• العبارة بالضبط

هشام جنينة.. من الرقابة على أجهزة الدولة المصرية إلى السجن

تسارعت وتيرة الأحداث في مصر عقب كشف المستشار هشام جنينة، الرئيس الأسبق للجهاز المركزي للمحاسبات، عن امتلاك رئيس أركان الجيش الأسبق، الفريق سامي عنان، وثائق تتعلق بـ"تجاوزات" وقعت خلال فترة حكم المجلس العسكري للبلاد إبان الإطاحة بالرئيس الأسبق، حسني مبارك، في فبراير 2011.

واعتقلت السلطات المصرية الثلاثاء 13 فبراير 2018، جنينة، بعدما أكد الجيش، الاثنين 12 فبراير 2018، على لسان متحدثه الرسمي، فتح تحقيق في تصريحات الرئيس الأسبق للجهاز المركزي للمحاسبات (أعلى جهة رقابية بالبلاد).

وقالت نهى (نجلة جنينة) لـ"الخليج أونلاين"، إن قوة كبيرة من الشرطة اعتقلت والدها صباح اليوم (الثلاثاء)، مؤكدة أنه محتجز حالياً في النيابة العسكرية وأنهم (أسرته) موجودون بالنيابة لكنهم لا يعرفون عنه أي شيء.

وكان جنينة قد كشف في حوار مع موقع "هاف بوست عربي"، الأحد 11 فبراير 2018، عن امتلاك الفريق سامي عنان لمستندات وصفها بـ"بئر الأسرار"، التي تتضمن وثائق وأدلة تدين الكثير من قيادات الحكم بمصر الآن، وهي متعلقة بكل الأحداث الجسيمة التي وقعت عقب ثورة 25 يناير 2011.

وعبَّر جنينة عن تخوّفه على حياة الفريق عنان داخل السجن، وأنه من الممكن أن يتعرض لمحاولة اغتيال وتصفية، كما حدث مع الفريق عبد الحكيم عامر، محذراً في الوقت ذاته أنه في حال المساس به فسوف تظهر الوثائق الخطيرة التي يمتلكها عنان، وحفظها عنان مع أشخاص خارج مصر.

ولم يتعافَ جنينة بعد من آثار محاولة الاغتيال التي تعرض لها أواخر الشهر الماضي، خلال توجهه للطعن على قرار استبعاد عنان من انتخابات الرئاسة المقررة في مارس المقبل.

وشهدت القاهرة صراعاً محموماً بعد إعلان عنان، في 20 يناير 2018، عزمه الترشح في الانتخابات الرئاسية، قبل أن يعتقله الجيش بتهمة التزوير في محررات رسمية والترشح للانتخابات دون إذن مسبق من القوات المسلحة؛ لكونه ما يزال قيد الاستدعاء (على قوة الجيش).

وقال عنان في خطاب ترشحه إنه، حال فوزه بمنصب الرئيس، سيعين المستشار هشام جنينة نائباً له لحقوق الإنسان والشفافية. لكن السلطات في مصر لم تمنح عنان فرصة إكمال المنافسة، ووضعته في أحد السجون العسكرية بالقاهرة منذ مطلع الشهر الجاري.

اقرأ أيضاً :

يرقد بالعناية المركزة.. تفاصيل محاولة اغتيال هشام جنينة بمصر

- معركة قديمة

المستشار هشام جنينة، الذي كان ملء السمع والبصر في مصر أقاله الرئيس عبد الفتاح السيسي من رئاسة أعلى هيئة رقابية في مصر، في مارس 2016، بالمخالفة للدستور، وتم الزج به إلى زنزانة ضيقة تعج بتجار المخدرات ومسجلي الخطر، لا لرشوة تقاضاها أو جريمة ارتكبها، وإنما لأنه أعلن حجم الفساد في مصر خلال أعوام ثلاثة، بينها عام واحد تحت حكم عبد الفتاح السيسي.

