ويسألونك عن انتخابات إيران

تتبعت مجريات انتخابات مجلسي الشورى والخبراء الإيرانيين التي جرت قبل أيام، عبر مختلف الفضائيات والصحف، وأول ما شدّ انتباهي هي تلك العبارة التي كثر ذكرها -((تقدم التيار الإصلاحي والمعتدل على تيار المحافظين في هذه الانتخابات)).

وهذا يدل على أنّ النظام الإيراني استطاع أن يرسم في ذهن الرأي العام العربي والغربي أنّ المنظومة السياسية الإيرانية تحوي تيارات مختلفة وألواناً سياسية متنوعة تحمل أفكاراً يسارية ويمينية وما بينهما، وعلى أنّ نظام الملالي هو نظام ديمقراطي فاتحاً بابه أمام كل معارضة إيرانية أخرى لها فلسفة سياسية مخالفة لفلسفته في إدارة نظام الحكم.

والواقع حسب رأينا هو غير هذا، ذلك لأن القراءة الموضوعية لهذه الانتخابات وتداعياتها تتطلب إدماج وإشراك كل المكون الإيراني داخل إيران وخارجها في هذه العملية.

فالمنظومة السياسية الإيرانية بكل أجنحتها وتياراتها وألوانها لا تشتمل على هذين التيارين فقط كما يُريد تسويقه نظام ولاية الفقيه، بل هناك منظمة مجاهدي خلق والعديد من الأحزاب والحركات التحررية داخل الأقاليم المستعمرة ومناطق الشعوب غير الفارسية، في إيران وفي خارج إيران، كحركة النضال العربي الأحوازي وحركة المقاومة البلوشية وباقي حركات الكرد والتركمان والآذريين.

فكل هذه القوميات غير الفارسية تُشكّل لنا قطباً كبيراً داخل المعارضة الإيرانية الحقيقية لا يُمكن تجاوزه، وبالتالي فإنّ هذه العملية الانتخابية قد أقصت النسبة الكبيرة من الشعب الإيراني.

وإذا سلّمنا بأن هذين التيارين الإصلاحي والمحافظ، اللذين شاركا بقوة في انتخابات 26 فبراير، هما من يمثلان كل المنظومة السياسية في إيران، نجد بأنّ الكثير من الإصلاحيين تمّ شطبهم من القوائم الانتخابية حتى قاربت نسبة الشطب من هذه القوائم الـــــ80 بالمائة.

كما أن حفيد الخميني حسن خميني البالغ من العمر 43 سنة قد تم شطبه من طرف مجلس صيانة الدستور من قائمة مترشحي مجلس الخبراء، وبرّر إزاحته بحجة انعدام المؤهلات الدينية الكافية للترشح لديه، على الرّغم من أنّه رجل دين، وقد تمّ الإبقاء على 166 مرشحاً من أصل 800 قدموا ملفات ترشحهم لهذا المجلس، الذي يضم 88 عضواً، ومجلس الخبراء هو من له سلطة اختيار المرشد الأعلى للثورة.

وإذا تتبعنا عملية قبول ملفات الترشيح لهذه الانتخابات نجدها صعبة ومعقّدة للغاية، إذ لا يمكن مرور أي ملف إلا إذا صادقت علية وزارة الداخلية، ولا يتم تصديق هذه الأخيرة إلا إذا كان الملف مقبولاً لدى السلطات التالية وهي: وزارة المخابرات وقوات الأمن والسلطة القضائية ودائرة الأحوال المدنية، ثم يمر الملف إلى مجلس الصيانة على الدستور الذي يعود له القرار الأخير في قبول أو رفض ملف الترشح.

وللتذكير فإن مجلس الصيانة على الدستور يضم 12 عضواً، ستة منهم يعينهم المرشد الأعلى والقرار يعود لهم، وستة حقوقيين أثبتوا ولاءهم لنظام الولي الفقيه على المدى الطويل، كما أن رئيس السلطة القضائية يُعين من طرف المرشد الأعلى، وبالتالي لا يمكن لأي ملف أن يمر بدون إعلان صاحبه الولاء التام للمرشد الأعلى وإيمانه العميق بنظام ولاية الفقيه.

