• العبارة بالضبط

في ذكرى النكبة.. الاحتلال يخسر الحرب الديموغرافية في القدس

في الذكرى الـ 67 لنكبة الشعب الفلسطيني وإقامة دولة الاحتلال الإسرائيلي على أنقاضه، تقود دولة الاحتلال حرباً ديموغرافية، التي يبدو أنه على المدى البعيد لن يكون الاحتلال فيها رابحاً، تحديداً في خط الصراع الرئيسي وهو مدينة القدس المحتلة، إذ يتوقع أن يتمركز الإسرائيليون حول تل أبيب تاركين القدس مدينة "أشباح".

وعليه، فإن خوض هذه الحرب، الخفية إلى حد ما، بالنسبة للإسرائيليين لا يقل أهمية عن نظيرتها المسلحة؛ إذ إن كلتيهما معارك بقاء، وخسارة أي منهما تعني نهاية السيطرة الإسرائيلية على أرض فلسطين.

في دراسة خاصة قام بها "الخليج أونلاين" لتقارير رسمية متعددة وحديثة صادرة عن دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية عام 2014، تم استخلاص معطيات وأرقام تشير إلى أن كفة الميزان الديموغرافي سترجح لصالح الفلسطينيين في المناطق المحتلة، وفي مدينة القدس خاصة.

ذلك الأمر اعتماداً على مؤشرين؛ الأول هو نسبة الزيادة الطبيعية (ولادات مقابل وفيّات) للمجتمع الفلسطيني في القدس والداخل المحتل، والتي يتضح أنها أكبر من نظيرتها في الوسط اليهودي، والمؤشر الثاني هو استمرار الهجرة الداخلية للإسرائيليين من القدس التي تزداد كل عام.

تأكيداً لما سبق، يذكر البيان الإعلامي لدائرة الإحصاء الذي صدر أواخر سبتمبر/ أيلول 2014، أن نسبة الزيادة الطبيعية في المجتمع الفلسطيني بالداخل المحتل ومدينة القدس عام 2013، كانت 2.2 بالمئة، في حين أن النسبة في المجتمع الإسرائيلي كانت 1.7 بالمئة فقط.

وبالأرقام، بلغ عدد الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني والقدس، حتى إصدار التقرير، مليوناً و730 ألف فلسطيني، يعيش منهم وبما يقارب الـ 320 ألفاً في القدس المحتلة.

وإذا تطرقنا للقدس تحديداً، نجد أن نسبة الفلسطينيين وصلت بداية العام الحالي إلى ما يقارب الـ 40 بالمئة من مجمل سكّان المدينة، وأن نسبة الزيادة الطبيعية في المجتمع المقدسي أواخر عام 2013 كانت قد وصلت إلى 2.5 بالمئة مقابل 2 بالمئة عند الإسرائيليين في القدس، وما يؤكد ذلك هي التقارير التي تشير إلى أن معدل الولادات للمرأة الفلسطينية يصل تقريباً إلى 3.35، مقابل 3.05 ولادة في الوسط الإسرائيلي.

تدل هذه الأرقام على أن نسبة الفلسطينيين في القدس من المفترض أن ترتفع خلال السنوات القادمة إذا ما بقيت الوتيرة على حالها، وإذا لم تحصل تغييرات سياسية تؤدي لإبطائها.

- الإسرائيليون يهجرون القدس

من ناحية أخرى، كشفت التقارير الإحصائية عن معطى إضافي له تأثير كبير على الشكل الديموغرافي لمدينة القدس؛ وهو الهجرة الداخلية للإسرائيليين. إذ يشير الإحصاء الأخير إلى أن مدينة القدس سجلت عام 2013 أكبر عدد في ميزان الهجرة السلبية (الرحيل منها إلى مدن أخرى)؛ فقد رحل من القدس عام 2013، 7400 إسرائيلي، وهو عدد مشابه للسنوات السابقة تقريباً مع فوارق بسيطة، كما أنه مرشح للزيادة مع ازدياد التوتر السياسي في المدينة.

إذ يتجه الراحلون بشكل أساسي إلى مدن وبلدات تقع وسط البلاد، وهي تعتبر بالعموم بعيدة عن التوتر السياسي وتتسم بالهدوء النسبي في فترات الحروب (ما عدا العدوان الأخير على غزة)، ونسبة أقل من المتدينين وأكثر من العلمانيين، إضافة إلى كونها تتمتع بوضع اقتصادي-اجتماعي ذي مستوى أعلى من القدس.

