تحليل خطاب الحرس الثوري الإيراني في الملف السوري

لقد نشرت قبل أيام وكالة الأنباء (فارس)، المدعومة من قبل الحرس الثوري، أقوالاً من اللواء حسين همداني المقتول في سوريا 2015م، بشكل صريح غير مسبوق، من ضمن ما تنشره من أقوال بين حين وآخر عن قتلى الحرس الثوري أو مما تقتضبه من كلمات عن صناع القرار في النظام الإيراني. ولو تم التدقيق الدلالي في هذه الأقوال وغيرها فإنه يكشف نوايا إيران في وقوفها إلى جانب نظام سوريا السياسي ضمن نوايا عامة توسعية في المنطقة، ومن ضمنها الخليج العربي.

ويمكن القول الآن تمهيداً لتحليل الأقوال إنها دالة على جزء من كل بالنسبة إلى خطاب نظام ولاية الفقيه الذي يتسرب بين حين وآخر، وتكشف أيضاً عن تطور الأهداف طيلة ما يقرب من أربعين عاماً من سياسة إيران في المنطقة، وأنها في نهاية الأمر تبدي لنا مواقف صناع القرار وجنودهم العميان، وعلى رأسهم المرشد الأعلى خامنئي، هذا إن لوحظت في سياق context دونما شك، لكن الأهم المجمل أن الأقوال تكشف عن اختلاق تبريري لنظام إيران في التدخل بالملف السوري، ثم نقض كذبة تقديم الاستشارة العسكرية لضباط الجيش السوري أو النظام السوري عموماً، وغيرها من الأكاذيب المفضوحة.. إذ إنه يبرر تدخله العسكري خارج إيران في السنوات الأخيرة بهذه الذريعة نفسها، حيث تؤديه وسائل إعلام عميلة إلى أسماع العرب والغرب، تحت اسم الاستشارة العسكرية!.. إلى جانب الإعلام الرسمي المعني بالمواطن الإيراني البائس؛ بغية تخدير وعيه وصرفه عما يحدث لإيران في الصعيد الإقليمي وحتى الدولي، بشعار (دفاع از حريم ولايت = الدفاع عن حرم الولاية) الموجه إلى الداخل طبعاً، وذلك عندما يسأل المواطن عن صلة التدخل في الملف السوري بالتحديد.

ومن خلال متابعتي للأقوال لم أجد متى قيلت وبأيّ مكان ألقيت؟ لكن كما بينت وفقاً لقاعدة تحليل الخطاب يكشف هذا اللواء المقتول عن مستوى فهم متسافل وعقدي منحط وعدائي تحمله أكبر قوة عسكرية في إيران؛ وهي الحرس الثوري (= سپاه پاسداران انقلاب اسلامی) واستطراداً قدرته على اختلاق الأكاذيب، وافتعال التبريرات والأدلة الواهية في التدخل في الملف السوري، ولا يهمه مستقبل الشعب السوري ولو أفني على بكرة أبيه، أو حتى وإنْ تكوَّن بحر من الدم في المنطقة كما سيرد صحة هذا الاستدلال بعد قليل.

وأما الأقوال التي نشرتها وكالة (فارس)، فهي كالآتي:

أ) «نظام حافظ أسد أول من اعترف بالثورة في إيران»!

ب) «إن حافظ الأسد في أثناء الحرب التي بدأت مع العراق قام بإغلاق معابر النفط التي تنقل نفط العراق إلى البحر المتوسط، وهي الوحيدة التي كانت لهذا الغرض للعراق، ومع أنه ضرر نفسه اقتصادياً فإنه قام بفعل باهظ الثمن من أجل الثورة»!

ج) «لقد مَكَّنَنَا نظام حافظ الأسد من الوصول إلى المعدات الحربية والعتاد العسكري الخاص بالجيش السوري في أثناء معركتنا مع العراق»!

هـ) «ألا ينبغي [وفقاً لهذا] الآن الذهاب للتدخل في الحفاظ على النظام في سوريا؟».

