لمسات أمريكية بمناهج التعليم السعودية.. هل بدأ "الغزو الفكري"؟

تيلرسون يعلن عن خطوات السعودية لمكافحة التطرف عبر المناهج الدراسية

تيلرسون يعلن عن خطوات السعودية لمكافحة التطرف عبر المناهج الدراسية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 13-12-2017 الساعة 13:45
الرياض - الخليج أونلاين (خاص)


تماشياً مع ما تشهده المملكة العربية السعودية من تحوّلات لم يسبق لها مثيل في تاريخها الحديث، شرعت وزارة التعليم العالي السعودية بتوجيه وتعاون من وزارة الخارجية الأمريكية في سحب مناهج دراسية من المدارس والمساجد، وإدراج أخرى تتماشى مع الخطط الإصلاحية التي ينتهجها ولي العهد، محمد بن سلمان، بهدف ما قالت إنه "مواجهة التطرّف والإرهاب".

ليس الغريب في تغيير المملكة مناهجها الدراسية التي بالفعل عفا عليها الزمن، في ظل توفر الفضاء المفتوح، لا سيما الإنترنت والعالم الافتراضي، وسهولة البحث عن معلومة أو حقيقة خالية من مبالغات أو تقييد أو توجيه من قبل الإدارات المدرسية والحكومات، إلا أن تدخّل جمعيات أمريكية في إعداد المناهج الدراسية الجديدة ووضع المعايير لها يهدد بحدوث كارثة مجتمعية لا قبل للرياض بها؛ تتمثّل في وضع ألغام فكرية في المناهج الجديدة توافق ما تريده تلك المنظّمات، وإحداث تحوّلات ونزاعات خطيرة، وجني نتائج عكسية تنسف في نهاية المطاف قيم ومبادئ المجتمع السعودي القائمة على الدين الإسلامي.

اقرأ أيضاً :

خاشقجي: السعودية تدفع ثمن "خيانتها" للربيع العربي

ومنذ سنوات، تنتقد منظمات حقوقية دولية، منها "هيومن رايتس ووتش"، المناهج الدراسية في السعودية، وتصدر تقارير خاصة تدعو من خلالها إلى استبدال المناهج الحالية بمناهج حديثة تتواءم مع ما يمرّ به العالم من تطوّر في النظام التعليمي والثقافي والتكنولوجي، والابتعاد عن المنهاج التي "تدعو إلى الغلوّ والفكر المتطرّف" بشكل واضح.

وتقول تلك المنظمات إن تلك المناهج خلّفت نتائج كارثية، وساهمت بظهور مصطلح ما بات يعرف بـ "الإرهاب" والتطرّف، ولا يزال العالم يدفع ثمن المناهج الدراسة السعودية من الابتدائية وحتى الجامعية.

- اهتمام أمريكي

يوم الثلاثاء، 11 ديسمبر 2017، أكد وزير الخارجية الأمريكي، ريكس تيلرسون، أن السعودية بدأت بمواجهة الدعاية المتطرّفة من خلال إدراج مواد جديدة وسحب أخرى من المناهج الدراسية في المدارس والمساجد تناهض الفكر المتطرّف، في إشارة واضحة إلى الحضور الأمريكي القريب من تلك الخطوات في المملكة.

الوزير الأمريكي شدد، في تصريحات على هامش منتدى المجلس الأطلسي بواشنطن بشأن تحديات السياسية الخارجية، على أن بلاده أجرت محادثات مع السعوديين تناولت "إدراج المحتوى المناهض للفكر المتطرف في المساجد والمدارس الدينية والمناهج الدراسية المعتمدة".

وقال إن السعوديين أصدروا في الفترة الحالية مواد جديدة ويسحبون أخرى، مشيراً إلى أن هناك "الكثير من العمل" الذي يجب على المملكة القيام به.

وأبدى تيلرسون إعجابه بمركز مكافحة التطرّف في السعودية، وعمله على تطوير ونشر محتويات مناهضة للفكر المتطرف عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قائلاً: إنه "لدى المركز بنك ضخم من الأفراد الذين يراقبون مواقع التواصل الاجتماعي، ليس لرصد المحتوى فحسب، بل لتعطيله أيضاً عبر محتوى مناهض للفكر المتطرف العنيف"، واعتبر أن هذا الأمر مهم للغاية.

- معايير أمريكية لمناهج سعودية

وزير التعليم السعودي، أحمد بن محمد العيسى، أعلن أن بلاده بدأت بالتعامل مع الرابطة الأمريكية الوطنية لتعليم الأطفال الصغار (نايك) من أجل تصميم المناهج والمعايير المنهجية الجديدة، وغيرها من الشركاء الدوليين، وذلك لخبرتها في مجالات تنمية الطفولة المبكّرة.

