ماذا عن الطفولة؟ 3 إضاءات نفسية حول "ذا فويس كيدز"

أسئلة نفسية كثيرة تثيرها مشاركة الأطفال في برنامج منافسة غير صحي

أسئلة نفسية كثيرة تثيرها مشاركة الأطفال في برنامج منافسة غير صحي

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 19-02-2016 الساعة 17:25
مي خلف


يستمتع الجمهور العربي هذه الأيام بمتابعة برنامج المواهب العالمي "ذا فويس كيدز" بنسخته العربية، الذي يبرز عشرات المواهب الفنية المدفونة في العالم العربي؛ عن طريق مسابقة غنائية سيتوج في نهايتها فائز واحد فقط.

وسينتهي البرنامج بعد أن ترك وراءه عشرات الأطفال مكسوري الخاطر يحاولون التأقلم نفسياً مع خسارتهم، وفائز واحد كبر قبل أوانه ليواجه واقعاً جديداً لم يكن بالضرورة هو من اختاره.

فائزاً كان أو خاسراً، يقف الطفل في "ذا فويس" أمام تجربة أكبر من أن يدركها، وتحملُ أثراً أعمق ممّا يمكن لنا أن نتصور نحن الكبار؛ وذلك نظراً لعدم اكتمال تطور شخصيته بجميع مكوناتها العاطفية والنفسية، ووجوده في مرحلة تكوين تصوراته الذهنية ومفاهيمه عن العالم والمحيط بناءً على تجربته الخاصة خلال هذه الفترة.

بينما يُدهش المشاهد العادي من المواهب الاستثنائية والذوق الراقي غير المتوقع من الأطفال المشاركين، تترك الحلقة المشاهدين من المتخصصين النفسيين أمام عشرات التساؤلات حول أبعاد التجربة وآثارها النفسية العميقة السلبية على الطفل وتكوينه النفسي، وعلى الرغم من أنه ليس ثمة دراسات علمية بعد عن أثر هذا النوع من المنافسات التي يخوضها الأطفال، فإن "الخليج أونلاين" وقف عند عدد من الإضاءات التي لا بد منها عند الحديث عن البعد النفسي لهذه التجربة.

أولاً: تجربة الطفل في برنامج يشاهده ملايين الناس أسبوعياً في شتى أنحاء العالم يعد عبئاً كبيراً، ومسؤولية لا يتوقع من طفل يتراوح عمره بين 7-15 أن يكون قادراً على حملها، وفي هذا السياق تقول المتخصصة النفسية الفلسطينية نور عابد، لـ"الخليج أونلاين": "إن قرار الاشتراك في البرنامج من البداية يعود للأهل، ويخدم رغباتهم وليس بالضرورة أن يخدم الطفل نفسه".

وتتابع: "حتى وإن اعتبرنا أن الطفل موافق ويرغب في المشاركة فلا يمكن أن نحمّل هذه الموافقة أي معنى؛ نظراً لأن الطفل لا يملك القدرة ولا الإمكانية لتقييم التجربة وأبعادها بشكل عقلاني قبل اتخاذ قرار القبول أو الرفض"، فالطفل في هذه المرحلة العمرية يكون أشبه بالمجبر دون أن يعي؛ نظراً لرغبته الدائمة بكسب رضا أهله والتصرف وفق توقعاتهم.

ثانياً: بالحديث عن فكرة البرنامج الأساسية؛ وهي "التنافس" على الفوز بلقب ما، فهي فكرة تبدو في ظاهرها محفزة ليطوّر الطفل موهبته، ويعطي أفضل ما عنده، وينمّي قدراته، ليكون مستحقاً للفوز برضا الحكّام (المثل العليا في البرنامج) والجمهور المليوني المتفرج، الذي يضم الأقارب والأصدقاء والزملاء والمحيط المباشر للطفل.

