• العبارة بالضبط

الأمم المتحدة.. راعية لخطط التغيير الديمغرافي في سوريا

"السلام مهمة كاملة، ولا بد أن تخاض كما تخاض الحروب"، عبارة استعراضية يستقبلك بها الموقع الرسمي للأمم المتحدة، المنظمة العاجزة إلا عن إصدار بيانات إدانة واستنكار، كما لو كانت جمعية حقوقية محلية في دولة محكومة بالاستبداد.

ومن غير الواضح ما معنى السلام في عرف المنظمة الأممية، ففي سوريا كانت مهمة المنظمة لا تعدو أن تكون -فضلاً عن إصدار بيانات الشجب والقلق- الإشراف على خطط نظام بشار الأسد بتهجير أهالي القرى والبلدات الأكثر صموداً في وجه آلاته الوحشية المدمرة، هو وحلفاؤه من روسيا، إلى المليشيات العراقية والإيرانية واللبنانية، وإفراغها من سكانها.

وعلى الأقل أشرفت الأمم المتحدة على 3 حملات ممنهجة للتغير الديمغرافي الشامل في سوريا؛ في حمص القديمة، والزبداني، وداريا، فضلاً عن مشاركتها في رعاية حملات أخرى أقل حدة وشمولية، كما في مضايا والوعر، عدا عن سكوتها عن مساعي نظام الأسد الذي جلب مقاتلين أجانب من العراق ولبنان، فضلاً عمّا استوردته إيران من مرتزقة شيعة من أفغانستان وباكستان.

وكان بشار الأسد قد قال في خطاب له في يوليو/تموز 2015: إن "الوطن ليس لمن يسكن فيه، وليس لمن يحمل جواز سفره أو جنسيته، الوطن لمن يدافع عنه"، في إشارة واضحة إلى عزمه توطين وتجنيس المرتزقة والمليشيات الأجنبية التي تقاتل إلى جانب قواته.

وفي 7 مايو/أيار 2014، أشرفت الأمم المتحدة على تنفيذ أول اتفاق يفضي إلى إخلاء حمص القديمة من سكانها وأبنائها المقاتلين، بعد أكثر من عامين على حصار تلك الأحياء، وإبعادهم إلى أرياف حمص الشمالية.

وفي 28 ديسمبر/كانون الأول 2015، أشرفت الأمم المتحدة على خروج جرحى ومقاتلي الزبداني المحاصرة بريف دمشق الغربي إلى لبنان وإدلب، ضمن ما عرف باتفاق الزبداني–الفوعة وكفريا.

وبتاريخ 26 أغسطس/آب 2016، أشرفت الأمم المتحدة على خروج أهالي مدينة داريا، التي حوصرت على مدى 4 سنوات، وإخلائها من جميع سكانها.

وبين هذه الحالات أشرفت الأمم المتحدة على تنفيذ صفقات أخرى تدخل في باب التغيير الديمغرافي بدورها، كما في مضايا، وحي الوعر المحاصر حتى الآن.

ولم يصدر أي بيان أممي يحذر من أن ما يحدث في هذه البلاد خطير، ويستدعي تدخلاً للحفاظ على وشائج سوريا ونسيجها الاجتماعي.

- عملية تفريغ

واستخدم نشطاء وكتاب في سوريا كلمة "تفريغ" للحديث عن إخلاء مدينة داريا من سكانها، الجمعة، طبقاً لمطلب نظام الأسد، الذي أصرّ خلال المفاوضات مع ثوار المدينة على إجلاء جميع سكان المدنية، مقاتلين ومدنيين، أو حرقها وإبادة كل من فيها.

والمجلس المحلي في داريا نفسه استخدم هذا التعبير، رغم أنه طرف في المفاوضات التي يبدو أن الحاجة إليه أرغمت الثوار على الخضوع إليه؛ لإنقاذ أكثر من 8000 مدني من مجاعة محتومة بعد أكثر من 1374 يوماً من الحصار، الذي اشتد بشكل خانق جداً عقب سيطرة النظام وحلفائه على الأراضي الزراعية التي كان الأهالي قد استغلوها للصمود في وجه الحصار.

وتساءلت آمال في حسابها على تويتر قائلة: "تهجير أهالي داريا برعاية الأمم المتحدة، إذا انسحب الثوار لماذا يهجر أهلها منها؟ تفريغ المدن السورية من أهلها صار مشروعاً".

وغرد رشدي شربجي، من داريا، ساخراً بالقول: "يجري الآن تفريغ داريا من سكانها بإشراف الدولة السورية التي يجب الحفاظ على مؤسساتها".

وقال سعيد جرادي: "إذا كان الحل في سوريا يستدعي تفريغ المناطق من سكانها فهذا يعني أن الدول الخارجية شريكة مع النظام في تقسيم سوريا وقتل المدنيين".

"

بدوره رأى "منشق عن حزب الله" أن "إفراغ ⁧داريا⁩ الأسطورة التي قاومت هجمات وإجرام الأسد وحزب الله⁩ على مدى 4 سنوات من أهلها هو تغيير ديمغرافي لمصلحة مشروع الولي السفيه"، على حد تعبيره.

وفي غضون ذلك نشرت صفحات على فيسبوك موالية لنظام الأسد أنباء تفيد بأن "عائلات عراقية شيعية" قدمت إلى دمشق، وهو ما رأى فيه معلقون نية لدى النظام لتوطينهم في داريا.

وذكرت صفحة "دمشق الآن" المقربة من النظام السوري أن عوائل عراقية وصلت إلى مدينة دمشق، الجمعة، كانت قد هربت من تنظيم "الدولة" في العراق، الأمر الذي أثار ردود أفعال متباينة على الخبر، حيث تساءل بعض المعلقين عن كيفية وصول عوائل من مدينة الموصل -عاصمة التنظيم في العراق- إلى دمشق؟ باعتبار أن الطريق الوحيد السالك بين الموصل وسوريا براً سيمر من مدينة الرقة حتماً، والتي تخضع للتنظيم أيضاً.

بينما رأى آخرون وصول العوائل العراقية اليوم توقيتاً مناسباً لتوطينهم في مدينة داريا على أطراف العاصمة دمشق، التي بدأت خطوات تفريغها من سكانها ومقاتليها بالفعل.

ورغم الصورة السوداوية لفكرة حملات التفريغ الممنهجة التي تشرف عليها الأمم المتحدة، إلا أن للكاتب السوري، حكم البابا، في هذا الشأن رأياً آخر.

وقال البابا في منشور له على فيسبوك: "رغم كل أنواع السلالات والاحتلالات والحقب التي مرّت على الشام بعد الأمويين، ومن هؤلاء من كان شديد العداوة والبغضاء لكل ما هو أموي، وأراد وعمل على طمس وتغيير وإخفاء آثار أعظم حضارة شهدتها هذه البقعة من الأرض، إلاّ أن هوية الشام بقيت أموية، ولا تذكر دمشق بدون ذكر الأمويين، ولا يذكر الأمويون بدون الشام".

وأضاف: "لا تخافوا من وهم التغيير الديمغرافي، فشذاذ الآفاق، طالبو الثأر الأعمى، من أحفاد من هربوا في كربلاء، ومن هزموا في القادسية، المحكومين بإرث هاتين الهزيمتين، غير قادرين على تغيير وجه الشام الأموي".