• العبارة بالضبط

مقارنة فلسفية بين المسلمين والغرب

ماذا قدمنا نحن كمسلمين أو عرب؟ مقارنة بما قدمه الغرب، ابتداءً من حضارة وفلاسفة اليونان القديمة حتى الحضارة الغربية الحالية؟.

هذا التساؤل دائماً ما يكون في حالة من الشد والجذب بين تيارين مختلفين؛ الأول يرى بأننا أصحاب الفضل في أغلب المنجزات التي تنعم بها البشرية الآن، ويرى أيضاً بأننا نحن من وضع اللّبنات الأولى في كل العلوم.

أما الطرف الآخر فيرى بأننا ساهمنا بجزء يسير جداً، لا يتعدى موضوعات صغيرة في علوم مختلفه، بل وينسب ذلك إلى علماء مسلمين ليسوا عرباً أساساً!.

كتبت سابقاً، قبيل معركة تحرير الموصل، بأن المعركة أشبه ما تكون بصدام حضاري، بين مجموعة من الحضارات العالمية المتصارعة! الفارسية والإسلامية والغربية. وغير بعيد تقف كل من الكونفوشيوسية والأرثذوكسية أيضاً، وهذا التقسيم الحضاري تحدث عنه توينبي في مجلداته (دراسة التاريخ) وتنبأ به صامويل هنتغتون في أطروحته الجدلية (صِدام الحضارات).

سوف أتحدث هنا عن أحد المرتكزات الأساسية التي قامت عليها كل من الحضارة الإسلامية مقارنة بالغربية.

وكما يقول مالك بن نبي بأن (روح الحضارة) تجدها في (الأدب)، ولهذا سأذكر هذه المقارنة انطلاقاً من الروح الحضارية، والتي ربما تخفى على كثيرين، ولعلها تزيح بعض الغبار المتراكم عن حضارة عالمية كانت متسيدة أصقاع الأرض، وغابت شمسها لفترة ولا بد لها من إشراق مرة أُخرى.

إن أشهر رواية عربية هي روية (حي بن يقظان) والتي ترجمت إلى اللغة الإنجليزية في العام 1708 ميلادية، قابلها بعد ذلك بإحدى عشر سنة، أشهر رواية غربية، وهي رواية (روبنسون كروزو) لدانيال ديفو وتحديداً في العام 1719 ميلادي.

حي بن يقظان تعاقب على كتابَتها فلاسفة مسلمين ابتداءً بابن سينا ثم السهروردي وبعدها ابن طفيل (والتي سجلت باسمه)، وانتهاءً بالفيلسوف ابن النفيس.

هذه الرواية تحكي قصة طفل في المهد، وُجد في جزيرة مهجورة، التقطته ظبية كانت قد فقدت ابنها للتو، ورأت فيه بديلاً عنه، فاعتنت به وربته حتى بلغ سبعة أعوام، ثم ماتت بعدها، وأثّر موتها عليه أيّما تأثير، ومنذ الحادثة انطلقت رحلته في البحث، وبدأ بعدها في تمييز الاختلاف بينه وبين الحيوانات الأخرى في كل شيء سواءً في الأُمور الحسية أو غيرها.

فـ(حي بن يقظان) اسمٌ أُطلق على صاحب القصة في تعرفه على الله سبحانه من خلال مخلوقاته، فلقد وجد نفسه في جزيرة مهجورة منذ أن كان صغيراً. إنه تعبير حقيقي للإنسان البدائي مقابل الإنسان المتحضر. فمن خلال تفكر حي بن يقظان بهذا الملكوت عرف الله سبحانه وتوصّل إلى أن للكون خالقاً، فكان كل تفكيره منصباً في الماورائيات، أو الميتافيزيقية، وليس في عالم الحس، بل فيمن أوجد هذا كله، وكيف صنعه، ولأي غرض أوجده.

بعد هذه الرواية العربية الشهيرة بإحدى عشرة سنة، خرجت أشهر الروايات الغربية، روبنسون كروزو، لدانيال ديفو، وهي قصه مستوحاة من حي بن يقظان، ولكن الاختلاف في أن روبنسون وجد نفسه في جزيرة وهو رجل بالغ، كبير وعاقل، وقادم من حضارة كبيرة، رجل تحطمت سفينته في عرض البحر ووجد نفسه في تلك الجزيرة المهجورة، وبدأ كروزو يفكر في حماية نفسه من الوحوش، ثم بتأمين الطعام لنفسه، وبعدها في الخروج من الجزيرة. كروزو من مجتمع متحضر حسب تعبير (توينبي)، أما (حي بن يقظان) فهو بدائي، وعلماء الأنثروبولوجيا فرقوا بين الاثنين، وأن الأخير ليس صاحب حضارة ولا فلسفة، في حين تجسدت حضارة كروزو في الأمور المادية فقط، دون التفكر في الماورائيات، فحينما وجد كروزو في الجزيرة المجتمع البدائي، وجده متخلفاً، ومن آكلي لحوم البشر، والمطلع على الرواية، يلاحظ في أن الرجل المتحضر روبنسون كروزو أنقذ إحدى الضحايا والذي أسماه (فرايدي) أي جمعة لأنه وجده في يوم الجمعة، وكيف علمه كل شيء (مادي في الحياة).

يقابل هذه الحادثة ما حدث لحي بن يقظان بعد أن وجده أحد الرجال الذين خرجوا يبحثون عن الله في ملكوته، ووجد حي بن يقظان، وكيف أن هذا الرجل المتحضر علّم (حي) الكلام وغيره من أمور البشر، ولكنه تعلم منه التفكر في الله سبحانه وفي البحث في الماورائيات، وهذا ما تعلمه الرجل من حي بن يقظان.

هذا المقال ليس نقداً أدبياً لأشهر روايتين عالميتين، وإنما رد على من يزعم بأن العرب ليسوا أصحاب فلسفة ولا حضارة. فحي بن يقظان تعرّف على الله سبحانه من خلال التأمل، ثم الحس، والتجربة، وهذه مناهج علمية في البحث العلمي، في حين كان روبنسون كروزو يحاول تأمين نفسه، فلقد شغل نفسه في عالم المادة فقط، ومات غارقاً في فلسفة وضعية مادية، وهو ابن الحضارة والفلسفة كما يزعم.