مغتربون عرب يتغنّون بالغربة ويروون فوائدها ومحاذيرها

ما يتعلمه الإنسان في الغربة لن يجده في بلده

ما يتعلمه الإنسان في الغربة لن يجده في بلده

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 13-03-2017 الساعة 14:24
هناء الكحلوت - الخليج أونلاين


لا تبدو الأغنية الفلكلورية الفلسطينية "يا ظريف الطول"، التي تحكي آلام الغربة، قد نجحت في ثني من يرغب بترك بلاده مهاجراً، عبر كلماتها التي تناقلتها الأجيال، بعدما غصّت البلدان العربية بمآسٍ وصعوبات بات خيار الهجرة حلاً وحيداً للخلاص منها.

"يا ظريف الطول"، ولتأثير كلماتها عبر الأجيال، بقيت تلاحق من همّ بالرحيل، قائلةً: "يا ظريف الطول وقّف تقلّك، رايح عالغربة وبلادك أحسنلك.. خايف يا ظريف تروح وتتملك، وتعاشر الغير وتنساني أنا".

غنّاها أكثر من فنان بألحان متعددة، وبالوقت الذي يتغنّون بها ويرفضون الغربة، يسرد آخرون أدب الرحلات الذي ثمّن السفر وشجّع عليه، حين قال:

سفر الفتى لمناطق وديار

وتجوّل في سائر الأمصار

علم ومعرفة وفهم واسع

وتجارب ورواية الأخبار

ويرون أن الإنسان بانتقاله يجد فرصاً جديدة له.

الإمام الرحالة الشافعي، ذكر أيضاً فوائد السفر، قائلاً:

تغرّب عن الأوطان في طلب العُلا

وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفرج هم واكتساب معيشة

وعلم وآداب وصحبة ماجد

كما قال:

سافر تجد عوضاً عمّن تفارقه

وانصب فإن لذيذ العيش في النصب

بالفترة الأخيرة اضطرّ العديد من الناس لترك بلدانهم والتغرّب في دول عربية وأجنبية لعدة أسباب؛ أبرزها الحروب، والعمل، والدراسة. كما أن هناك من أحب روح المغامرة والاكتشاف، وخاض تجارب عديدة في الغربة، وتعلّم من الإبحار في ثقافات الشعوب.

حقائق جديدة عن هجرة العرب

وكشفت نتائج "المؤشر العربي" للعام 2016، أن قرابة ربع مواطني المنطقة العربية (24%) يرغبون في الهجرة؛ والدافع الأساسي في ذلك هو تحسين الوضع الاقتصادي.

وتم الإعلان، الاثنين (12 مارس/آذار) عن نتائج استطلاع المؤشر العربي، الذي يقوم عليه "المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات" (مستقل مقره الدوحة)، وشمل عينة من 18 ألفاً و311 شخصاً، من 12 بلداً عربياً.

اقرأ أيضاً :

أطفال ومراهقون مهووسون بالسرقة.. ما دوافعهم؟

هناك الكثير من التجارب والقصص التي يرويها مغتربون عن بلدانهم، يكشفون فيها عصارة غربتهم.

السورية إيمان جاموس (30 عاماً)، ولدت بالسعودية، ثم سافرت إلى سوريا، وتركيا، وهي الآن تدرس في ألمانيا، تقول: "أكثر شيء تعلمته أنك لن تكون منتمياً لوطن لو نشأت في غربة؛ لأنه حتى وإن عدت إلى بلدك فسيعاملونك كغريب".

وبعد تجربتها في الغربة، تقول جاموس لـ "الخليج أونلاين": "عليك أن تحاول أن ترتبط بالمكان الذي فُرض عليك العيش فيه، وأن تتعامل معه كوطنك"، مؤكدة أن "الحياة في أكثر من بلد تعلّمك الكثير".

ولدت جاموس في الغربة، وعاشت متنقّلة مع عائلتها من بلد لآخر؛ بحكم أن والدها مطلوب أمنياً للنظام السوري، ولأن العائلة اختارت أن تعيش الاغتراب بدلاً من أن تتحول لأرقام في السجون.

واتخذت من الغربة معارف جعلت خطاها أقوى، تقول جاموس: "تعلمت أن الحياة تعلّمنا ما نريد، وأن العلاقات مع الناس شيء مهم، لكن الأهم هو علاقتي مع عائلتي، وألا أخسرها مهما خسرت من الأشياء حولي. وأنه في الغربة لا يوجد واسطة، فأنا شخص أحدد مكاني دون الاعتماد على عائلة أو اسم، كما تعلمت أنه إذا لم يكن لدي قيم قوية أرتكز عليها فسوف تسيّرني الحياة كما تريد دون أو أصل إلى شيء، وأن العلم لا عمر له، وأن الأفكار تتغير كل يوم بناء على الثقافة والمعرفة التي نكتسبها".

وأكدت لـ "الخليج أونلاين" أن المهم جداً في الغربة "ألا تعادي أحداً بإفراط، فأنت لا تعرف متى ستدور الدنيا وستجده أمامك".

وبالنسبة إلى الفقد، تعتبر جاموس أنها باتت تستطيع التأقلم مع المتغيرات أسرع من غيرها، وأصبح الفقد عندها سهلاً، بحيث تحزن لو خسرت، لكنها لا تنهار. وتقول: "لا مشكلة لدي بالانتقال وحدي، ومواجهة المشاكل وحدي، وأن أكون بمكان جديد ولا أعرف لغته".