وأكد العيسى، في كلمة له يوم الاثنين (10 ديسمبر 2017)، خلال حفل جائزة "يدان" العالمية، في هونغ كونغ، بحضور ما يقارب الـ 400 شخصية عالمية تعليمية، أن بلاده تعتزم "اتخاذ سلسلة من الإجراءات لضمان جودة المناهج الدراسية والعمل على الانتقال من التعليم التقليدي إلى منهج قائم على الكفاءة". وأشار إلى "تغيير كبير مرتقب لدور المعلمين في الصف الدراسي"، وفقاً لما نقلت عنه صحيفة "عكاظ".

المسؤول السعودي قال أيضاً إن وزارته وقّعت عدداً من اتفاقيات الشراكة مع جهات دولية لوضع "معايير" وإطار عام لتصميم وتنفيذ المناهج الدراسية والتعليم في المملكة؛ بهدف "تعزيز النمو الاقتصادي والتنمية في البلاد"، في حين يُعد توفير مرجع للتطوّر المستقبلي المتّسق لجميع البرامج المدرسية الأول من نوعه في تاريخ المملكة، بعدما كانت المؤسسة الدينية تشرف على آلية وضع المناهج سابقاً.

ويعتبر الوزير السعودي أن "التعليم أحد أبرز أركان رؤية المملكة 2030 لإعداد الجيل القادم للمستقبل، وتجهيزهم ليس فقط بقاعدة واسعة من المعرفة، ولكن بالمهارات والكفاءات، فالتقليد المتمثّل في نقل المعارف القائمة ببساطة لم يعد كافياً، ونحن بحاجة إلى إعادة النظر في التعليم من مرحلة ما قبل المدرسة".

اقرأ أيضاً :

صحف أجنبية: بن سلمان ينفّذ انقلاباً وسيسرِّع بانهيار السعودية

- تعاليم تناقض الواقع

في المقابل، تقول وزارة التعليم العالي السعودية إن مناهجها الدراسية تقوم على أسس عامة؛ منها أن "العلوم والمعارف بمختلف أنواعها وموادها تكون منهجاً وتأليفاً وتدريساً وجهة إسلامية في معالجة قضاياها والحكم على نظرياتها وطرق استثمارها، ومنبثقة من الإسلام، متناسقة مع التفكير الإسلامي السديد"، بحسب رصد أجراه "الخليج أونلاين" على موقع الوزارة الإلكتروني.

وفي متابعة بسيطة لأسس إعداد المناهج الدراسية، يظهر أن الوزارة قد تخلّت عن جوهر إعداد وتأليف المناهج الدراسية، لتشرك معها جهات خارجية، قد تفرض توجهها السياسي والديني من خلال المناهج الجديدة لتكون أفضل منفذ يهدد مستقبل التعليم والأجيال القادمة في المملكة، لا سيما وضع مناهج فلسفية وفكرية تحمل قيماً بعيدة عن تعاليم الدين الإسلامي، وتعارض تماماً ما كان يدرَّس سابقاً.

ويهدد حدوث مثل ذلك بثورة فكرية عكسية تستهدف قيم ومبادئ المجتمع السعودي، وتُحدث صراعاً معرفياً لا يمكن معالجته؛ كما هو الحال أثناء تغيير الأنظمة السياسية من القومية إلى الدينية أو العلمانية وبالعكس.

- هل يحدث ابتعاد تدريجي عن مبادئ الإسلام؟

بعد تصدُّر ولي العهد، محمد بن سلمان، للمشهد السياسي في السعودية مؤخراً، واتخاذه عدداً من القرارات والإجراءات الإصلاحية، بات السعوديون يعيشون صراعاً داخلياً بين مؤيد ومعارض لسياسة الأمير الشباب التي يشوبها الكثير من المحاذير؛ لكون المجتمع لم يتهيأ لتقبّل قرارات جديدة تقيِّد الحريات والمدنية والمسائل الدينية والقيمية في المجتمع، بينما تفتح بالمقابل الباب على مصراعيه أمام قضايا خلافية؛ منها الاختلاط بين الجنسين والانفتاح الثقافي المخالف للدين، واستخدام السلطات السياسية والقضائية والتشريعية والدينية في قمع من يتعاطف مع حصار دولة قطر، وكذلك تناقض المواقف السياسية وما يُشاع عن التطبيع السعودي - الإسرائيلي.

يرى العديد من المتابعين للشأن السعودي أن لجوء الرياض إلى جمعيات أمريكية في إعداد وصياغة مناهج دراسية محلية يُمثل تنصّلاً واضحاً من أهم بنود قانون المناهج القديم الذي أقرّته وزارة التعليم مسبقاً، ويؤكد "الثقة الكاملة بمقومات الأمة الإسلامية وأنها خير أمَّة أُخرجت للناس".

وليس هناك ما ينصّ على اللجوء إلى الأمة الأمريكية أو غيرها من الأمم في إعداد أو صياغة مواد دراسية تهدد مستقبل الطلاب وتضعهم في تناقض مع ما تمّت دراسته طيلة العقود الماضية.

