• العبارة بالضبط

في الرأي الحر والتسييس والعنف

أفرزت الثورة السورية أصنافاً عديدة من العنف وداعميه المحرضين على اتساع الهوة بين الأطراف السياسية المتنازعة والمتنوعة عرقياً و طائفياً وأيديولوجياً، كلٌ شخص وفصيل ومؤسسة تكشف عن مكنونات نفسها وثقافتها الراسخة في ما تؤمن به من قيم وأفكار وما تخبئ من مشاعر دفينة لا يمكن تلميع صورتها الشكلية، في وقت يستلزم منهم فيه كشف المضامين.

ولا شك أننا في مناشدتنا تحقيق الحرية في التعبير عن كل رأي مخالف والذي نعتبره واحداً من الأسباب التي قامت لأجلها الثورة، نعلم تماماً أنه ليس كل معارض للنظام اليوم يصنف في خانة مناصرة كل ما قامت من أجله الثورة من إطلاق الحريات وتطبيق العدالة الاجتماعية وتحقيق مصالح الشعب السوري ومكوناته العرقية، التي تتطلب اعترافاً دستورياً بها ومنحها تطمينات بعدم إلحاق الغبن والضرر بها مرة أخرى ، بل إن الكثير من معارضي اليوم هم من الذين دفعتهم ظروفهم الشخصية أو المجتمعية نتيجة حالة الحرب والدمار التي لحقت بسوريا أو صراعهم على السلطة مع الطغمة الحاكمة للوصول إلى مراكز قيادية في المعارضة رغم أنهم تشربوا من نهر الشوفينية نفسه تجاه حقوق الشعب السوري ومكوناته.

وكما من حق كل إنسان بث ما يؤمن به من أفكار وتوجهات عبر وسائل الإعلام بما يخدم سياستها أو يخرج منها قليلاً سواء كان التوجه عنفياً أو عنصرياً أو مناهضاً لحقوق الآخرين، كذلك يحق لمن لاكتهم تلك التوجهات حق الرد بالطرق المشروعة التي تبرز عدالة قضيتهم وتمكينها بما يرفع من علو شأنهم ويكسبون بها ترقية سياسية.

فقد حدث لغط كبير بعيد نشر التصريحات الشوفينية التي كان قد أدلى بها أسعد الزعبي رئيس الوفد المفاوض للمعارضة السورية في حوار على إذاعة أورينت الإخبارية، وحاول بعض الساسة الكرد من تنظيمات متنوعة لم يتمكنوا من الوصول إلى جنيف للمشاركة في المفاوضات لأسباب مختلفة استغلال التوتر القائم للضغط على المجلس الوطني الكردي للانسحاب من المفاوضات والائتلاف المعارض معاً بحجة وجود أمثال الزعبي بينهم، كما بلغ الأمر ببعض المشتغلين بالصحافة بالطلب من الصحفيين العاملين في قناة أورينت بالاستقالة لكونها راعية الإرهاب والعنف والشوفينيين حسب زعمهم.

ولا شك أن هذا التعامل المسيّس مع الحدث لإسقاط ورقة التوت الأخيرة التي يتمسك بها المجلس الوطني الكردي يعبر عن حالة الشقاق التي تعيشها التنظيمات الكردية، حيث يعمد كل فصيل في العبور على جثة الآخر للارتقاء أو النزول معاً للهاوية، وما ينطبق على الوضع السياسي هو الواقع نفسه في الإعلام والمشتغلين به كردياً، ففي الوقت الذي تضج به قنوات ومواقع كردية وعبر الكثير من قادة بعض التنظيمات في بث السموم العنصرية والعنف والإشاعات المغرضة ضد أبناء جلدتهم للتحريض ضدهم ولا يتم تناولها بالمسؤولية نفسها من قبل الإعلاميين لمنعها ومقاطعتها، نراهم يشكلون جبهة للهجوم على قناة أورينت والصحفيين الكرد المشتغلين فيها، ولا شك أنه سيعتبر عنفواناً في محله عندما يتم كشف ملابساتها وسياساتها ومحاوبة تغييرها ومقاضاتها ومثيلاتها عبر الطرق القانونية وليس الضغط على العاملين فيها للاستقالة رغم عدم خروجهم عن المهنية مع الخدمات التي يقدمونها في القسم الكردي ومتابعتهم لأوضاع المناطق الكردية، واستضافتهم لمختلف الأطراف دون تحيز.

وبلا شك فإن الازدواجية في المعايير يظهر مدى الابتعاد عن القضايا المحورية التي كان يجب أن يأتلفوا حولها بدلاً من هذا التحايل المريب عليها لصالح القوى التي تحركهم وتؤازر توجههم.