و) «لو لم تكن سوريا لانتهى حزب الله أمرُهُ منذ سنوات، وهو أكبر نتاج الجمهورية الإسلامية وصنيعتها العظيمة في المنطقة! لقد ساندْنَا حزب الله عبر جمهورية سوريا؛ وذلك لأننا لم نكن على صلة حينها بلبنان»!

ز) «إن المعركة القائمة اليوم هي على محور المقاومة! المقاومة التي بنيناها وفقاً للثورة الإيرانية»!

ح) «لاحظوا رسالة بشار الأسد إلى [الخامنئي] سيادة المرشد الأعلى، كأنها رسالة جندي مقاتل إلى قائده الأعلى»!

«إن واجبنا، واجبنا الإنساني! والأخلاقي! يملي علينا أن نحافظ على [نظام بشار الأسد] وكلُّ تحيةِ سلام لها: وعليكم السلام»!

والآن؛ لو حللنا فهامة هذا اللواء المقتول، حيث هو من ضمن أعلى رتبة لقيادة الحرس الثوري الإيراني (= سپاه پاسداران انقلاب اسلامی)، على إن كان مستواه بهذا الانحطاط، وهو جندي سريّ مهمته الملف السوري، فإنه يبدي بشكل ما تبعاً رؤية قيادات الحرس الثوري على الإطلاق، والاستخبارات التابعة له التي تعرف بالوزارة الموزاية لاستخبارات الدولة. وحيث هذه القوة ومتعلقاتها أداة حديدية بيد المرشد الأعلى الخامنئي.. فإن رؤية الحرس الثوري يعبر عن مستوى تفكير المرشد نفسه دونما ارتياب في النتيجة.

ويمكن الآن ملاحظ الأقوال السالفة ضمن القضية الشرطية المنطقية لإيضاح مراده كما في الآتي:

1. كل تحية سلام لها عليك السلام، فلا بد من الذهاب إلى سوريا!

2. حافظ الأسد أول من اعترف بنا، فلا بد من الذهاب إلى سوريا!

3. رسالة بشار رسالة الجندي إلى قائده، فلا بد من الذهاب إلى سوريا!

4. نظام سوريا يحافظ على قيم المقاومة التي صنعها معتقد ولاية الفقيه، فلا بد من الذهاب إلى سوريا!

فهل هذه هي مبررات التدخل في سوريا؟

ألا يكفي ما قدمته إيران للنظام السوري، وأهمه نفط الأحواز منذ مجيء الخميني 1978، وإلى اللحظة هذه، حتى لزم البحث عن مبررات أخرى لمساندته؟ ألا تكفي مليارات الدولارات لإبراء ذمة النظام الإيراني تجاه وفاء نظام حافظ الأسد طوال الحرب على العراق حسب ما تزعم الأقوال، وإنْ أدى الدعم المالي إلى تجويع المواطن الإيراني وحرمانه من متطلبات الحياة الكريمة؟

هذا وإن اللواء المقتول، وبهذه البساطة، يكشف عن تهافت خطاب لدى نظام سياسي يدعي أنه يمتلك رؤى فحواها السلام والإخاء وعدم التدخل في شؤون دول الجوار أو المنطقة العربية أو الخليج العربي.. إنْ سلمنا أن أقواله تتجه فعلاً لهذه الحقيقة التي أشار إليها وركز عليها، ولا حاجة للحديث عن شعارات مبدئية كـ(تصدير الثورة).. (طهران أم القرى الشيعية).. وغيرهما.. ومن هنا يسود ما يمكن أن نطلق عليه (منطق الوفاء البلطجي) في نظام ولاية الفقيه؛ لأن نظام الأسد عربد إلى الثورة الإيرانية معترفاً بها، فلا بد من ردّ جميل!!

