من يكسب الرهان: تنظيم "الدولة" أم البنتاغون؟

"بهذه السرعة سنحتاج إلى 38 سنة لتخريج الـ15000 مقاتل" هكذا قال قائد الفرقة السورية المدربة أمريكياً، النقيب عمار الواوي، في حواره مع صحيفة تلغراف البريطانية ناقداً برنامج البنتاغون الذي خرج فقط 54 مقاتلاً سورياً خلال ثمانية شهور بهدف قتال تنظيم "الدولة الإسلامية".

قائد الفرقة 30 من المعارضة السورية المعتدلة التي دربها البنتاغون، اتهم الولايات المتحدة بأنها فشلت في حمايتهم، مجبرة إياهم على التضرع لجبهة النصرة لرحمتهم وإطلاق سراح مقاتليه الذين ألقت عليهم القبض بعد قتلها لـ5 منهم.

كانت هذه أولى النتائج العكسية للبرنامج الأمريكي الخاص بتدريب مقاتلي المعارضة السورية المعتدلة، قتلى وجرحى واتهامات بالخذلان موجهة إلى التحالف الدولي بسبب فشله في حمايتهم.

البرنامج الأمريكي بدأ متعثراً من أوله وكثيرة هي الانتقادات التي وجهت للمسؤولين عنه، فقد قال السيناتور الأمريكي جون ماكين في الـ7 من شهر تموز/يوليو الماضي: إن "هناك خللاً واضحاً في برنامج تدريب المعارضة السورية المعتدلة"، وربما يكون ذلك الخلل بحسب المستشار القانوني للجيش السوري الحر، أسامة أبو زيد، أن الإدارة الأمريكية حاولت تدارك الأزمة وعملت على برنامج تدريب المعارضة؛ ظناً منها أن الشعب السوري سيترك الأسد وسيتفرغ لقتال داعش، لكن المشاركين في التدريب خيبوا ظن الإدارة الأمريكية وفق ما صرح به لصحيفة القدس العربي.

هذا البرنامج كان فاشلاً من أوله ولم تستطع الولايات المتحدة فرض توجهاتها وشروطها المتعلقة بإلزام المتدربين بعد التخرج بمقاتلة تنظيم "الدولة" فقط وعدم توجيه السلاح للنظام؛ لأن الأمريكيين لا يريدون حلاً عسكرياً لإزاحة النظام السوري، بل يريدون قتال التنظيم بالوكالة.

صعوبات تحقيق أهداف البرنامج بدأت منذ الأشهر الأولى عندما هددت الفصائل المشاركة في برنامج التدريب الأمريكي بالانسحاب منه، بعدما طُلب منهم التوقيع على تعهد بالعمل على محاربة داعش فقط، والتعهد بعدم استخدام الأسلحة المقدمة لهم ضد قوات الأسد.

لقد نسيت أمريكا أن سياسة المكيالين التي تنتهجها في التعامل مع الملفات الحساسة في المنطقة، وخاصة الملف السوري، تساهم في تأجيج الطائفية وتشجيع الأنظمة القمعية على مزيد سفك الدماء وتدمير الأحياء السكنية بالبراميل المتفجرة.

وفي هذا السياق قال زعيم جماعة المعارضة السورية، مصطفى سيجري، لصحيفة ميدل إيست بريفينج: "إذا كانت الولايات المتحدة تريد مساعدتنا، فإنه يمكنها وقف البراميل المتفجرة التي تلقيها قوات الأسد والتي ندّد بها مجلس الأمن الدولي، وذلك بدلاً من أن يقولوا لنا تجنبوا محاولة إطلاق النار على الطائرات التي تقتل شعبنا كل يوم. لدينا خيارات لمحاربة الأسد بخلاف البرنامج الأمريكي. وسنقاتل الأسد و"الدولة الإسلامية" بغض النظر عن شروط الولايات المتحدة أو أي شخص آخر".

كل هذا التمرد والرفض من المعارضة السورية الذي لم تعهده القيادة الأمريكية جعل عديد المراقبين يرون أن الفشل سيكون نتيجة حتمية لهذا الرهان، دون انتظار دخول هؤلاء المتطوعين الجدد لساحة المعركة؛ ما يعني أن 500 مليون دولار كلفة تدريب مابين 3000 إلى 5000 مقاتل سنوياً قد تذهب هباء منثوراً، خاصة أمام الإقبال الضعيف لمقاتلي الجيش الحر، وعدم توفر الشروط المطلوبة في أكثرهم، وخوف الجانب الأمريكي من أن ينضم بعض هؤلاء المقاتلين إلى التنظيمات الجهادية المنتشرة في كل أنحاء سوريا وخاصة تنظيم داعش.

هذه التنبؤات من قبل المراقبين قد كانت مصيبة في أغلبها، فقد بدأت الفصائل المدربة دخول معركة قتال تنظيم "الدولة"، الذي نقلت الصفحات الموالية له على شبكات التواصل الاجتماعي صور قتلى لمن قالت إنهم عناصر من الصحوات المدربة أمريكياً وتركياً، قتلوا من جراء معارك مع مسلحي التنظيم، كما نشرت وكالة أعماق التابعة للتنظيم تسجيلاً يظهر توغل العناصر المدربة أمريكياً داخل الأراضي السورية من قبل الحدود التركية ورصد مقاتلي داعش لهم.

ربما تكون المرحلة القادمة عنوانها صراع داعشي أمريكي بالوكالة، أبطاله عناصر الجيش الحر التي تخرجت حديثاً من المعسكرات التي تقع في تركيا وفي قطر، وسيكون رهان الولايات المتحدة عليهم لأنهم أبناء المنطقة ويرون في قتالهم للتنظيم قضية عادلة، دون أن ننسى أن تدخل التحالف الدولي برياً ما يزال لم يحسم بعد لعدة أسباب يطول ذكرها، لكن يبقى أبرزها وجود البديل المقاتل على الأرض الآن بخلاف ما كان قبل غزو العراق وغزو أفغانستان، فلم تكن هنالك جماعات موالية لها مستعدة لقتال طالبان والنظام العراقي، زيادة على ذلك أن الجيش الأمريكي الآن منهك بعد خروجه من العراق وأفغانستان، ويجب أن تمنحه الإدارة الأمريكية قسطاً من الراحة لاستعادة أنفاسه وترميم معنوياته ومعداته.

وفي الأخير تبقى الحقيقة الموجعة هي أن الحرب السورية ما تزال تؤججها القوى الكبرى التي تتفاوض فيما بينها على البديل المثالي للنظام السوري، وتبحث عن الخطط المثالية للقضاء على تنظيم "الدولة الإسلامية"، ويبقى بعد كل هذه المفاوضات والتجارب الجديدة ذلك السوري البسيط يعاني الويلات من بطش بشار ومعارضيه، ومن عنصرية الحكومة النمساوية والسلوفاكية التي رفضت استقبال الهاربين من مجازر النظام؛ لأنهم سوريون مسلمون في حين أنها لن تستقبل إلا المسيحيين.