقارنة بمعدلات ارتفاع منسوب الجريمة قبيل الثورة.

وتحتلّ تونس المرتبة الـ53 عالمياً والعاشرة عربيّاً، من بين 125 دولة مدرجة على قائمة خاصة بمؤشّر الجريمة العالمي لعام 2017.

وتُسجَّل أكثر من 100 حالة عنف يومياً في المؤسسات التربوية، مع عدد كبير من قرارات طرد التلاميذ على خلفية الانحلال الأخلاقي والعنف.

وفي شهر أكتوبر الماضي، أطلقت وزارة الداخلية التونسية حرباً ضد الجريمة، قالت إنها تهدف إلى "تعزيز أمن المواطنين".

وقال العميد وليد حكيمة، الناطق الرسمي باسم الأمن التونسي، في تصريحات إعلامية، إن الشرطة التونسية حققت تقدماً في مكافحة ما يُعرف بـ"السلب عبر العنف"، من خلال حملات أمنية مكثفة بالقرب من المؤسسات التعليمية والمصرفية ووسائل النقل وغيرها؛ لتشديد الخناق على هذه الظاهرة.

- أوضاع اجتماعية صعبة

وعما إن كانت الأوضاع الاجتماعية الصعبة قد أسهمت في ارتفاع معدّلات الجريمة، اعتبر الطيب الطويلي أن للجريمة أرضية وعوامل تشجعها وتيسِّرها.

وأوضح أن أول هذه العوامل، تمزُّق الدولة وتهالك منظومتها الأمنية والردعية، وهو الأمر الذي لا ينطبق على تونس؛ باعتبار أن جهازها الأمني سرعان ما تعافى من أزمته السريعة بُعيد الثورة، وعاد لسالف قوته وسيطرته على الوضع الأمني.

والعامل الثاني، بحسب قوله، هو الفقر والعوز والضغط الاجتماعي اليومي، وما يؤشر لهذا هو أن البلدان العربية الأعلى جريمةً هي الصومال ومصر والسودان والعراق، في حين أن أقلها جريمة هي قطر والإمارات.

وللحد من منسوب الجريمة في تونس، رأى عالم الاجتماع التونسي أن هناك عدة عوامل يجب الاشتغال عليها، أولها دور الأسرة والوالدين في الحد من جنوح الأبناء ومراقبة تصرفاتهم، وتأمين تنشئة اجتماعية سليمة بعيدة عن العنف.

والعامل الثاني، هو دور المؤسسات الإعلامية التي عليها انتقاء المادة التي تبثها، وقد أصبحت ميَّالة إلى إنتاج العنف بالخطاب الموجه من خلال بعض القنوات.

ولفت النظر إلى أن هذا الخطاب يحتوي عنفاً؛ إما مباشراً وإما ضمنياً، وبمختلف أشكال العنف الجسدي أو اللفظي أو الرمزي أو الإيحائي، أو من خلال المسلسلات التلفزيونية، التي أصبحت تُصوِّر المجرمين في صورة جميلة ومبهرة، حيث يتحول المجرم إلى شخص محبوب ولطيف؛ وهو ما يدفع المتلقّي إلى الميل لمحاكاة أو تقليد البطل حسب مفهوم غابرييل تارد.

وختم الطويلي حديثه قائلاً إن دور مؤسسات الدولة والمجتمع المدني يجب أن يكون عبر التوعية، وتحسُّس خطر الظاهرة الإجرامية من ناحية، ومن خلال الدعوة إلى التشديد في العقوبة بالنسبة لبعض الجرائم، خاصة منها قطع الطريق، الذي يتنامى بالمجتمع التونسي؛ بسبب عدم وجود عقوبة صارمة ورادعة، خاصة في حالة العَوْد.

مكة المكرمة