الازدواجية الإيرانية مع الثورات العربية (2)

نواصل الحديث عن ظاهرة "الازدواجية الإيرانية" مع حقوق الإنسان والحريات العامة، وقد تجلت بوضوح مع ثورات "الربيع العربي"، وسبق أن تحدثنا عن مواقفها من ثورة تونس ثم ثورة مصر، ونكمل في هذه الحلقة الحديث عن بقية الثورات، وأيضاً الأزمات التي تسوق لها إيران على أنها ثورات.

3- ثورة ليبيا:

أيدت إيران الثورة على القذافي، غير أنها حذرت الغرب من أي تدخل عسكري في ليبيا، معتبرة أن الدول الغربية لا يتعين عليها أن تستفيد من الحركة الشعبية في ليبيا لتحويل البلاد إلى قاعدة عسكرية.

قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية رامين مهمانبراست إن بلاده "تدين أي نوع من العنف ضد الشعب الليبي، وتأمل أن يحاول الحكام غير المحبوبين لدى شعوبهم تبني أساليب تمنع بلدانهم من التمزق وشعوبهم من الاقتتال".

وأشار إلى أن تلك القضايا لا يتعين أن تقدم مبرراً "لتدخل عسكري من قبل دول أخرى". مؤكداً أن الدول الغربية لا يتعين أن تستفيد من وجود الشعب في الساحة السياسية لتحويل الدول إلى قواعد عسكرية".

لقد كان العقيد معمر القذافي غير مرغوب فيه لدى نظام الحكم في إيران، وإن كان قد خدم الخميني عام 1978 بإخفاء موسى الصدر الذي كان المرجع العربي الشيعي الأول في كل العالم، وبإزاحته من مشهد التشيع العالمي أتيحت الفرصة للخميني كي يتصدر الزعامة، وبذلك انتقلت الزعامة الشيعية من العرب إلى الفرس.

مع ذلك فاختفاء الصدر جعل العلاقة بين "حزب الله" وإيران مع القذافي ليست على ما يرام، وتظهر متقلبة حسب أمزجة القذافي الذي لا يخضع لمبدأ.

إلا أن دخوله المنطقة المحظورة جاء مع ما طرحه من مشروع سماه "الدولة الفاطمية الثانية" في شمال أفريقيا، وقد جدد دعوته إلى هذه الفكرة لما بايعه شيوخ وسلاطين الطوارق كقائد لهم بدرجة "أمغار الأعظم"، وهو ما نقلته وكالة الأنباء الليبية "جانا".

4- ثورة سوريا:

كان الموقف الإيراني في البداية سياسياً من ثورة الشعب السوري، حيث رفضت الحراك الشعبي ودعّمت نظام بشار الأسد، غير أنه مع القمع الذي مارسته قوات النظام وتحول الشعب السوري من المظاهرات السلمية إلى المقاومة المسلحة، تحول الموقف الإيراني بدوره من المرحلة السياسية إلى العسكرة من منطلقات طائفية.

لقد اعتبرت إيران الثورة السورية مؤامرة صهيونية على المقاومة والممانعة، مع أن الشعب السوري المتظاهر رفع شعارات معادية للكيان العبري، ومطالبة بتحرير الجولان وفلسطين. ثم عملت ما في وسعها على تحويلها إلى حرب على الإرهاب، ولهذا جاء تأييدها ودعمها لمخطط استخباراتي تم الاتفاق عليه في 2012 ببيروت من أجل تسهيل مرور مقاتلي تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق" إلى سوريا.

كما تشير تقارير أمنية ووثائق استخباراتية مسرّبة أن المخابرات العراقية الموالية لمخابرات إيران قامت بتسهيل مرور المقاتلين لتنظيم الدولة نحو سوريا، كما سهّلت لقادتها عملية الفرار من سجون العراق، ورفعت الحراسة عن الحدود، وكل ذلك من أجل جر المجتمع الدولي نحو الحرب على الإرهاب وطمس معالم الثورة الشعبية على نظام الأسد الموالي لملالي طهران.