إلا أن هدف "التنافس" بالشكل الذي يعرضه البرنامج لا يتحقق؛ فبحسب عابد، "أثبتت الدراسات أن التنافس، ومقارنة الشخص بغيره، لا يخدم العملية التعليمية"؛ فالتنافس الصحي هو التنافس بين الطفل ونفسه لقياس تطوره بين نقاط زمنية مختلفة؛ أي إن ما يهم في التنافس هو التغذية الراجعة والملاحظات التي تقدم للطفل ليطور قدراته، وليس مقارنته بالآخرين.

وفي سياق الحديث عن المنافسة غير الصحية في برنامج "ذا فويس كيدز"، علّقت الفنانة الفلسطينية دلال أبو آمنة، المتخصصة في علوم الدماغ، عبر حسابها في فيسبوك قائلة: إن "المنافسة هي أمر صحي لأطفالنا عندما تُؤخذ بمنظورها الصحيح وحجمها المعقول. المنافسة الصحية التي تكون بوجود بيئة داعمة، تحفز الأطفال على تقديم أفضل ما عندهم، وعلى تقبل الخسارة دون فقدان الثقة بأنفسهم".

وتستدرك: "لكن عندما تكون المنافسة غير صحية، وتحمل الطفل ما لا طاقة له به، وتجعله يتنافس لا من أجل تطوير موهبته إنما من أجل نيل إعجاب الجمهور، أو من أجل تحقيق مكسب لبلده، فإن أضرارها على نفسية الطفل أكثر بكثير من منافعها، ولا سيما عندما تكون بهذه التغطية الإعلامية الهائلة".

حول رأيي ببرنامج The Voice Kids: المنافسة هي امر صحي لأطفالنا عندما تؤخذ بمنظورها الصحيح وحجمها المعقول. المنافسه الصحي...

‎Posted by Dalal Abu Amneh on‎ 13 فبراير، 2016

ثالثاً: يفرض الواقع العربي الحالي تجارب ليست معتادة على الأطفال في ظل النزاعات وعدم الاستقرار، تضع أمامهم كثيراً من التحديات اليومية التي قد تخيب آمالهم بشكل متكرر، لذلك فإن إضافة احتمال جديد لخيبة كبيرة إلى حياة الطفل من شأنها أن تؤثر سلباً في نظرته للشخصيات والمثل العليا التي يرى فيها الطفل أمانه وحمايته من كل أذى وخيبة، وهم بطبيعة الحال الأب والأم.

وهنا تذكر عابد مثالاً على موقف في برنامج تنافس غنائي شبيه، انهارت فيه طفلة بسبب خسارتها بمراحل متقدمة من المنافسة، وتوجهت بكلمة تلوم فيها والدتها التي وعدتها بأنها ستفوز في المنافسة. هذا المثال يدل على أن الطفل في هذه المراحل العمرية يعتقد أن أهله هم مصدر الأمان والقوة، وأي كلمة منهم هي عبارة عن وعد لا بد من أن يتحقق.

بالنظر إلى قائمة فريق العمل في برنامج "ذا فويس كيدز" وجدنا أسماء لعدد من المتخصصين النفسيين الذين يشاركون على ما يبدو في متابعة الأطفال نفسياً خلال البرنامج.

ليس من الواضح ما هو الدور الذي يقوم به المتخصصون، إلا أن دورهم -بحسب عابد- مهما كان فهو مؤقت لن يمتد إلى خارج الاستوديو، أو إلى ما بعد انتهاء وقت البرنامج، وهذا الوجود المؤقت والعلاج اللحظي للانفعالات خلال المنافسة يتجاهل عاملاً أساسياً في العلاج والإرشاد النفسي؛ وهو مرحلة "الإعدادات"، التي تعني ضرورة وجود وقت ومكان ثابتين يلتقي فيهما المتخصص والطفل من أجل تكوين علاقة طويلة الأمد تخدم العلاج. على ما يبدو أن الهدف من الفريق النفسي في البرنامج هو إرشاد الفريق والحكّام حول طريقة الكلام والتعامل مع الأطفال وانفعالاتهم الآنية، ضمن الإطار الزماني والمكاني للبرنامج.

مكة المكرمة