وجاء عزل جنينة بعد إعلانه أن فاتورة الفساد التي دفعتها مصر خلال أول أعوام حكم الجنرال، بلغت ست مئة مليار جنيه، وحوكم بالسجن عاماً بتهمة نشر أخبار كاذبة تهدف للنيل من سمعة الدولة.

ولم يقف الأمر عند حد عزل جنينة من منصبه وحسب، لكنه امتد ليطيح بابنته "شروق" من منصبها القضائي، وهو ما دفع صحيفة "الواشنطن بوست" الأمريكية إلى القول: إن "لعنة كشف الفساد تطارد عائلة جنينة".

ولاحقاً صدر بحقه حكم بالحبس لمدة عام مع وقف التنفيذ، وهو حكم كشف دلالات إضافية على ترسيخ السيسي للفساد في أجهزة الدولة بدلاً من مكافأة كاشفيه.

وفي حال أدين جنينة في التحقيقات التي ستجرى معه على خلفية تصريحاته الأخيرة، فإنه سيقضي عقوبة الحبس الموقوفة، إذ ينص القانون المصري على تطبيق العقوبة الموقوف تنفيذها حال أدين صاحبها بتهمة جديدة قبل انقضاء 3 سنوات من صدوره.

ولم يُفسر جنينة، في حواره الأخير، طبيعة تلك الوثائق التي تحدث عنها، ولا ماهيتها، لكنه ألمح إلى أنها ذات صلة بفترة إدارة المجلس العسكري لمصر بعد ثورة 25 يناير، وما حدث فيها من تجاوزات من قبل قوات الأمن.

- المولد والنشأة والمسؤوليات

ولد هشام أحمد فؤاد جنينة يوم 7 ديسمبر 1954 في مدينة المنصورة عاصمة محافظة الدقهلية الواقعة شمال شرقي الدلتا، وحصل على الإجازة في الحقوق من جامعة عين شمس عام 1976، وبكالوريوس علوم شرطة 1976.

وفي بداية مساره المهني، عين جنينة ضابطاً في الأمن العام خلال 1976-1978، ثم عُين 1978 معاوناً للنيابة العامة في نيابة الجيزة، فوكيلاً للنائب العام بمكتب النائب العام خلال 1980-1985.

وانتخِب لعدة دورات عضواً في مجلس إدارة نادي القضاة حتى أصبح أميناً عاماً له في الفترة من 2001 وحتى 2008. وشارك عام 2006 في اللجنة المُشكلة من وزارة العدل لتعديل قانون السلطة القضائية. وتولى رئاسة الجهاز المركزي للمحاسبات بدرجة وزير خلال 2012-2016.

دخل جنينة مرحلة حاسمة من مساره المهني حينما عُين قاضياً في محكمة الجيزة الابتدائية، ثم رئيساً لمحكمة شمال القاهرة الابتدائية، وانتقل إلى الكويت حيث أُعير للعمل قاضياً في محاكمها خلال 1995-2001، ثم عاد إلى ممارسة القضاء في مصر.

وظل جنينة في سلك القضاء حتى وصل إلى أعلى درجاته حين عين رئيساً لمحكمة استئناف القاهرة. وابتداءً من 6 سبتمبر 2012 تولى أعلى مناصب الإشراف القانوني على السلطة التنفيذية، حين وضعه الرئيس المصري المعزول محمد مرسي، على رأس الجهاز المركزي للمحاسبات بدرجة وزير بقرار جمهوري رقم 172 لسنة 2012.

وقد مكث جنينة في منصبه هذا حتى أقاله السيسي من منصبه يوم 28 مارس 2016. ولم تكن الإقالة، التي جاءت مخالفة للدستور بحسب قانونيين، أمراً مفاجئاً، بل كانت إجراءً متوقعاً من السلطات التي ظلت منزعجة لكون جنينة قد عينه مرسي، وازداد الانزعاج منه بعد كشفه جزءاً من فسادها.

