"موائد الرحمن".. سُفرة طويلة تجمع المسلمين حول العالم

موائد الرحمن في تركيا ومصر

موائد الرحمن في تركيا ومصر

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 25-05-2018 الساعة 23:38
أحمد علي حسن – الخليج أونلاين


على سُفرة واحدة يحيط بها أطياف المجتمع الواحد، تجتمع صنوف الطعام والشراب المختلفة، في تقليد تاريخي شهير يُدعى "موائد الرحمن".

هذه الموائد، مجمع المسلمين في بلدان العالم المختلفة، نجحت خلال الشهر الفضيل، في توحيد الفقراء والأغنياء في واحد من أجمل طقوس رمضان.

ومع الوقت أصبحت مائدة الرحمن أحد الطقوس الرمضانية لكل المقتدرين من طبقات الشعب، فهناك من السياسيين والفنانين والتجار ورجال الأعمال من اشتهرت موائدهم وأصبحت علامة مميزة للشهر الكريم.

- متى بدأت؟ ومن أين جاءت؟

في البحث عن فكرة موائد الرحمن، وُجد أنها ليست جديدة؛ بل إنها تعود إلى العصر العثماني (1299-1920)، لكنها كانت تسمى آنذاك الموائد السلطانية، وتغيرت لاحقاً إلى الموائد الملكية.

ومع بداية القرن الماضي، اختفى هذا التقليد مع انهيار الدولة العثمانية، لكن موائد الرحمن عاودت الظهور مجدداً في سبعينياته، وأخذت في الانتشار إلى يومنا مع إدخال بعض التقاليد الجديدة.

وتؤكد روايات أخرى أن الأمير أحمد بن طولون، مؤسس الدولة الطولونية (868-904م)، هو أول من أقام موائد الرحمن؛ إذ دعا إليها الأعيان وكبار رجال الدولة، وصاحَبهم عدد كبير من فقراء مصر.

في ذلك الوقت، أعلن بن طولون استمرارها طوال شهر رمضان، لتستقبل الفقراء والمساكين وعابري السبيل، كما أنه حثّ الأعيان والأغنياء على الاقتداء به لتصبح موائد الرحمن مَعلماً رمضانياً.

وكان الخليفة المعز لدين الله الفاطمي أول من وضع تقليد الإكثار من المآدب الخيرية في عهد الدولة الفاطمية، وهو أول من أقام مائدة في الشهر الكريم، ليفطر عليها رواد مسجد عمرو بن العاص؛ إذ كان يخرج من قصره 1100 قدر تُوزع على الفقراء.

وفي العصر الفاطمي، كانت تمتد آلاف الموائد المليئة بأطيب الطعام للصائمين غير المقتدرين، ولعابري السبيل، كما اهتم الخليفة العزيز بالله، ومِن بعده المستنصر بالله بموائد الإفطار التي كانت تقام في قصر الذهب للأمراء ورجال الدولة.

في المقابل، بنى الخليفة الفاطمي العزيز بالله داراً سُميت دار الفطرة خارج قصر الخلافة بالقاهرة؛ لصناعة ما يُحمل إلى الناس في العيد من حلوى، وكان يبدأ العمل فيها من أول رجب، ويستمر لآخر رمضان.

- موائد مصر

مع اقتراب شهر رمضان، تشهد محافظات مصر انتشار موائد الرحمن، التي يقوم عليها أهل الخير أو رجال أعمال أو جمعيات أهلية، ومنها ما يقام بشكل دوري.

وفي مصر 8 مناطق شهيرة بموائد الرحمن، وهي: كورنيش "بولاق أبو العلا" في القاهرة، وشارع "26 يوليو" بالزمالك، وتقاطع الأزهر مع بورسعيد في قلب العاصمة المصرية.

وكذلك، تعج بالموائد ميادين المنشية في الإسكندرية، و"ليلة القدر" بمدينة 6 أكتوبر، و"الدّقي" الذي يستهدف الطلبة المغتربين، وميدان عرابي في الزقازيق.

لكن منذ العام الماضي، وضعت السلطات المصرية عدة ضوابط قانونية تنظم هذا العمل؛ ومنها: ألا تشغل الطريق العام أو تعطل حركة المرور ولا تخرج عن الرصيف؛ بل يُفضل إنشاؤها فى الملكيات الخاصة.

كما يمكن إنشاؤها في ساحات عامة أو بجوار دور المناسبات أو المساجد، بعد الحصول على تصاريح من مباحث إشغال الطرق وموافقات أمنية، فضلاً عن عدم إقامتها أمام منشأة حكومية، مع وجوب توافر شروط الأمان.

