• العبارة بالضبط

هل تدفع العاصفة الترابية ما جلبته للموصل؟!

شهدت مدينة الموصل اليوم عاصفة ترابية شديدة حجبت مدى الرؤية، ما دفع بالقوات الأمنية لتأجيل تقدمها نحو المدينة بعد العصر؛ بسبب سوء الأحوال الجوية، وكثافة الغبار، وسرعة الرياح، وانعدام الرؤية، فهل يعيد التاريخ نفسه وتكون العاصفة فاتحة خير على المدينة مثلما كانت بداية مأساتها قبل سنتين ونصف تقريباً.

يوم الخامس من حزيران 2014، وبالتحديد يوم الخميس، شهدت مدينة الموصل عاصفة ترابية قوية مشابهة لما تشهده اليوم، ومع تصاعد الغبار وزيادة سرعة الرياح، فرضت القوات الأمنية حظراً مفاجئاً للتجوال، بعد ورود أنباء عن نية تنظيم داعش اقتحام المدينة، خصوصاً بعد تمكنه من اقتحام مدينة سامراء بمحافظة صلاح الدين، وسيطرته على عدد من الأحياء فيها.

في ذلك اليوم ارتبكت الحياة بالموصل، وعمت الفوضى؛ فطلبة الجامعة يغادرون الحرم الجامعي بعد إنهاء أحد أيام الامتحانات النهائية، لكنهم محاصرون أمام بوابة الجامعة، بعضهم قرر العودة سيراً على الأقدام إلى منزله تلافياً لأي مشاكل، خصوصاً الطالبات، الموظفون في دوائرهم ومؤسساتهم أصبحوا في حيرة من أمرهم، كيف يعودون إلى منازلهم وقد قطعت الطرق، ومثلهم الناس في الأسواق، وأصحاب المحال التجارية، والعاملون في الورش، والحرفيون وغيرهم، قيادة عمليات نينوى منعت الحركة نهائياً في شوارع الموصل، ووجد الكثير من أهالي المدينة أنفسهم محاصرين في منطقة محددة يمنع مغادرتهم إياها.

اقرأ أيضاً :

الموصل.. شرارة المستقبل؟

لم تمض ساعات ورفعت قيادة عمليات نينوى في حينها حظر التجوال، وعاد الأهالي إلى منازلهم، لكن منع التجوال لم يكن كافياً لعودة الحياة للمدينة، على أمل أن يعاود الموصليون حياتهم العادية مع الأسبوع التالي، وأن ينسوا ما حصل؛ لأن مثل هذه الأحداث تكررت على مدى الأعوام السابقة، لم يعلموا أنهم باتوا ليلتهم الأخيرة قبل وقوع الكارثة، ودخول الموصل نفق المأساة الإنسانية والحضارية، وتحول الحياة فيها إلى منعطف تاريخي لم تشهده البشرية قبل ذلك.

استيقظ أهالي الموصل صبيحة يوم الجمعة على أخبار متسارعة ومتلاحقة؛ أنباء عن اقتحام جماعات مسلحة المدينة من جهتها الغربية وسيطرتها على بعض المناطق هناك. سكان تلك المناطق كانوا أول من علم بالأمر، ففي الساعة الرابعة صباحاً سمعوا أصوات الإطلاقات النارية، وكذلك الجرافات التي تقوم برفع الحواجز التي وضعتها القوات الأمنية منذ سنوات كإجراءات أمنية احترازية.

استمر تقدم نحو 300 مسلح من تنظيم داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام) اسم التنظيم في حينها، قادمين من الصحراء، وعلى ظهر عجلات رباعية الدفع، يحملون أسلحة خفيفة ومتوسطة، ساندهم بعض الخلايا النائمة من الموالين للتنظيم، وكذلك من كتائب النقشبندية الموالية لحزب البعث، أمام تقهقر القوات الأمنية طيلة الأيام الأربعة التالية، ومع وصول كبار قادة الجيش العراقي؛ الفريق عبود كنبر، والفريق علي غيدان، بأمر من القائد العام للقوات المسلحة السابق، نوري المالكي، إلا أن وجودهم في الموصل لم يغير من انهيار معنويات القوات الأمنية، بعد تفشي الفساد بين صفوفها، وضرب أطنابه بكل مفاصلها، فضلاً عن غياب الخطط العسكرية والأمنية لمواجهة مثل هكذا حالات وصراعات بين قادة الأجهزة الأمنية المكلفة بمسك الملفات الأمنية للمدينة، وخلافهم مع الإدارة المدنية للموصل، متمثلة بمحافظها السابق، أثيل النجيفي.

لم تدق ساعة منتصف ليلة التاسع على العاشر من حزيران 2014 حتى كان كامل الجانب الأيمن (الغربي) بيد تنظيم داعش، ومع فجر يوم الثلاثاء، العاشر من حزيران الموافق، وقعت الموصل، ثاني أكبر مدينة عراقية من حيث المساحة والسكان، بجميع مفاصلها بيد تنظيم داعش، بعد استكمال سيطرته على جميع الجانب الأيسر (الشرقي)، الذي استمر بعجلاته تقدماً للسيطرة على ثلث مساحة العراق.

اليوم بدت القوات الأمنية العراقية غير تلك القوات، بعد أن دربت عسكرياً على يد التحالف الدولي، وتمتلك روحاً معنوية وقتالية عالية، بدأت باقتحام الموصل من جانبها الشرقي، ومن الساحل الأيسر، واليوم لأول مرة منذ 10 حزيران 2014، تدخل القوات الأمنية أرض الموصل، وبدأ الأهالي في الأحياء الشرقية بمشاهدة تلك القوات بأم أعينهم لأول مرة منذ ذلك التاريخ، فهل يعيد التاريخ نفسه، وهل تدفع العاصفة ما جلبته قبل عامين ونصف.

نسأل الله ذلك.