اقرأ أيضاً :

عصر الموضة الإسلامية.. "الاحتشام" يجتاح دور أزياء عالمية

أحمد العتيبي، فلسطيني أردني الجنسية (26 عاماً)، ويحمل جنسية أجنبية، تغرّب بين عدة دول؛ منها: الكويت، والأردن، وبريطانيا، والسعودية، للعمل والدراسة، يقول: "كان قرار الغربة ليس بالسهل، لكن بطبيعتي أحب المغامرة وتجربة أماكن جديدة".

ويضيف العتيبي لـ "الخليج أونلاين": "غربتي بلا شك كان أثرها الإيجابي طاغياً بمراحل على الأثر السلبي، حيث ارتفع لدي المستوى الفكري والثقافي، وزادت النشاطات التطوعية التي غيّرت جداً في شخصيتي".

وأشار إلى الصحبة التي كوّنها وأثرها الكبير فيه ومساندتها في غربته.

وعن تجربته في بريطانيا، قال العتيبي: "كان هناك انفتاح على الثقافات الغربية بصورة أكبر، وتغيير في طريقة التعامل مع المخالف، استفدت جداً في هذه السنة". وتابع: "غربة العمل أصعب، وفيها تقييد للحرية، لكن في النهاية السبب معروف وهو تحصيل المال، وأخذ تجربة جديدة عن بلد جديد".

كما استفاد من غربته بتعلّم التحلّي بالصبر، وتعلّم أن الوحدة قد تكون إيجابية، ويمكن أن تتحسّن دائرة الأصدقاء في الغربة، وأن تعتمد على نفسك بشكل أكبر، وتقوّي شخصيتك، وتتعامل مع المواقف بشكل سليم، على حد وصفه.

ومن سلبيات الغربة، وفق ما يقول العتيبي لـ "الخليج أونلاين": "التقصير في حق الوالدين، والالتزام في وظيفة؛ فهو يقيّد الحرية، وعدم وجود صحبة صالحة دائماً، والوحدة السلبية أحياناً".

اقرأ أيضاً :

الطفل أكبر ضحايا "إرهاب" الإنترنت.. كيف يُستدرَج؟

الأردنية مروة صلاح (30 عاماً)، تنقّلت بين مصر وتركيا ولندن والإمارات للدراسة والعمل، تعلّمت الكثير من الأشياء، وتقول: "أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً، شخصيتي، استقلاليتي، اعتمادي على نفسي أكثر، حتى علاقتي بالله أصبحت أقوى، كما أن طريقة تفكيري بالأمور أضحت بميزان مختلف".

وتضيف صلاح لـ "الخليج أونلاين": "زاد حبي للحياة، وطموحاتي كبرت معي، ومن الناحية النفسية صرت أقوى".

وعلى الصعيد الاجتماعي اعتادت صلاح على عادات وثقافات جديدة، وشعرت أنها سفيرة لنفسها لتقنع الناس بمبادئها ودينها وأخلاقها، خصوصاً في لندن، وفق قولها.

أما عبد الرزاق جانم (28 عاماً)، فتنقّل بالعيش ما بين السعودية والأردن للعمل والدراسة، قال: "من تجربتي لاحظت في الغربة أن هناك الكثيرين لا يريدون إلا مصلحتهم، وهناك من يريد المساعدة لكنه يخاف، فالغربة عقيدة الخوف (الحيط الحيط ويا رب السترة)".

وأضاف جانم لـ "الخليج أونلاين": "حاولت أن أحافظ على شخصيتي ومجموعة معتقدات وفلسفات فكرية لدي بحيث لا تتغير مع ظروف الحياة، واحتجت أن أتصرف مع الناس بتسلّط، لكني لم ما أعرف، ولم أستطع أن أُسيّر أمور عملي؛ بسبب هذا الأمر".

ويرى أن "المغترب إنسان حذر، ولا يثق بأحد؛ لأنه يتعلم من التجربة أنه حتى ابن بلده سيطوله منه سوء. فالكل موجود ليركض خلف هدف وجوده، فالذي قدم للعمل ولجني المال سيسعى لذلك بكل قوته. هناك استغلال في التعامل".

اقرأ أيضاً :

خطوات سعودية لرصد الأمراض النفسية.. هذه طرق القضاء عليها

إيمان الرنتيسي (29 عاماً)، فلسطينية تنقلت ما بين فلسطين والأردن وتركيا، عاشت تجربة مختلفة مع أولادها الاثنين، وقالت: "في بداية غربتي بالأردن كان هناك القليل من العلاقات الاجتماعية، وكل وقتي لعائلتي، وكنت أصبّ اهتمامي لتعليم أطفالي وتثقيف نفسي، والعمل على تطويرها في المنزل".

وتابعت الرنتيسي لـ "الخليج أونلاين": "حين انتقلت للعيش في تركيا بدأت بتعلّم اللغة التركية، والاهتمام بأطفالي وتنمية مهاراتهم، مع إضافة اللغة التركية لهم، والاعتماد الكامل على نفسي في كل مكان وفي كل أمر، وأصبح لدي الجرأة لخوض أي تجربة جديدة، فليس هناك سيف المجتمع لتثبيط عزيمتي، فالغربة شكّلت نفسيتي وشخصيتي بإضافة بعض الصفات لها لم أكن أظهرها في المجتمع الأردني".

مكة المكرمة