5-Egypt

- موائد الأردن

وقبيل أيامٍ على انطلاق شهر رمضان المبارك، تبدأ معظم الشركات والمؤسسات الكبرى بالتجهيز لمبادرات "موائد الرحمن" في مختلف محافظات المملكة خلال الشهر الفضيل.

ومنذ ساعات الصباح الأولى، تعج "موائد الرحمن" بالعاملين والمتطوعين، لكلٍّ مسؤوليته من الطبخ إلى التعبئة والفرز. وقبل موعد الإفطار، يبدأ الناس بالتوافد فتجد الشيوخ والشباب والأطفال المتسولين والعمال.

وتحتوي الوجبة في موائد الرحمن بالأردن، عادة، على ربع دجاجة، ورغيف خبز بحجم كبير، وطبق أرز وكوب مياه، إضافة إلى علبة لبن وفاكهة (تفاح وبرتقال وموز)، وقطعة من الحلويات، وعلبة مشروبات غازية.

1 mawaed Rahman

- موائد سوريا

للسوريين في شهر رمضان طقوس وتقاليد كثيرة؛ بعضها اندثرت تحت أنقاض المدن التي دمرها نظام بشار الأسد، لكن موائد الرحمن بقيت حاضرة رغم الحرب المستمرة منذ 7 سنوات.

وتقام هذه الموائد في أحياء المدن السورية وتكون ملاذاً لأهالي الحي الواحد كافة، وأحياناً لأهالي الأحياء الأخرى، حيث يجتمع السوريون بمختلف مستوياتهم المادية ويجلسون على طاولة واحدة.

وتشتهر بعض المدن السورية بمثل هذه الفعالية، حيث تحضر بلذة طعامها وطبخات نسائها، التي غزت مطابخ أشهر المطاعم في العالَمين العربي والغربي، وتُصبغ موائدهم بصبغة التكافل الاجتماعي.

وعلى الرغم من استمرار الحرب في سوريا، فإن موائد الرحمن والخيمات الرمضانية التي تطعم العشرات من أهالي الأحياء والمدن المختلفة ظلت تفتح أبوابها يومياً لاستقبال كل من يقصدها.

19581467066_2319d24fa2_o

- موائد مكة والمدينة

يأتي الحَرمَان، المكي والمدني، على رأس القائمة في هذا المضمار؛ إذ يوجد بهما أكبر مائدتين لتفطير الصائمين بالعالم، وهما يستقبلان مئات الآلاف من الصائمين في رحاب بيت الله ومسجد رسوله، معتمرين كانوا أو زواراً أو عاملين.

ففي المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة، تمتد أكبر مائدة إفطار في العالم، بعد مائدة المسجد الحرام، وهي مائدة يتهيؤ القائمون عليها منذ شهري رجب وشعبان.

ومن بعد صلاة العصر تُفرش الموائد داخل المسجد النبوي، ويتسابق القائمون على هذه الموائد في جذب الصائمين للإفطار على موائدهم العامرة بالتمر والشريك واللبن.

وقد شهدت السنوات الماضية تغيرات بنيوية في موائد إفطار الحرم المدني، فلم يعد الأمر محصوراً بالعوائل؛ بل أصبح العديد من الجاليات المقيمة بالمدينة المنورة تتشارك في إقامة موائد الإفطار.

وتحمل مكونات موائد الإفطار أفضل أنواع التمور للصائمين، إضافة إلى ماء زمزم والقهوة العربية، ولبن الزبادي، والخبز المدني المميز، المعروف باسم "الشريك"، فضلاً عن "الدَّقة" المدنية المعروفة.

download

- موائد تركيا

تنتشر موائد الرحمن في أرجاء إسطنبول، مقر الخلافة الإسلامية؛ احتفاءً بقدوم "سلطان الشهور"، حيث يرتبط رمضان في تركيا بمظاهر الفرح والبهجة، وهو ما يعكس علاقة الأتراك بهذا الشهر الكريم.

وجرت العادة أن تطلق مدافع الإفطار طلقات نارية قبل أذان المغرب، وتقام موائد الرحمن للفقراء والمحتاجين يومياً في الساحات والأماكن العامة، بالتعاون مع أهل الخير والجمعيات الخيرية، وتكون مفتوحة أمام الجميع.

وينقسم الأتراك إلى فريقين عند الإفطار؛ الأول يتناول التمر وقليلاً من الطعام ويكمل إفطاره عقب صلاة المغرب، في حين يتناول أغلبهم الإفطار قبل أداء صلاة المغرب.

وتضم مائدة الإفطار التمر والزيتون والجبن، إضافة إلى الحساء التركي الذي يعد الطبق الأهم على مائدة الأفطار، كما تعد "كفتة داود باشا" وخبز "البيدا" من مكونات المائدة الرئيسية في هذا الشهر.

358801

مكة المكرمة