شيئان الكل يَفهم فيهما.. "الدين والسياسية"!

رُب قائل يقول: لماذا يتحدث الجميع في قضايا "الدين والسياسة" في فضاءات الإعلام، خاصة في السوشيال ميديا، ولا يتحدث الجميع في الهندسة مثلاً، أو الطب، أو غيرهما من التخصصات؟ هل أصبح الدين والسياسة ومجالات الإعلام مِهن من لا مهنة له؟ هل الدين والسياسة من البساطة بمكان ليتحدث بهما الجميع، أو يتسيد ويشتهر البعض من خلالهما؟

لا يكاد يخلو مجلس أو لقاء أو قضية تفاعلية عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو غيرها من مجالات الحياة النظرية والعملية، من وجود من يتحدث في موضوعات تخص هذين التخصصين، وهما من أشد المواضيع والقضايا فتكاً بالشعوب والمجتمعات، ويحتاج المتحدث بهما إلى الاختصاص في تفاصيل التفاصيل؛ لكي يصل إلى رؤية جزء من الصورة الحقيقية لما يجري؛ ليحكم أو يمارس أو يكتب أو يتحدث في موضوع من المواضيع والقضايا السياسية والدينية، فهو جزء ممن يُشكل الرأي العام.

من المؤكد أنك سمعت أو تحاورت أو اختلفت مع آخرين في خضمّ الحديث عن الأوضاع السياسية العربية، ومن المؤكد أنك قرأت مقالات متناقضة وسمعت تحليلات متباينة من هذا الطرف أو ذاك، ومن هذا الكاتب والكُتيب أو ذاك، ما يجعل القارئ غير المختص حيران في مَن يُصدق؟ وأي رأي يتبنى؟ أو على الأقل كيف يفهم حقيقة جزء مما يجري في بلده وبلدان المنطقة؟

يعود كل ذلك إلى اللاتخصص والفوضى التي يعيشها العالم العربي، فوضى في كل شيء؛ في الدين والسياسة والتخصصات ومنظومة القيم والمبادئ والمعايير.. إلخ.

فلا شك أن الشعوب العربية شعوب (سياسية) و(متدينة) بالضرورة؛ وذلك لأسباب تاريخية وجغرافية ودينية تُضاف إلى طبيعة المرحلة وطبيعة المنطقة والعادات والتقاليد فيها؛ ما يدفع الناس للحديث في السياسية والدين، ويَكاد لا يخلو مجلس عربي أو "غروب" سياسي واجتماعي من التطرق لحديث السياسة والدين؛ لأهميتهما في حياة الناس وتأثيرهما فيهم وفي مستقبلهم.

إلا أن الخطورة تكمن في قيادة غير المتخصصين للمجال السياسي والديني وحتى الإعلامي، لمجالات ليست من تخصصاتهم، هذا إذا أردنا أن نضع الشخص المناسب في المكان المناسب لنحقق شيئاً اسمه نهضة.

لماذا يُسمح لطبيب أو عسكري بقيادة دولة أو مؤسسة مؤثرة؟ هل الدولة أو تلك المؤسسة عيادة أم مؤسسة عسكرية؟ ألا يطلب ممن يحب المساهمة في نهضة الأمة أن يختص ليقدم إضافة نوعية تسهم في تقدمنا بدل الانشغال بالمظاهر المبالغ فيها، والتي تُعبر عن خواء داخلي يملؤه بإعجابات السوشيال ميديا أو الحديث بأمر العامة.

الإعلام اليوم أحد أهم الأداوات التي قد يُحدَّد من خلالها وعي شعوب بأكملها مستقبلاً، وينقذها من الضياع، ويختصر الزمن للخروج من عسر التحول الديمقراطي.

لو احتاج شخصٌ ما لإجراء عملية جراحية في ركبتهِ مثلاً، هل سيسمح بإجرائها من قِبل طبيب مُختص في العيون أو جراحة القلب؟! وإذا أراد شخصٌ ما السفر براً وعَلِم أن السائق مبتدئ وحائز شهادة مُزورة أو غير مختص في قيادة المركبة، هل سيُسافر معهُ؟ أعتقد أن الإجابة على هذه التساؤلات ستكون سلبية قطعاً، وإن كانت إيجابية فسيكون ضررها على شخص واحد أو عائلة واحدة أو مجموعة أفراد لا أكثر، لكن ما ينطبق عليها ينطبق على من يقود بعض الدول والمؤسسات عن طريق عسكريين أو أطباء أو مهندسين، أو من يقود توجهات ومشاريع تتسع في فضاءات الإعلام ولكن ليس لها أي مشروع على الأرض.

إن الكثير من الدول والشعوب في العالم تتجه يوماً بعد يوم نحو التخصص في مجالات الحياة كافة، بما فيها المجال الديني والسياسي وهما الأكثر أهمية في المنطقة العربية؛ وذلك من أجل إنجاز مهام وابتكار وسائل جديدة تَخدم المجتمعات والدول اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، وتتجاوز المشكلات والتناقضات التي لم تُحل إلا بِصِيغ تقبل التناقضات على المستويات السياسية والدينية والتعاقدات الاجتماعية، إلا أننا في العالم العربي المتأخر في كل شيء، نشاهد مراهقين في الدين والسياسة وغير مُتخصصين يتحدثون ويكتبون بما لا يفهمون وما لا يفقهون؛ من أجل حفنة من الإعجابات على وسائل التواصل الاجتماعي، بالرغم من وجود بعض الأشخاص من غير المتخصصين أكاديمياً مُبدعين، خاصة في المجال السياسي والإعلامي.

أخيراً، هناك مَثل عراقي يقول: "أعطِ الخبز لخبازه حتى لو أكل نصفه"، ويعني أن نعطي كل عمل لصاحبه حتى لو أخذ نصفه، فالمهم أن هناك إنتاجاً من الخبز حتى لو كان قليلاً، فهو أفضل من أن يحرقه كله، ويمكن قياس ذلك على السياسة العربية، والإعلام العربي، والحوارات العربية، والحروب العربية، ودين الأنظمة العربية.. إلخ.