العثمانيون والكويت.. التاريخ المشرق

ركز كثير من الباحثين في دراساتهم حول تاريخ الكويت وعلاقاتها بالدولة العثمانية على الوثائق البريطانية فقط، وهذا قصور يحمل وجهة نظر أحادية فيها كثير من الظلم والبهتان، ما استوجب القيام بجهود علمية معتمدة على جميع الوثائق التاريخية، وخاصة الأرشيف العثماني لنفض الغبار عنه وتقديم الحقيقة لشعوب المنطقة، التي يغلب عليها التعاون والتضامن باعتبار الخلافة العثمانية خلافة إسلامية وتحكم باسم الإسلام.

وهذا ما بدأ يكشف عنه المؤرخون والباحثون في تركيا والدول العربية من خلال المؤتمرات العلمية، وكان آخرها المؤتمر العالمي حول البلاد العربية في العهد العثماني المنعقد موخراً بإسطنبول التركية، الذي أبرز فيه الدكتور طلال سعد الرميضي، الأمين العام للكتاب الكويتيين، عدة نقاط مهمة حول العلاقة بين الكويت والدولة العثمانية، ليكشف عن صفحة مهمة من تاريخ العالم الإسلامي، داعياً للاستفادة من الأرشيف العثماني الغني بالكثير من الوثائق القديمة والنادرة، التي تبين الأدوار الكبيرة التي قامت بها الدولة العثمانية العلية في النهوض بالبلاد العربية، من خلال الاهتمام بالعلم الشرعي، وتطوير المدارس، وبناء المساجد، وتعيين القضاة، وغيرها من الأمور التي تهم الشعوب المسلمة.

حيث يمكن تقسيم تاريخ علاقات الكويت بالدولة العثمانية إلى مرحلتين؛ الأولى تميزت بارتباط شيوخ الكويت بالمسؤولين في الولايات العثمانية بعلاقات صداقة واحترام ومحبة، وتمثل موقف الكويت عموماً من الدولة العثمانية في الدعم والمساندة لها في تدعيم نفوذها في المناطق العربية التابعة لها؛ عن طريق تقديم المساعدات الممكنة، التي تمثلت في قيام الشيخ جابر بن عبد الله الصباح، ثالث حكام الكويت الذي تولى الحكم من 1813 إلى غاية 1859، بإرسال بعض سفنه محملة بالسلاح والمقاتلين إلى البصرة لرفع الحصار عنها، ومساعدتهم كذلك في تدعيم السلطة العثمانية في "المحمرة" ضد بني كعب في عام 1831، وأسهمت القوات الكويتية في استعادة المحمرة من بني كعب عام 1837، واستمر التعاون بينهما حتى طلبت السلطات العثمانية من الشيخ جابر العبد الله أن يتولى حماية ميناء البصرة، وذلك عام 1854.

وأدركت الدولة العثمانية قوة أسطول الكويت البحري في منطقة الخليج العربي، ودوره المميز في تحقيق مطالب الخلافة الإسلامية في المنطقة، وتواصل التعاون بين شيوخ الكويت بعد وفاة الشيخ جابر بعدة صور، حتى تم الاتفاق ما بين والي بغداد نامق باشا، والشيخ عبد الله بن صباح، خامس حكام الكويت (1866-1892) على اعتبار الكويت قضاء عثمانياً تابعاً لولاية البصرة، ومنح الشيخ عبد الله الصباح رتبة قائمقام، ليكون أول حاكم كويتي يحمل هذه الرتبة، وتم رفع العلم العثماني على السفن الشراعية الكويتية، وحظي الرأي بقبول واسع؛ باعتبار العلم العثماني رمزاً للإسلام والهوية الإسلامية.

وتسجل لنا المراجع التاريخية دور شيوخ الكويت في دعم الحملة العسكرية العثمانية على الأحساء 1871، والدور المميز للشيخ محمد الصباح عام 1894 في الوساطة بمسألة قطر لمصلحة العثمانيين.

أما المرحلة الثانية، فتبدأ بعد الأحداث المهمة والكبيرة في تاريخ الكويت، بعد تولي الشيخ مبارك الصباح عام 1896 السلطة، حين اضطر إلى إبرام اتفاقية حماية مع بريطانيا في مطلع 1899، وظلت طي الكتمان حتى عام 1904، التي شهدت تعيين أول معتمد بريطاني في الكويت، رغم أن الشيخ مبارك الصباح قدم دعماً مالياً للدولة العثمانية في عدة مناسبات، أبرزها مناسبة الحريق الذي شب في الآستانة.

ولا شك أن الصراع بين الدولة العثمانية والقوى الاستعمارية على الكويت قد ظهر جلياً مع مطلع القرن العشرين، مع ظهور فكرة مشروع سكة الحديد برلين.

ولا بد أن نشير إلى أنه بالرغم من موقف الشيخ مبارك الواضح مع بريطانيا، فإنه كان هناك شريحة كبيرة من الشعب الكويتي تميل لمساندة الدولة العثمانية؛ لكونها الخلافة الإسلامية، ومن أبرز هذه النخبة الوطنية نذكر فرحان الخالد، مؤسس الجمعية الخيرية الإسلامية عام 1913، والتي كان هدفها إبراز الجانب الحقيقي للدور العثماني، وقامت بإحضار طبيب تركي في دور مضاد بعد فتح المستشفى الأمريكاني في الكويت، وكذلك بإحضار الشيخ محمد الشنقيطي ليقوم بتعليم الناس شؤون دينهم وتعليم الأميين القراءة والكتابة، وكذلك فتح مكتبة عامة في الكويت، وسقاية الناس بالمجان، وكذلك مساعي الشيخ مساعد العازمي، الذي كان يهاجم الإنجليز في خطبه المنبرية بمساجد الكويت في عهد مبارك الصباح، وكان يدعو لدعم البلاد الإسلامية.

فهل نأمل بعد هذا التاريخ أن تتوحد الجهود الكويتية التركية في جميع المجالات، خاصة في الميدان الإنساني، الذي تتمتع فيه دولة الكويت ومنظماتها الإنسانية بدور ريادي، خاصة في أفريقيا، لتتعاون مع أخواتها من المنظمات الإنسانية التركية التي يتزايد دورها في كثير من الأماكن في المعمورة، ولا سيما بعد النهضة التي تعيشها تركيا في مختلف المجالات، والتي لا بد أن تلتقي فيها القدرات من كلا الجانبين، خاصة بعد التحولات الدراماتيكية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وبروز مشروع سايكس بيكو أكثر فتكاً وتقسيماً للأمة؟