- خطط كثيرة دون جدوى

تدرك سلطات الاحتلال الإسرائيلي خطورة خلاء القدس من الإسرائيليين؛ إذ إن جلّ الصراع المعلن منذ البداية هو على هذه المدينة تحديداً، وعلى السيطرة الإسرائيلية المستمرة عليها بحجة الأحقية الدينية التاريخية.

ولأن القدس كمدينة تعاني من مشاكل اقتصادية واجتماعية وسياسية عديدة، فلا تعتبر مغرية للشباب الإسرائيلي للعيش فيها، خاصة العلماني منهم الذي لا يلائمه الجو الديني الذي يطغى على المدينة، ويخضع الحياة الاجتماعية للقوانين الدينية بسبب الأغلبية المتدينة في المدينة.

مثال على ذلك هو إغلاق جميع المرافق العامة ومنع حركة السير في أثناء السبت. يأتي هذا مقابل المغريات الكثيرة التي تقدمها مدن حيوية أخرى مثل تل أبيب وضواحيها ذات الأغلبية العلمانية، إلى جانب حيفا ومنطقة المركز.

هذا إلى جانب عوامل أخرى جعلت سلطات الاحتلال تقوم بحملات منظمة على عدة أصعدة، لتجذب الشباب الإسرائيلي لنقل مكان سكنهم إلى القدس، إضافة إلى حملات إعلامية واجتماعية لإقناع الشباب الذي يعتزم الرحيل بعدم تركها. إلى جانب ذلك، استهداف خريجي الجامعة والأكاديميين بالاستمرار بالعيش والعمل في القدس بعد إنهاء دراستهم الجامعية بدل العودة إلى بلدانهم أو البحث عن عمل في مكان آخر.

وفي حديث لـ "الخليج أونلاين" مع الصحفية والناشطة المقدسية "هنادي القواسمي"، أكدت سعي بلدية الاحتلال لمحاربة التغيير الديموغرافي الحاصل في القدس والذي يصب في النهاية في مصلحة الفلسطينيين. وذكرت أن بلدية الاحتلال كانت قد بدأت حملة منذ أعوام تهدف لزيادة عدد اليهود في القدس، خاصة حاملي الشهادات الأكاديمية كي يكونوا إضافة فعّالة للمجتمع والاقتصاد الإسرائيلي في القدس.

ويتشكل المجتمع الإسرائيلي في القدس بمعظمه من المتدينين اليهود ثلثهم من "الحريديم" (اليهود الأرثودوكس) الذين يشكّلون عبئاً على الميزانية الإسرائيلية بسبب عدم اندماجهم في سوق العمل واعتمادهم بشكل كامل على مخصصات من الدولة.

وأضافت "قواسمي" أن إحدى الحملات منذ عدة أعوام طلبت من الطلاب تغيير مكان إقامتهم في سجل السكّان بشكل رسمي بغض النظر عن محل إقامتهم الحقيقي، ويبدو أن ذلك بهدف رفع نسبة سكان القدس من الإسرائيليين في الإحصاءات الرسمية. "إلى جانب ذلك تقوم بلدية الاحتلال بتوسيع الشارع الرئيسي والوحيد الذي يربط بين مدينة تل أبيب والقدس، لحث الشباب على السكن في القدس حتى إن كان عملهم في تل أبيب وضواحيها أو العكس".

وتضيف هنادي: "هذه تفاصيل تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها قد تكون ذات تأثير حقيقي؛ لأنها تحل مشكلة أزمة السير الخانقة التي يعاني منها بشكل يومي من يسكن في القدس ويعمل أو يدرس في تل أبيب، أو العكس".

وفي السياق نفسه، رصد "الخليج أونلاين" بعض الجمعيات الإسرائيلية، ووجد أن هناك عدداً من المؤسسات التي تعمل بشكل خاص لأجل جذب الشباب الإسرائيلي للعمل والسكن في القدس.

إحدى هذه المؤسسات وأبرزها هي "روح جديدة"، وهي جمعية أقيمت عام 2003 وتصرّح من خلال تعريفها الرسمي بأنها تهدف "لمحاربة الهجرة السلبية من القدس، ولإبقاء الطلاب الجامعيين في المدينة"، وذلك عن طريق "توفير فرص عمل للخريجين، وأماكن تدريب للطلاب الجامعيين خلال فترة دراستهم لاكتساب الخبرة ورفع احتمالية تثبيتهم في مكان العمل الذي يتدربون به".

وتفيد الجمعية بأن أغلبية المهاجرين من القدس "هم من شباب الطبقة الوسطى العلمانيين، الذين يشكّلون الجزء الأكبر من القوى العاملة المبدعة والمبتكرة في المدينة". وتأتي هذه الجهود إلى جانب تقديم وزارة الإسكان الإسرائيلية مساعدات مادية قدرها 100 ألف شيقل للشباب لشراء شقة جديدة.