لا شك أن هذه الأقوال، التي تشكل دوال خطاب كلياني، يلزم لحاظها في ظرف الزمكاني، حيث إنها تزامنت مع محاولة تونس ومصر وليبيا في التغيير، وقد رحبت إيران به وأضفت عليه صفة (بيدارى اسلامى) (= الصحوة الإسلامية) بينما رفضته في سوريا، ولهذا اختل معيار إيران النفاقي بالنسبة إلى سوريا!! وقد علمت أن التغيير سوف يرد حدودها ضمن تحريك أنصار (جنبش سبز) (= الحركة الخضراء) أو ملف الشعوب ومنها الشعب الأحوازي؛ ولذا كان عليها تَدارك الأحوال كي تحافظ على كيانها وتبقي نظام حافظ الأسد إلى جانبها.

ولكن، الأهم الآن هو إعادة الانسجام مع ذهنية هذا اللواء المقتول عبر النسقية التي نستعيرها من أصول تحليل الخطاب وفقاً لقاعدة (المفهوم الدلالي)، وهي:

1. يجب الحرب مع أعداء إيران، بخاصة الدول السنية كالمملكة السعودية، في أرض سوريا إن لزمت الحرب، كي تسلم حدود إيران.

2. سقوط بشار الأسد يعني القطيعة مع حزب الله أو انعدامه أساساً في لبنان!

3. الانحراف الأخلاقي وعدم الإباءة من إشعال أيّة حرب في أيّ بلد عربي بغية الحفاظ على سيادة إيران في أراضيها، وقمع مطالبات الشعوب غير الفارسية، وعلى رأسها مطالبات الشعب العربي الأحوازي!

إلى غير ذلك من النقاط التي يمكن الإشارة إليها بصورة عابرة، وهي من قبيل تهديد الأنظمة السنية المستقرة ونية العبث بأمنها.. ونشر الصفوية و..

والسؤال الآن: أقوال هذا اللواء المقتول الخالية من قيم الأخلاق والإنسانية لأنها لم تتطرق إلى ذكر ما يحل من تدمير لنسيج الشعب، وحرق البلد، وتحطيم الحضارة، والقتل طفلاً وكهلاً.. وتمزيق الثقافة العريقة.. وأساساً ماذا لو بُدد الشعب السوري!! إن استمرت الحالة على ما هي عليه من كارثة بشرية؟ ثم ماذا تعني هذه الأقوال من قيادي عسكري بلد يدعى أن نظامه أُسس على أسس الدين والأخلاق والإنسانية؟

فهل نحن أمام تكوّن (منطق الوفاء البلطجي) في نظام ولاية الفقيه حقاً، نظراً لهذه الأقوال الكاشفة عن انخفاض البصيرة في الأخلاق، وعدم التفكير بحكمة، وبروز الانطواء على ضروب لاأخلاقية لاإنسانية.. في فهم ما يحصل للشعب السوري من موت يومياً؟

إنّ ما تكشفه الأقوال، وبصورة واضحة، هو بروز برغماتية منكفئة وأصولية عقائدية متشددة، واللأخلاق واللامسؤولية في قيادات الحرس الثوري، وتبعاً في رؤية المرشد الأعلى الخامنئي القريب من الـ 80 عاماً.. أقوال تبيعة لخطاب جهنمي كلياني، يهمين على عقول صناع القرار الإيراني، ويغسل صباح مساء أدمغة الحرس الثوري وعملاءهم في المنطقة العربية والخليج العربي.. للمشاركة في الملف السوري حاضراً، وغيره مستقبلاً.. خطاب مبادئه (تصدير الثورة).. (طهران أم القرى الشيعية)! تلكم التي خالفها اعتداليون علمانيون في إبّان الثورة الإيرانية كـ(بازرغان) الذي حذّر من الإسلام السياسي وهو من مؤسسي النظام، ومع ذلك أكلته الثورة كما أكلت صادق قطب زادة مناصر الخميني المعدوم أول الثورة.. كما أننا أمام كشف لتخبط النظام الإيراني أيضاً في التستر على فضائحه، حينما يضلل الرأي العام الإيراني بتوسيط وكالات الأنباء الرسمية التي تعنى بتخدير فهم المواطن الإيراني ضمن شعارات خادعة للزجِّ به في بؤرة النار في سوريا تحت عناوين طائفية ومذهبية.. والتي بدأت ابتدائياً ضد مظاهرات الشعب السوري السلمية تحت تهمة الحرس الثوري لها: (تظاهرات ضد محور مقاومتدر سوريه) (= المظاهرات المناهضة لمحور المقاومة في سوريا) و(توطئه آمريكائى ـ غربى بر عليه سوريه) (=المؤامرة الأمريكية- الغربية على سوريا).. وقد غطت صحف النظام، وعلى رأسها صحف الحرس، هذا التضليل الموجه إلى داخل النظام وخارجه.. بشكل غير مسبوق.

