مجازفات مصر تثير دعوات خليجية لإعادة تقييم العلاقة

أرسى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، منذ توليه الحكم، أكثر السياسات الخارجية تقلباً ومجازفة، وخروجاً عن الإجماع العربي الرافض لاستمرار الحروب والنزاعات في منطقة الشرق الأوسط.

وتشكل المغامرات المصرية التي يتبعها السيسي تحولاً جذرياً أدى إلى تصاعد دعوات خليجية لإعادة تقييم العلاقة مع مصر، ولا سيما عقب تأييد القاهرة في مجلس الأمن الدولي قبل يومين، لمشروع القرار الروسي حول الوضع في سوريا.

ووصف المندوب السعودي لدى الأمم المتحدة، عبد الله المُعلمي، الخطوة المصرية بالمؤلمة، في أول مرة يخرج فيها انتقاد علني سعودي لمصر، في حين وصفت مندوبة دولة قطر لدى الأمم المتحدة، علياء آل ثاني، الموقف المصري بالمؤسف، وقالت إن المهم الآن هو التركيز على ما يمكن فعله لمواجهة فشل مجلس الأمن في حل الأزمة السورية.

ويراهن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على عودة قوية للدب الروسي إلى المنطقة انطلاقاً من سوريا المدمرة، خاصة مع الموقف الأمريكي المتردد بشأن القضايا الساخنة في الشرق الأوسط.

واستنكر رئيس الديوان الملكي السعودي السابق، خالد التويجري، الموقف المصري وقال: "أنسيتم مواقفنا معكم كأشقاء!!".

وتعتمد مصر على المعونات الخليجية التي أخذت بالتبخر مؤخراً؛ من جراء انخفاض أسعار النفط، في وقت تحاول القاهرة زيادة مواردها من العملة الصعبة لتسريع وتيرة تعافي الاقتصاد، بعد خمس سنوات من الاضطرابات التي أعقبت الإطاحة بحكم حسني مبارك في 2011، وكانت المساعدات البترولية توفر لها مئات الملايين من الدولارات شهرياً.

وقال تجار مصريون قبل يومين، لرويترز، إن القاهرة لم تتلق مخصصات المساعدات البترولية السعودية لشهر أكتوبر/ تشرين الأول دون أسباب، وهو ما اضطر الهيئة المصرية العامة للبترول إلى زيادة مناقصاتها سريعاً، حتى في ظل نقص حاد في الدولار، وزيادة المتأخرات المستحقة لشركات إنتاج النفط.

ووافقت السعودية على إمداد مصر بمنتجات بترولية مكررة بواقع 700 ألف طن شهرياً لمدة خمس سنوات، بموجب اتفاق بقيمة 23 مليار دولار بين شركة أرامكو السعودية والهيئة المصرية العامة للبترول، جرى توقيعه خلال زيارة رسمية قام بها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز لمصر هذا العام.

وضخت المملكة مليارات الدولارات، شملت منحاً في الاقتصاد المصري، منذ الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في عام 2013.

ويقول الكاتب السعودي تركي الشلهوب: "نظام السيسي لا يصلح أن يكون حليفاً؛ لأنه نظام قائم على الابتزاز، ويقف مع مَن يدفع له أكثر، لا أخلاق ولا مبادئ".

لكن السفير أحمد أبو زيد، المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية حاول التخفيف من حدة الأزمة بالقول: "إن تصويت مصر لصالح مشروع القرار الروسي في مجلس الأمن الدولي بشأن الأزمة السورية، على حساب المشروع السعودي، يأتي في إطار دعم مصر للشعب السوري، وحقن دماء السوريين، ومكافحة الإرهاب".

وقال خلال مداخلة هاتفية على قناة "سي بي سي": "ليس صحيحاً أن مصر تخالف الموقف العربي، مصر أثناء تصويتها تنظر للمقصد والهدف، ولا تنظر للدول التي تقدم المقترح أو المشروع".

في حين يذهب مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول، مهنا الحبيل، أبعد من ذلك، بالقول: إن "أفضل مشروع لمصلحة إيران كان انقلاب مصر. ضرب التوازن العربي، وتحييد مصر، ثم استقطبها لصالحه، وسحق ثورة سوريا، فحققت طهران صفقة الغرب (النووي)".

وتابع في سلسلة تغريدات له على تويتر: "كان هناك مشروع لتطويق الأسد في عهد مرسي، وكان يعد اجتماع 3+1؛ أي مصر والسعودية وتركيا مع إيران، لضغط سياسي لانسحابها، انتهى كل شيء بعد الانقلاب".

وأعاد مغردون على تويتر، من خلال وسم #مصر_تصوت_لصالح_المشروع_الروسي، نشر مقطع مصور للرئيس مرسي، يعلن فيه قطع العلاقات تماماً مع النظام السوري الحالي، وإغلاق سفارتها بالقاهرة، ويطالب مليشيات حزب الله بالكف عن التدخل بسوريا.

ومنذ سقوط صنعاء بيد الحوثيين (حليف إيران في اليمن) في 21 سبتمبر/أيلول 2014، لم تعط مصر مواقف واضحة حول "الحاكمين الجدد"، لكنها سعت إلى تحقيق أمرين؛ وهما: دور أكبر في المنطقة من خلال الدخول في خط "الأزمة اليمنية"، وحماية مصالحها المرتبطة بمضيق "باب المندب".

المضيق الذي يكتسب أهمية دولية كممر مائي دولي، تشقه ناقلات النفط في طريقها من منابع الجزيرة العربية وإيران إلى القارة العجوز والعالم الجديد، عبر قناة السويس، كان أبرز تخوفات مصر، عقب سيطرة الجماعة الحوثية على العاصمة اليمنية صنعاء.

الحوثيون ترجموا التخوفات المصرية، وحولوها لعلاقات تبدو متينة مع القاهرة عبر استقبال عدة وفود حوثية منذ بدء الأزمة، وتنظيم معرض حوثي مؤخراً بالقاهرة بعنوان: "أوقفوا العدوان على اليمن"، بعكس الموقف الخليجي والدولي الذي يعتبر سيطرة الحوثيين بمنزلة "انقلاب" على الرئاسة اليمنية، فكسبت مصر الحوثيين لمصلحتها، ليكون لها دور أكبر في المنطقة.

ويرى مراقبون بالقاهرة أن هناك مصالح مصرية حوثية مشتركة؛ إذ تسعى القاهرة لإيجاد دور لها في حل الأزمة اليمنية يجعل السعودية تعتمد عليها في النهاية، وقد تبدو كورقة ضغط مصرية من خلال تعميق حلف مصر مع روسيا وإيران.