- محاربة المجتمع المقدسي

من ناحية أخرى، تقول "هنادي القواسمي": إن حكومة الاحتلال تحارب الزيادة الطبيعية عند المجتمع المقدسي بشكل غير مباشر، بدءاً من سحب الهويات من المقيمين تحت ذرائع واهية، إضافة لانتهاكات لحقوق الأطفال وممارسة تضييقات أمنية وبيروقراطية شديدة في كل ما يتعلق ببناء البيوت أو توسعتها، إلى جانب النقص الحاد بالمدارس في شرقي القدس وعليه انعدام أطر تعليمية للكثير من الأطفال.

إلى جانب ذلك خفضت الحكومة الإسرائيلية مخصصات الأطفال الشهرية، الأمر الذي سيضر بالعائلات كثيرة الأطفال. وعن هذا الأمر، أصدر "التأمين الوطني" بياناً تحذيرياً وقت سن القانون عام 2013، وقال فيه: إن خفض مخصصات الأطفال سيودي بـ 90 ألف شخص إلى تحت خط الفقر، وبالطبع نسبة كبيرة منهم ستكون من سكان القدس لكونها فئة ذات نسبة زيادة طبيعية كبيرة (حسب التقرير الأخير لدائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية).

وتضيف هنادي: "هذه العوامل كلها تؤثر بشكل ما على عملية اتخاذ القرار داخل العائلة حول الإنجاب وعدد الأولاد وفقاً للظروف المحيطة بهم".

- رغم المحاولات.. الهجرة مستمرة

على الرغم من كل ما ذكر أعلاه من حملات وتسهيلات وإغراءات كثيرة من جانب سلطات الاحتلال لرفع نسبة الإسرائيليين في القدس، من أجل الحد من خطر الزيادة الطبيعية للفلسطينيين هناك على المخطط التهويدي للقدس، إلا أن الإحصائيات على مدار السنين تثبت إخفاق هذه المساعي. فعلى الرغم من أن الحملات مستمرة منذ ما يقارب 10 أعوام، إلا أن حركة الهجرة السلبية لم تتوقف، فهي تزداد وتقل ضمن حدود ثابتة.

وعن هذا الأمر كتبت صحيفة "ذا ماركر الاقتصادية" سابقاً تقريراً يقول: إن "نير بركات (رئيس بلدية الاحتلال في القدس) لم ينجح بتقليص أعداد السكان الذين يهجرون القدس"، ففي عام 2011 ترك القدس 18 ألف إسرائيلي، تصل أعمارهم حتى جيل 30 فقط؛ أي إنهم جميعاً من فئة الشباب الفعال.

ووفقاً لدائرة الإحصائيات المركزية، ما تزال الهجرة مستمرة حتى الآن، إذ رحل ما يقارب الـ 17 ألف إسرائيلي، مقابل قدوم أقل بكثير (وهم من فئة أقل فاعلية وأعمار أكبر).

- مجتمع إسرائيلي عجوز عام 2059

وفي محاولة للتنبؤ بالمستقبل، أجرى باحثون إسرائيليون في الإحصاء دراسة نشرتها دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية عام 2012، لتوقع اتجاه نمو المجتمع الإسرائيلي ديموغرافياً حتى عام 2059، فأشارت نتائج الدراسة إلى أن المجتمع الإسرائيلي سيكبر عدده، لكنه سيكون مجتمعاً "عجوزاً" بعد بضعة سنين؛ إذ إن نسبة من تزيد أعمارهم على 65 عاماً ستزيد بشكل كبير ومن بينهم سيشكل من هم أكبر من 85 عاماً نسبة كبيرة.

وكشفت دراسة أخرى أجراها مركز الأبحاث الجيو-استراتيجية في جامعة حيفا عام 2010، عن أزمة في مكانة مدينة القدس كعاصمة لإسرائيل. إذ ذكرت الدراسة أنه هناك "تهديدات محيطة بإسرائيل في الوقت القادم"، وذكرت أن أحدها هو اغتناء مدينة تل أبيب على حساب القدس، التي ستزداد فقراً في السنوات القادمة، إضافة "للزيادة الطبيعية العالية في الوسط العربي، مقابل هجرة اليهود من مناطق عدة إحداها القدس" والتي بحسب الدراسة "ستخلق مجتمعاً فقيراً".

وأخيراً تؤكد الدراسة، أن إسرائيل تتوجه لتكون دولة متركزّة في تل أبيب ومحيطها، لتترك المناطق الحدودية، والعاصمة المزعومة، مدينة أشباح.