من فيكتوريا إلى أوبر.. التاكسي خدمة تعكس حاجة المجتمع وثقافته

تؤدي سيارات التاكسي ومجتمع سائقي التاكسي دوراً أساسياً في تشكيل صورة عن مجتمع ما، فالمتجولون بين المدن يعقدون المقارنات بين مجتمعين أو أكثر بناء على عوامل عدة منها سيارات التاكسي، من حيث منظرها الخارجي، ومدى توفرها ودرجة أمانها وثقافة وسلوك سائقيها.

فالتاكسي، لكونها وسيلة نقل عامة يتعاقب عليها مئات الزبائن من الركاب يومياً، يمكن أن تكون مرآة تعكس هموم المجتمع وتقدم موجزاً وتفصيلاً (بحسب طول الرحلة وشخصية السائق والركاب) لأبرز النقاشات الدائرة في الحيز العام، بما يشبه نشرة أخبار يومية أو لمحة عامة عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في البلد.

اقرأ أيضاً :

الصيام الرقمي.. كيف هجر هؤلاء فيسبوك؟

هذا النمط، يميّز مجتمع سيارات التاكسي في مدن دون أخرى، ففي عمّان ومصر مثلاً يسمح نظام التاكسي بالتواصل المباشر بين السائق والركاب، فيتبادلون الحديث شاؤوا أم أبوا، أما في لندن فيفصل حاجز زجاجي بين السائق والركاب بشكل يعلّق عملية التواصل بينهم بالكامل، ويكتفي الراكب بتسديد الأجرة عن طريق شباك صغير مخصص لذلك بالحاجز الزجاجي.

- في البدء... فيكتوريا

لا ريب أنه لم تبدأ خدمة النقل العام في تسعينيات القرن الـ19؛ فقد كانت موجودة بوجود أول وسيلة نقل، إذ أَقَلَّ الناسُ بعضهم بعضاً من خلال الدراجات الهوائية، لكن عام 1897 شهد تشغيل أول سيارة تاكسي تعمل بمحرّك وقود وتستخدم العدّاد، فكانت "دايملر فيكتوريا"، التي اجتاحت السوق خلال أشهر قليلة.

وكانت "دايملر فيكتوريا" مزودة أيضاً بنظام بدائي للتحكم في الحرارة، إذ يمكن تدفئتها بالشتاء، أو فك بعض القطع القابلة للتحريك، مثل السقف والأبواب، كي يتسنى للهواء الدخول في الصيف.

حتى عام 1899 وجد في السوق 7 سيارات تاكسي من هذا النوع، استحوذ عليها فريديريك غرينيير الألماني، وهو رائد أعمال من شتوتغارت، أسس أول شركة سيارات أجرة تعمل على المحرك.

- التسعيرة

"تاكسي ميتير" أو العدّاد، غالباً ما تكون إحدى هذه الكلمات هي الأولى التي تبدأ من خلالها المحادثة بين الراكب والسائق، وغالباً أيضاً ما يكون العدّاد حاضراً في شجارات الراكب والسائق إذا اختلفا على تكلفة المشوار. كانت فكرة العدّاد موجودة في النقل العام في روما القديمة، ولكن ويهليم برون المخترع الألماني هو أول من اخترع عدّاد الأجرة الحديث عام 1891، ليقدم حساباً أدق للتسعيرة.

غالباً لا يعرف الجيل الحالي إلا العداد الإلكتروني الصامت في السيارات، ولا يعرفون العدّاد الأول الذي كان مثبّتاً خارج السيارة بجانب الدولاب الأمامي من جهة السائق. فقط في ثمانينيات القرن العشرين ظهر العدّاد الإلكتروني الأول ليختفي بذلك صوت الضجيج الرتيب الذي كان يصدره العداد الأول.

التسعيرة باختلافها بين الدول والمدن تعتبر أيضاً عاملاً إضافياً يحدد فئة مجتمع راكبي التاكسي، فمن يستطيع ركوب التاكسي في عمّان ليس بالضرورة أن يقدر على ذلك في لندن وأوسلو والكثير من المدن؛ إذ تختلف التسعيرة بين مدينة وأخرى، وقد يتعلق ذلك جزئياً بالوضع الاقتصادي للدولة، لكن ليس بالضرورة.

وكون المواصلات العامة وتكلفتها مؤشراً من مؤشرات الغلاء، تصدر تقارير سنوية تعرض أغلى المدن من حيث تسعيرة التاكسي في العالم، وأرخصها أيضاً، وذلك وفق تقدير تسعيرة الـ 3 أميال خلال النهار داخل المدينة نفسها. وأغلى مدينة من هذا الجانب هي أوسلو السويسرية (32.1 دولاراً)، تليها زيورخ (27.59 دولاراً) ولوكسمبورغ (22.34 دولاراً)، بالمقابل تعد نيو دلهي وكييف وبوغوتا وبانكوك هي الأكثر رخصاً، فتسعيرة التاكسي فيها لا تزيد على دولارين للـ 3 أميال، وتليهم القاهرة بـ (2.4 دولار).

- مع أوبر... وداعاً للتاكسي التقليدي؟

ولا يمكن الحديث عن التاكسي التقليدي دون التطرق إلى الثورة التي أحدثتها التكنولوجيا وأدوات التواصل الاجتماعي، والتي غيّرت بالمجمل قطاع الخدمات، وأعادت تعريف علاقة المستهلك بمزود الخدمة، وغيّرت وسائل تقديم هذه الخدمة.

في عالم المواصلات، أوبر– تطبيق المواصلات العامة غير الرسمية- هو أفضل مثال على المنصات الخدماتية الجديدة التي يقلق مجتمع سيارات التاكسي التقليدية منها. فمع أوبر، تصبح عملية طلب التاكسي لا تحتاج أكثر من لمسة للهاتف الذكي لاختيار التطبيق وطلب التاكسي، كما أن إمكانية تحديد التكلفة مسبقاً ومكان الهدف ودفع الفاتورة عبر بطاقة الائتمان، يحيّد دور العدّاد وينهي الحديث بين الراكب والسائق.

واقتصادياً بالأساس تسبب أزمة كبيرة لقطاع التاكسي العمومي، فهي منخفضة التكلفة، وتوفر معايير أمان أكبر، وتجنّب الزبون الكثير من المتاعب والحديث، ومن هنا تخوض التاكسي صراعاً آنياً حاداً مع شركة أوبر، وتطالب في الكثير من دول العالم بفرض الضرائب على خدماته، للحفاظ على التاكسي التقليدي من الاندثار.