مظاهر العصرية .. حين تغزو موسم الحج

التقنية المتطورة حاضرة بقوة في موسم الحج

التقنية المتطورة حاضرة بقوة في موسم الحج

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 08-10-2014 الساعة 13:26
إسطنبول - أماني السنوار – الخليج أونلاين


قد يغدو غريباً على أسماع كثير منا كيف كان المسلمون قديماً يقطعون مسافة أسابيع وأحياناً أشهراً قاصدين بيت الله الحرام لأداء مناسك الحج، مع ما في رحلتهم من مشقة ومخاطر، فالحج هذه الأيام غدا أسهل من ناحية يُسر وصول الحجاج إلى المشاعر المقدسة عبر الجو، إلى جانب التسهيلات الكبيرة التي تقدّمها السلطات السعودية لضيوف الرحمن على اختلاف طبيعة هذه التسهيلات وأنواعها، إلى درجة تصل حدّ الرفاهية، الأمر الذي يرى فيه البعض أنه يفرغ فريضة الحج من مضمونها، وينزعها عن مقاصدها الدينية.

فقد أعلنت وزارة الحرس الوطني السعودية مع بدء موسم الحج المنصرم أنها ستشرف على استكمال مشروع توزيع الجمرات "المغلفة والمعقمة" على الحجيج، وهو المشروع الذي افتتحته تجريبياً في موسم حج عام 2009، وتعمل من حينها على توسيعه تدريجياً ليطال فئات أوسع من الحجاج.

لجنة السقاية والرفادة التابعة للوزارة، أوضحت أن توزيع حجارة الرمي "معقمة وجاهزة داخل أكياس فاخرة مصنوعة من القطيفة"، يهدف إلى التخفيف عن الحجاج مشقّة البحث عن الحجارة، إذ يصلون إلى مزدلفة وقد أخذ بهم التعب مأخذه بعد الوقوف في جبل عرفات والنفور منه، مشيرةً إلى أن كل كيس يوزّع على أعضاء حملات الحج الميسَّر يحتوي على حجارة الرمي الكافية لثلاثة حجاج من أجل رمي الجمرات الثلاث.

ومع أن شريعة رمي الجمرات قد أباح فيها الاسلام التسهيل على النساء وكبار السن والمرضى، فيرمي عنهم أقاربهم أو مرافقوهم، إلاّ أن توزيع حجارة الرمي على الحجاج لا يستهدف الضعاف وغير القادرين منهم، إنما يأتي ضمن "خدمات الرفاهية" المقدّمة لحجاج الدرجة الأولى، أو ما يُسمى رحلات حج "خمسة نجوم".

حملات الحج ذاتها، والتي تنظمها شركات السياحة الخاصة داخل المملكة، قد تصل تكلفة الحج فيها للشخص الواحد إلى نحو مئة ألف ريال سعودي، بحيث توفّر للحجيج أماكن إقامة في أبراج فندقية مميزة ومطلة على الحرم الشريف، ويُتاح للحاج بأن يختار طبيعة وتصميم الأثاث الذي يرغبه داخل الغرفة باستخدامه لبرنامج التصميم الشهير "أوتوكاد"، كما تكون الغرف مزوّدة بحمامات "ساونا" و"جاكوزي" خاصة، أما في مشعر منى فيتم إسكان المستفيدين من هذه الرحلات في مواقع خاصة ومنفصلة عن الخيام المشتركة لباقي الحجيج.

ولعل الحملات الدعائية التي تنتهجها هذه الشركات لتسويق خدماتها تنبئ بأساس الخلل، حيث ترفع شعارات مثل "حج الـ VIP" أو حج خمسة نجوم، وهو الأمر الذي حاولت السلطات الرسمية محاربته عبر إعلانها النية بمعاقبة جميع الشركات التي تصدّر نوعاً كهذا من الإعلانات، والتي تصور فيها الحج كرحلة سياحية وتفرغه من مضمونه، وذلك وفقاً لما أعلنه اللواء خالد القحطاني قائد قوات أمن الطرق.

وإن كانت المشاهد السابقة قد توقع الإنسان في الحيرة ما بين الاستغلال المحمود لوسائل التكنولوجيا وتوافر السّعة المادية للحاج والدولة المضيفة له من جهة، وما بين جوهر عبادة الحج التي تنبني على أسس من المساواة والزهد والتجرّد من متع الدنيا والانقطاع عن كل شيء إلا التذلل لله والتقرب إليه من جهة أخرى. إلا أن مشاهد أخرى لم تتعلق بالتمييز بين الحجاج على أساس مادي رصدها الناس في موسم الحج المنصرم وتناولوها بين الانتقاد والتندّر.

فقد امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بصور التقطها الحجاج لأنفسهم خلال أداء المناسك المقدّسة من طواف ووقوف بعرفة ورمي للجمرات، ولم يسلم موسم الحج من صرعة التصوير الذاتي "سيلفي"، التي تغزو اليوم المجتمعات النشطة إلكترونياً في الشرق والغرب، فصار من الاعتيادي أن تطالع صور أصدقائك عبر "فيسبوك" في وضعيات "سيلفي" متجددة من أمام الكعبة ومن على جبل الرحمة أو خلال رمي الجمرات.

الظاهرة أثارت حفيظة عدد من رجال الدين والمحافظين، بدعوى أنها قد تصيب الإنسان بالرياء، أو تشتت الحاج عن الانشغال بعبادته خلال أيام معدودة وفي أكثر أماكن الله قداسة، لكنّ آخرين دافعوا عن هذه الظاهرة بكونها سلوكاً اعتاده الناس في غير الحج، وفرصة لمشاركة الأصدقاء والأهل مشاعر الحج وخطواته وتحفيزهم لعيش التجربة الإيمانية، مفرّقين بين من يلتقط صوراً لتخليد ذكرى ومناسبة الحج ويشاركها مع الأصدقاء، وبين من يستغرق قسطاً كبيراً من وقته في تعقّب وسائل التواصل الاجتماعي والدردشة مع الأصدقاء.

مكة المكرمة