ويتخوّف أولياء أمور وأكاديميون سعوديون من نزع الحكومة السعودية الحالية، بقيادة ولي العهد محمد بن سلمان، لقيم ومبادئ المجتمع السعودي بالتدرّج؛ بحجة تغيير مناهج الدراسة ومواكبة التطوّر والحداثة في العالم، وقد تأتي المناهج الجديدة بنتائج عكسية؛ منها إثارة النعرات الطائفية أو العنصرية، خصوصاً مع حالة الخلاف الدائم مع إيران وشيعة السعودية.

كما قد تثار العديد من القضايا والأمور الخلافية بين أبناء المجتمع الواحد، وانسلاخ الطلاب من قيمهم التي تربّوا عليها؛ بحجة الاقتداء بالتطوّر الغربي أو الأمريكي، بينما يؤكد نظام الوزارة القديم "الارتباط الوثيق بتاريخ أُمتنا وحضارة ديننا الإسلامي، والإفادة من سير أسلافنا، ليكون ذلك نبراساً لنا في حاضرنا ومستقبلنا".

ويشير أحد بنود نظام التعليم السعودي السابق، أو أسس إعداد المناهج، إلى "النصح المتبادل بين الراعي والرعية بما يكفل الحقوق والواجبات، وينمّي الولاء والإخلاص"، في وقت يمر فيه المجتمع السعودي بحالة احتقان كبيرة؛ على خلفية اعتقالات شنّتها السلطات الحكومية بإشراف لجنة مكافة الفساد، التي يترأسها ولي العهد، وأدت إلى سجن أكثر من 200 عالم دين ومفكّر وفنان ومسؤول سعودي ورجل أعمال، ويرى مراقبون أن بن سلمان يعتبر هؤلاء المعتقلين عائقاً أمام تطلعاته، وقد يثيرون الرأي العام عند توليه العرش بعد تنحّي والده.

اقرأ أيضاً :

هل يحاول بن سلمان نزع السعودية من سلفيتها؟

وتعتبر وزارة التعليم المناهج الدراسية طوال العقود الماضية كانت تنص على أن الممكلة هي من تقوم بـ "حراسة مقدسات الإسلام وحفاظها على مهبط الوحي، واتخاذها الإسلام عقيدة وعبادة وشريعة، ودستور حياة، واستشعار مسؤولياتها العظيمة في قيادة البشرية بالإسلام وهدايتها إلى الخير"، وهو ما يعتبر مناقضاً للواقع، وسط موجهة شرسة من التراشق الإعلامي بين الليبراليين السعوديين الداعين للتطبيع مع دولة الاحتلال واعتبار القدس عاصمة لها من جهة، وتيارات دينية وشبابية وقبلية من جهة أخرى؛ تدعو إلى التمسّك بالقدس باعتبارها عاصمة أبدية لفلسطين.

وتمثل شريحة المفكّرين وعلماء الدين والدعاة السعوديين، التي زجّ بها بن سلمان في المعتقلات والسجون، منها الشيخ سلمان العودة، وعلي العمري، وعوض القرني، ومحمد موسى الشريف، الشريحة المعتدلة في طروحاتهم الدينية في المملكة، ولها قبول واسع في أوساط الشباب السعودي خصوصاً، والعربي والإسلامي عموماً، وتدعو صراحة إلى مقاطعة دولة الاحتلال ومواجهة من يدعو إلى التطبيع معها.

وفي المقابل، أطلقت السلطات السعودية العنان لدعاة التطبيع السعودي - الإسرائيلي من كُتاب ومفكّرين ليبراليين، ولم تتعرّض قوات الأمن لأيٍّ منهم، رغم دعواتهم المستمرة بشكل علني من خلال وسائل إعلامية وبرامج تلفزيونية وكتابات في مواقع وصحف حكومية إلى التطبيع مع دولة الاحتلال، وانتقادهم المستمرّ للشعب الفلسطيني عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يناقض النهج الذي تبنّته المملكة سابقاً وموقفها من الشعب والقضية الفلسطينية.

ومنذ تولي بن سلمان ولاية العهد، وفتحه أكثر من جبهة داخلية وخارجية، ومحاربته للحركات والجماعات الإسلامية السنية التي تجتمع مع السعودية بمشتركات كثيرة، يبدو أن الرياض ذهبت بعيداً عن تطلعات الشعب السعودي وحاضنتها الإسلامية داخلياً وخارجياً، بينما تُثير تساؤلات المراقب للشأن السعودي، بأن "حداثة" بن سلمان ربما تكون رصاصة الرحمة التي يطلقها على قيم ومبادئ المجتمع السعودي، وقد تقوده إلى صراعات وفوضى داخلية أسوة بجيرانه.

مكة المكرمة