مارست إيران كل الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وحتى الإبادة الجماعية في سوريا، وذلك من منطلقات طائفية بحتة، فهي التي كانت ترفض التدخل في الشؤون الداخلية للبحرين، وصل بها حد التدخل العسكري بمليشيات عراقية ولبنانية والحرس الثوري لقتال الشعب السوري.

وبخصوص الدعم المالي الإيراني لنظام بشار الأسد، نذكر على سبيل المثال أنه في 2014 فقط أعلن وزير الاقتصاد لدى نظام الأسد عن مساعدات إيرانية فاقت 15 مليار دولار.

5- ثورة اليمن:

عبّرت إيران عن تأييدها للمظاهرات الاحتجاجية في اليمن، وأصدر 252 نائباً في مجلس الشورى الإيراني في 15 مارس/آذار 2011 بياناً "لدعم انتفاضات الشعوب في اليمن، إلى جانب البحرين وليبيا، ودعوا قوات الجيش والشرطة في هذه البلدان لتحمل مسؤولياتها التاريخية، ودعم شعوبها المظلومة واتخاذ الخطوة النهائية لإسقاط الحكام الجناة".

غير أن المخطط الإيراني لم يكن يهدف إلى دعم الثورة بحد ذاتها، فقد كانت عين المخابرات الإيرانية على مليشيات الحوثيين الموالية لها، والتي كانت تدعمها من قبل في حربها القائمة مع نظام الرئيس علي عبد الله صالح.

بعد نجاح ثورة اليمن من خلال المبادرة الخليجية التي أدت إلى خلع الرئيس صالح وإجراء انتخابات فاز فيها الرئيس عبد ربه منصور هادي، بدأت إيران تعمل على إيصال الحوثيين إلى الحكم. وهو الذي حدث بالفعل بعد أن تمكنت مخابراتها من صناعة تحالف بين أنصار صالح والحوثية.

تمكن الحوثيون من السيطرة على العاصمة صنعاء، وهو الذي اعتبرته إيران انتصاراً كبيراً لها، وقد تمكنت من الإطاحة بعاصمة أخرى بعد بغداد ودمشق وبيروت والأحواز، إلا أن التحالف العربي بقيادة السعودية فاجأ إيران بعاصفة الحزم.

الازدواجية الإيرانية راحت تصف حراك الحوثيين بثورة شعبية مع أنها تحالفت مع رئيس مخلوع كانت قد أيدت الثورة عليه، في حين وصفت التدخل العسكري بقيادة السعودية أنه عدوان واحتلال وغيره، من دون أن تتحدث عن دعمها العسكري للحوثيين حتى تمكنوا من الانقلاب على الشرعية.

6- أحداث البحرين:

إن كانت إيران حذرة لدرجة ما مع أحداث تونس ومصر وليبيا، وإن كان الموقف العام مؤيداً لهذه الثورات، فإن ما عرفته مملكة البحرين كان عكس ذلك تماماً.

لقد سمت إيران ما يجري في البحرين بأنها ثورة شعبية، وراحت تدعمها بمختلف الوسائل، وحذرت من أي تدخل عسكري خارجي، حيث قال المتحدث باسم وزارة الخارجية رامين مهمانبراست: "إن وجود قوات أجنبية، والتدخل في شؤون البحرين الداخلية، غير مقبول، وسيزيد الأمر تعقيداً".

وبلغ الأمر بها لدرجة وصف تدخل قوات درع الجزيرة بقيادة السعودية، بأنه احتلال للبحرين وتدخل سافر في سيادتها وضد شعبها.

طبعاً السبب طائفي بحت؛ فالأحداث الجارية في البحرين يقودها الشيعة، والحكام من السنّة، ولذلك يعتبر أي حراك يقوم به الشيعة هو ثورة شعبية، وإن كان العكس فهو مؤامرة أمريكية وصهيونية.