ومن هنا تصبح العملية الانتخابية لا معنى لها في ظل هذه الديكتاتورية المفروضة على الشعب الإيراني من طرف نظام ولاية الفقيه.

كما أنّ هذا النظام قد أفرغ العملية الانتخابية من محتواها الحقيقي، فمن يُقدّم ترشحه لمجلس الشورى أو مجلس الخبراء وجب عليه الالتزام بولاية الفقيه فكراً وتطبيقاً، ولا يُمكن له أن يخرج على طاعة المرشد الأعلى أو أن يُخالف أمره.

وبالتالي فإن مسألة فوز جناح الإصلاحيين على جناح المحافظين لا وجود لها في الواقع وكل تيار يُكمّل الآخر، وما هذا الصراع القائم بينهما إلا صراع مفتعل، والعملية كلها هي تبادل للأدوار، والقاسم المشترك الأكبر بينهما هو العمل على إبقاء نظام ولاية الفقيه كما سنّه الأب الروحي الخميني، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون غير ذلك، كالتفكير مثلاً في استبعاد هذا النظام أو الإطاحة به، أو في تقليص السلطات الواسعة والمفتوحة للمرشد الأعلى، ومن كان يعتقد ذلك فهو واهم.

ثم لا ننس بأن من بين قادة هذا الجناح الإصلاحي، الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني وهو واحد من مهندسي الحرب على الشعب السوري الأعزل وحروب الدمار والخراب في العراق واليمن.

وقد اعترف حسن روحاني بنفسه وصرّح بأنّه لو لم يتم انتقال الحرس الثوري إلى سورية ودعمه لنظام بشار الأسد وقتاله الشرس ضد المعارضة السورية لما استطاعت إيران التقدم في المفاوضات النووية.

فإذن ماذا ننتظر من هذا الجناح الإصلاحي المعتدل الذي يقود حملة القتل والخراب والدمار والتهجير في المنطقة العربية؟

وماذا ننتظر من هذا الذي فاق عدد من تمّ تنفيذ الإعدامات في حقهم في عهدته هذه منذ سنة 2013 إلى يوم النّاس هذا كل الأعداد في عهدات سابقيه من المتشددين والمحافظين، والتي تجاوزت 2000 إعدام، دون حساب الإعدامات الميدانية والتعسفية التي تقوم بها قوات الحرس الثوري والميليشيات التابعة لها في سورية والعراق واليمن ولبنان؟

ماذا ننتظر من الذي ما زال ناصباً لرافعاته في الساحات العامة لإزهاق المزيد من الأرواح والأنفس أمام مرأى كل العالم؟

وحتى لو افترضنا أن العملية الانتخابية تمت بطريقة سليمة وبكل ديمقراطية ونزاهة، فإن هذه المؤسسات الانتخابية سواء البرلمان أو ما يُعرف بمجلس الشورى أو مجلس الخبراء لا تستطيع أن تنتقد المرشد الأعلى، ذلك لأن كل السلطات تقع تحت سلطته فهو سلطة السلطات، وحتى رئيس الجمهورية ما هو إلا موظف عنده.

فالخميني عندما استلم الحكم في 1979 أسّس هذا النظام الديكتاتوري زاعماً حسب فلسفته أنّ منصب المرشد الأعلى، هو منصب إلهي وهو خليفة الإمام المنتظر وبالتالي فطاعته واجبة شرعاً وأمره مطاع.

ثم إنّ هذا النظام لا يُؤمن بمؤسسة تشريعية بل كل التشريعات والقوانين تُستمد من الولي الفقيه.

وعليه فإننا نعتبر انتخابات مجلسي الخبراء والشورى ماهي إلا عملية شكلية تدخل ضمن الأكاذيب التي يستعملها هذا النظام لإيهام الرأي العام الدولي بأن له قبولاً وتأييداً شعبياً، ويُسوّق من خلالها للعالم بأنه يُمارس العملية الديمقراطية كما يُريدها الغرب للضحك على الذقون.

وخلاصة لما تقدّم نستطيع القول بأنّ هذه الانتخابات ماهي إلا محطة لحسم الصراع على منصب الولي الفقيه لا أكثر ولا أقل.