• العبارة بالضبط

"أهلاً بكم في وطن اليهود".. فيلم دعائي ينكر الفلسطينيين والنكبة

خلال ثلاث دقائق ونصف الدقيقة، يسخر الفيلم الإسرائيلي "أهلاً بكم في وطن اليهود" من التاريخ، وينكر النكبة ويتجاهل حقيقة أن الفلسطينيين سكّان أصليون في أرض فلسطين، وأن النكبة حصلت بالفعل، وأن موجات هجرة اليهود الكبيرة امتدت سنوات طويلة قبل النكبة وبعدها لتأسيس دولة الاحتلال.

هذا الفيلم الدعائي، نشرته وزارة خارجية الاحتلال على صفحاتها الرسمية منذ أيام، وأنتجه قسم الاتصالات والإعلام باللغة الإنجليزية؛ كونه موجهاً للمجتمع الدولي لتحسين صورة الاحتلال في وقت تشهد فيه أوروبا وأمريكا حملات مقاطعة كبيرة ضده.

تعرض الدقائق الثلاث زوجين شابين، يعقوب وراحيل، (يمثلان الشعب اليهودي) وهما يعيشان وحدهما في منزل عصري، أطلق عليه اسم "أرض إسرائيل". بعد قليل من بداية الفيلم، يدق باب المنزل، فيظهر جنديّ بزيّ عسكري قديم يمثّل الآشوريين الذين قدموا لاجتياح البلاد والاستيطان فيها وينجحون في ذلك، وبعد سنوات ينضم إليهم المزيد من الآشوريين الذين يتصارعون على الحكم.

اقرأ أيضاً :
بدائل مقترحة لقضية فلسطين بعيداً عن حل الدولتين


وبالمشاهد التالية، يعرض سريعاً تعاقب الأمم على البيت، الذي يمثل البلاد، فيأتي اليونانيون والرومان، ومن ثم العرب، والحملات الصليبية بقيادة ريتشارد قلب الأسد، ولاحقاً في عام 1260م يأتي المماليك. وبعد لجوئهم إلى الخيمة في حديقة المنزل بحثاً عن "السلام"، يأتي الأتراك والعثمانيون ويعمّ الهدوء. هذا الهدوء يمثل فترة حكم العثمانيين التي طالت دون أحداث دامية في فلسطين.

وهنا، يقول الصوت: "هل حلّ الهدوء أخيراً؟ هل ترك الجميع بيتي، أرض إسرائيل؟". لكن، لحظات ويدق البابَ جندي بريطاني – يمثل الانتداب-ويخبرهما في أثناء احتساء الشاي بأن الأمم المتحدة قررت منح اليهود أرض فلسطين شريطة التوقيع على اتفاقية –التي تمثل بالغالب اتفاقية التقسيم. يفرح الزوجان ويشعران بالانتصار ويبدو أن الفيلم انتهى هنا.

لكن، هنا يدق الباب مرة أخرى ويتعجب الزوجان. فيفتحان الباب ليجدا زوجين فلسطينيين يقفان أمامها. هنا، ينتهي الفيلم متجاهلاً السردية التاريخية لفلسطين والوجود الأصيل للفلسطينيين في تلك الأرض.

الرسائل الضمنية
ومن خلال السيناريو المكتوب يمكن ملاحظة الرسائل الضمنية التي يحاول الاحتلال إيصالها. الرسالة الأولى هي أن اليهود كانوا منذ أكثر من 3000 سنة في أرض فلسطين وحدهم، ويتمثل ذلك بوجودهم وحيدين في منزلهم الشخصي. إلا أن ذلك يتجاهل، بشكل صارخ، السردية التاريخية بأن اليهود دائماً كانوا أقلية في أرض فلسطين التاريخية وأنهم تحوّلوا لأغلبية فقط بعد النكبة وموجات الهجرة الجماعية ليهود الشتات.

ثانياً، يقول السيناريو على لسان الممثل: "غرفة الأطفال تبدو رائعة إن أردت البحث عن القليل من الهدوء والسلام". ولاحقاً، مرة أخرى: "حاولنا الحصول على القليل من الهدوء والسلام". ومن هنا، فإن تكرار تعابير البحث عن السلام والهدوء والعزوف عن القتال والمشاركة في النزاعات يهدف إلى خلق فكرة، مفادها أن الإسرائيليين دائمو البحث عن السلام وأنهم دائماً كانوا ضحية نزاعات واعتداءات خارجية.

ثالثاً، وبشكل مختلف عن المشاهد السابقة، ينكر الفيلم بشكل صارخ وجود الفلسطينيين في فلسطين كسكان أصليين، والاعتداءات والمذابح المنظمة التي شنتها العصابات الصهيونية في أثناء انتهاء الانتداب البريطاني ضد الفلسطينيين وبعده، والتي أدت إلى المصاب الأكثر تعقيداً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، وهو النكبة.

في المشهد النهائي –الذي يأتي بعد وعد بلفور واتفاقية التقسيم- يدق الباب مرة أخيرة. يُفتح الباب فيظهر رجل يرتدي كوفية ويحمل مسبحة، وامرأة ترتدي حجاباً وعباءة سوداء، ومع الموسيقى الخلفية للمشهد يتضح أن المشهد يمثل الفلسطينيين.

الإنكار هنا للوجود الفلسطيني لا يثبته سيناريو، ولا يحتاج كلمات، فالمشهد صامت تماماً، خالٍ إلا من موسيقى خلفية حزينة، ونظرة استغراب وإنكار من جانب يعقوب وراحيل.

الفيلم.. ثمرة الدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية
ويأتي الفيلم القصير ضمن جهود الاحتلال الجديدة لتعزيز قسم "الدبلوماسية الجماهيرية" والدبلوماسية الرقمية أو ما يعرف بالـ"هسبارا"، وهو الجهة الرسمية المؤسسة حديثاً والمسؤولة عن إعداد وإنتاج مواد دعائية توجّه لشعوب العالم كأفراد وليس بالضرورة للجهات الرسمية.
هذا القسم، يعتمد على وضع استراتيجيات تدفع الطرف الآخر -سواء كان شعوب دول صديقة أو دول عربية مقاطعة- لخوض نقاش سياسي أو فكري عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الذي سيؤدي –بتصورهم – إلى تطبيع العلاقات وتغيير الوعي وصورة الاحتلال في الأذهان على المدى البعيد.