وبعد هذا كله، فهنا أسئلة اختتامية: لمَ لمْ يطرح اللواء المقتول ولا إشارة واحدة إلى عزيمة النظام الإيراني حرب تنظيم داعش، الذي- وفقاً لتكوّنه العقدي- يجب أن يكون العدو الأول لنظام خميني؟! لمَ لمْ يؤكد اللواء المقتول في الخطاب أن قتلى الحرس الثوري هم قتلى (الاستشارات العسكرية لنظام سوريا) كما اعتادت أسماعنا عليه في قناتي (العالم) و(الميادين)؟ لمَ لمْ يقل إن القتلى من الحرس الثوري هم قتلى (دفاع از حريم ولايت) (= الدفاع عن حرم الولاية)! كما يروج الإعلام الرسمي الايراني وإعلام الحرس الثوري المضلل بمختلف أنواع التضليل لتخدير وعي المواطن الإيراني كما قد سلف؟

المحصلة:

إن الأقوال تكشف لنا عن أمور جديدة؛ منها (منطق الوفاء البلطجي) لدى نظام ولاية الفقيه، وسذاجة الاستدلال- إن صحت الأقوال- في زجّ الحرس الثوري الإيراني وجباية العملاء من باكستان وأفغانستان ولبنان.. إلى معركة يصاغ فحواها الجهنمي للبسطاء تحت شعارات؛ منها: (دفاع از حريم ولايت = الدفاع عن حرم الولاية)، بمظاهر متعددة أبسطها اللطم والنوح وتطبير الرأس بعاشوراء والفتوى.. أو دعوى اقتراب داعش من حدود إيران، فالقتال معها يبدأ من الأرض السورية بالنيابة عن المواطن الإيراني، وهذا الأخير يطلق بالنسبة إلى تضليل النخبة الإيرانية!!

في حين أن دوال الخطاب الموجه إلى سوريا، والمكشوف في أقوال اللواء المقتول تشير إلى أمر خطير صارت تنتهجه إيران بلا شعور بالمسؤولية الدينية والأخلاقية والإنسانية، خلافاً لما عليها من مبادئ دينية ظاهرها السلام، رفعتها للعرب والغرب كما مر ذكره، علاوة على فضيحة الإعلام الإيراني المضلل والمخادع للمواطن الإيراني.. مع العلم أنه حتى هذه اللحظة استثنى تنظيم داعشُ نظام إيران عبر خطبة الخليفة المزعوم أبي بكر البغدادي المنشورة مؤخراً؛ إذ وجه المزعوم الواهم رأس الحربة إلى المملكة السعودية وتركيا..

وبهذا تبدو إيران القومية شبه رابحة حتى الآن في الملف السوري، وعلى حساب الدم العربي، وأهل السنة، والسذج من الشيعة بخاصة ذوي الجنسيات الباكستانية والأفغانية واللبنانية؛ لأنها تمكنت أن تبقي حدودها شبه آمنة إلى اليوم.. ومقتبل الأيام سوف تتغير النتيجة الحاضرة بكل تأكيد!