ويعد المستشار جنينة أحد رموز "تيار استقلال القضاء" المعروف بدعمه الكامل لثورة 25 يناير 2011، وكان أحد أبرز المرشحين لوزارة العدل في حكومة هشام قنديل إبان رئاسة مرسي.

ومن تصريحاته الشهيرة: "إن وزير الداخلية السابق حبيب العادلي هو الذراع الأمنية لنظام مبارك، وممدوح مرعي (وزير العدل وقتها) هو الذراع القانونية لاستهداف القضاء، والنظام كان يحتمي بالسلطة القضائية لتزييف الانتخابات".

وبعد تعيينه رئيساً للجهاز المركزي للمحاسبات وجد جنينة أنه يقع على عاتقه تلبية مطالب ثورة 25 يناير بالكشف عن ملفات الفساد، وتحديد آليات العدالة الاجتماعية من خلال بوصلة المراقبة.

وقد أثبت سير الأحداث أن جنينة كان مستهدفاً من دبابير الفساد المنتشرة التي أعادت إنتاج نفسها بعد الانقلاب العسكري الذي قاده السيسي على مرسي، خصوصاً بعد أن رفض الرجل أن يصمت أو يجاري رموز هذا الفساد ومن يحميهم.

وحين صرح جنينة بأن المبالغ المفقودة بسبب الفساد بلغت نحو 600 مليار جنيه مصري ما بين 2012 و2015، شكل السيسي لجنة للتحقيق في هذه التصريحات، وقالت اللجنة إن جنينة "يبالغ، وإن حجم الفساد ستة مليارات وليس 600".

وعندما حاول جنينة تقديم الدليل على ما قاله، حظر السيسي نشر أدلته، ثم فوجئ الجميع بإحالته إلى نيابة أمن الدولة العليا، ثم عُزل خلال ساعات بقرار جمهوري أصدره السيسي بدعوى "إضراره بسمعة البلاد، وتأثيره على الاستثمار والاقتصاد"، وُمنع من السفر خارج البلاد.

وقد نُشر قرار الإقالة في الجريدة الرسمية للدولة، رغم أن المادة 216 في الدستور الذي أقر عام 2014 بعد الانقلاب على مرسي لا تسمح بإقالة رئيس الجهاز المركزي من منصبه، وهو ما يتوافق مع نص المادة 20 من قانون الجهاز المركزي.

ومساء يوم الاثنين 28 مارس 2016 أصدرت النيابة العامة المصرية قراراً يقضي بالقبض عليه، وذكرت نيابة أمن الدولة العليا أن التحريات "أشارت إلى قيام هشام جنينة بجمع المستندات والتقارير والمعلومات، والاحتفاظ بصورها، وبعض من أصولها مستغلاً صلاحيات منصبه".

ورغم إعلان جنينة عدم نيته الطعن على قرار عزله، فإنه رفع مؤخراً دعوى أمام القضاء الإداري لإلغاء القرار؛ "حفاظاً على هيبة المنصب في مواجهة تغول الرئيس"، كما قال.

وجاء رد السلطات سريعاً بإحالته إلى نيابة أمن الدولة التي وجهت له تهمة نشر أخبار كاذبة، وقررت، في يونيو الماضي، إخلاء سبيله على ذمة التحقيقات بكفالة مالية قدرها عشرة آلاف جنيه، وهو ما رفضه جنينة؛ قائلاً إن له محل سكن معروفاً، ولا يخشى عليه من الهرب، وهو ما دعا النيابة لإحالته للمحاكمة محبوساً.

لكن أسرة جنينة سارعت لفك أسره بدفع الكفالة المقررة، حتى أصدرت محكمة جنح القاهرة الجديدة، الخميس (7/28) 2016، حكماً بحبسه سنة وتغريمه عشرين ألف جنيه، عقاباً له على التفوه بكلمة "فساد" في عصر السيسي.

وفي تعليقه على الحكم، قال علي طه، عضو هيئة الدفاع عن جنينة، إن موكله "يحاكم لأنه وصف إهدار أموال الدولة بالفساد".