7- ثورة العراق:

إيران تعاونت مع أمريكا لإسقاط نظام صدام حسين، وكان السيستاني، وهو مرجع الملالي في العراق، قد حرّم مواجهة الجيش الأمريكي، وقادت الحكومات المتوالية المدعومة إيرانياً حملات تطهير عرقي وديني ضد سنّة العراق.

تصاعدت موجة الغضب على حكام بغداد الجدد، وثارت انتفاضات شعبية ضد حكومة نوري المالكي الموالي لملالي طهران، وفي التاسع من مارس/آذار 2011 أصدر المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، عبر وكيله في العراق المرجع الديني محمد مهدي الأصفي، فتوى تحرم تظاهر العراقيين ضد الحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي.

وقال خامنئي في هذه الفتوى إن التظاهر لا يجوز ضد النظام القائم في العراق، وإن المسيرات التي جرت في بغداد ومدن عراقية أخرى تعد إضعافاً للنظام وليست إصلاحاً أو نقداً بنّاء.

المنطلقات الطائفية في الازدواجية الإيرانية

اتضح مما تقدم أن إيران تنطلق من منطلقات طائفية بحتة في التعامل مع أي حدث يجري في العالم العربي والإسلامي، فهي تؤيد الثورات الشعبية إن كان من يتصدّرها هم الشيعة وضد أهل السنة، في حين أن ثورات أهل السنة ضد أنظمة شيعية أو موالية لملالي طهران فهي مجرد مؤامرات كونية عليها.

لا يوجد معيار أخلاقي ولا قانوني في تعامل إيران مع أحداث المنطقة، فهي ترى دخول قوات درع الجزيرة العربية إلى البحرين تدخلاً أجنبياً واحتلالاً، في حين أن تدخلها العسكري في سوريا هو واجب شرعي لحماية المقدسات!

جرّمت إيران مطالب المعارضة السورية بتدخل الأمم المتحدة لإنقاذ الشعب السوري من حرب الإبادة التي يشنها نظام الأسد، في حين باركت الغزو الروسي لسوريا من أجل حماية مشروعها الذي بدأ يتهاوى أمام تمدد قوات المعارضة.

وصفت دعم الدول العربية للثوار السوريين بأنه عدوان، والتحاق المقاتلين الأجانب بصفوف المعارضة المسلحة اعتبرته إرهاباً، في حين أنها تدعم مليشيات الحوثيين و"حزب الله"، وجلبت مرتزقة من شتى أنحاء العالم للقتال في صفوف قوات الأسد.

لم تقتصر الازدواجية الإيرانية على التعامل مع ثورات الربيع العربي، بل إنها تمارس التحريض على دول أخرى سواء بسبب مواقف حكامها من ملالي طهران، أو بسبب دعمهم لثورات تناهض النفوذ الإيراني. فهي تتهم أنظمة معادية لها بالاستبداد، في حين أن أنظمة مستبدة أخرى تدعمها بكل قوتها.

هذا التحريض لم يكن وليد اليوم، فقد بدأ في الجزائر مطلع التسعينيات، حيث إن إيران أعلنت عن دعمها للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وصل حد عرض الملايين في حال وصولها للحكم، وباركت اغتيال الرئيس محمد بوضياف عام 1992، ثم بعدها درّبت مقاتلين من تنظيم "الجماعة الإسلامية المسلحة"، الذي هو نسخة سابقة من تنظيم "داعش".

التحريض امتد إلى السعودية ودول عربية أخرى، وكل ذلك بسبب الدعم الذي تقدمه إلى سوريا والبحرين واليمن في مواجهة التمدد الإيراني، وكل ذلك يؤكد أن طهران تمارس الازدواجية المقيتة في التعامل مع كثير من الأمور.

يتبع