تركيا وتزامن تحديات الشرق والغرب

يوم 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2015 كان يوم قمة الصراع التركي الروسي يوم انتهكت الطائرات الروسية الأجواء التركية دون إذن، وكان نصيبها الإسقاط وقتل طيارها، وبعد عام كامل يوم 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 كان يوم قمة الصراع التركي مع الغرب والاتحاد الأوروبي، يوم أن صوت البرلمان الأوروبي على تجميد المفاوضات مع تركيا على انضمامها للاتحاد الأوروبي بعد أطول مدة مفاوضات انضمام للاتحاد الأوروبي إطلاقاً، فقد امتدت لأكثر من نصف قرن، وفي نصف المسافة الزمنية من السنة الماضية تقريباً تعرضت تركيا لأعنف انقلاب عسكري في تاريخها، بالرغم ممّا مُني به من الفشل الذريع، وبفضل الله تعالى حولها إلى دولة تملك قرارها السياسي بعد الآن، وأن تكون قوية ومستقلة ولا تنتمي للشرق ولا للغرب، وإن دخلت في تحالفات دولية فمن أجل زيادة قوتها ومنعتها، وليس لحماية نفسها فقط، كما كانت في السابق.

تمكنت تركيا من دفع الخطر الروسي من خلال معرفتها بأن المستفيد من هذا الصراع الروسي التركي هي أمريكا والغرب فقط، فلا مصلحة لتركيا بالصراع مع روسيا ولا العكس، وقد كشف أحد المستشارين المقربين من الرئيس بوتين علم روسيا بأن قرار إسقاط الطائرة الروسية تم بقرار من البنتاغون، واستخدمت فيه خبرات حربية ورصد جوي أمريكي، وأن الطيارين المنفذين من سلاح الجوي التركي كانا من أتباع تنظيم فتح الله غولن، وقد تأكد ذلك بعد الانقلاب الفاشل ومحاولتهما الهرب بعد مشاركتهما في الانقلاب الفاشل بتاريخ 15 يوليو/تموز الماضي، ولكن الرئاسة التركية والحكومة لم تقبل هذه القراءة قبل الانقلاب، باعتبار أنها مسؤولة عن أي فعل يقوم به الطيران الحربي التركي؛ ولأن التحذيرات التركية كانت قد صدرت من قبل إسقاط الطائرة بتحذير الروس بعدم اختراق الأجواء التركية، فالحكومة التركية كان لديها حججها وأدلتها على الانتهاك الروسي للأجواء التركية، ولكنها لم تكن لتتخذ هذا القرار ضد دولة صديقة مثل روسيا، وهذا ما لم يتوقعه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولذلك اعتبر إسقاط الطائرة طعنة في الظهر، وهذا ما دفع الرئيس التركي لتقديم كافة أوجه العزاء والاحترام لعائلة الطيار الروسي القتيل وللشعب الروسي، والسعي لحل الخلاف التركي الروسي بكل السبل وبأسرع وقت، ومع زوال غضب الرئيس بوتين المبالغ فيه في حينه، كان من الطبيعي أن تعود العلاقات التركية الروسية إلى أحسن ممّا كانت؛ لأن الاقتصاد الروسي تضرر أيضاً.

وقد ساعد تركيا اكتشاف القيادة الروسية غدر البنتاغون بها بعدم التزام البنتاغون الأمريكي بتنفيذ الاتفاق الذي وقعه وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، مع نظيره الروسي لافروف بتاريخ 2016/9/10 بوقف الأعمال العدائية في حلب، وامتناع البنتاغون استهدف ثلاثين ألفاً من المعارضة السورية المختلف عليها دولياً، والمتفق على أنها إرهابية بين أمريكا وروسيا وبالذات جيش الفتح، فاعتبرت روسيا ذلك غدراً بها، وأنها بعد ذلك لا تتوقع التعاون العسكري مع أمريكا، وحيث إن إيران وكل مليشياتها الإيرانية والعربية التابعة لها عاجزة عن مساعدتها في حل الأزمة الروسية، أو إنقاذها من أزمتها في سوريا، توجهت القيادة الروسية إلى الحكومة التركية باحثة عن المساعدة، فكان من ذكاء بوتين استغلال سقوط شعبية أمريكا والغرب في تركيا، ليحصد علاقات روسية تركية قوية، قد ترقى إلى درجة التحالف في المستقبل، وبالأخص بعد أن توجهت الدعوات لتركيا لدخول منظمة شنغهاي للأمن والتعاون الدولي، والتي تضم روسيا والصين على قائمة الدول المؤسسة لها.

على هذا الأساس من العلاقات التركية مع روسيا والصين وعدد من دول العالم جاء قرار البرلمان الأوروبي مع تركيا ليزيد الطين بلة كما يقال، ولذلك لم يجد من ردود الأفعال التركية الرسمية إلا الأسف أن يصل تفكير البرلمانيين الأوروبيين إلى هذا المستوى من العنصرية، ومن الكراهية الأيديولوجية للهويات الثقافية المختلفة عنهم، فلا يوجد مبرر لذلك القرار بتجميد مفاوضات تركيا مع الاتحاد الأوروبي بعد خمسة عقود إلا المواقف العنصرية البغيضة المنتشرة في أوروبا وأجواء أحزاب اليمين المتطرف والإسلاموفوبيا، فالأسباب الأوروبية واضحة ولا تستطيع إخفاءها بحجة انخفاض الديمقراطية في تركيا، أو وجود اعتقالات للمواطنين، لأن تركيا خارجة من عملية انقلاب دموي قبل أربعة أشهر فقط، وقد قتل الانقلابيون المئات وسفكوا دماء الآلاف من الشعب التركي، وداست الدبابات المواطنين المدنيين في الشوارع في مشاهد رهيبة وصادمة، فكيف يمكن توقع ردود أفعال الشعب التركي، والحكومة المنتخبة من قبله والمؤتمنة على حمايته، فأي دولة في العالم ترد على عملية انقلاب دموي بغير اعتقال الانقلابيين والتحقيق معهم وسجن وطرد من يثبت إدانتهم قضائياً، لذا من العار أن تدافع بعض الدول الأوروبية عن الانقلابيين أو تدافع عن عناصر حزب العمال الكردستاني، الذين يتبنون العمليات التفجيرية الإرهابية في المدن التركية منذ سنة ونصف، وقد قتلوا المئات من الشعب التركي ومن كل قومياته بما فيهم الأكراد أيضاً.

إن تركيا أمام إصلاحات داخلية كبيرة تعالج مخلفات الانقلاب الفاشل، وهذا حال كل دولة تتعرض لانقلاب في العالم، وسواء نجح الانقلاب أو فشل فإن له تداعيات، وتركيا اليوم أمام تداعيات انقلاب داخلي أولاً، وتحديات توازنات خارجية من الشرق والغرب ثانياُ، وقد تزامنت مع بعضها بعضاً، فتركيا لم تكن بحاجة إلى مزيد من المتاعب الخارجية مع الاتحاد الأوروبي، ولذلك يمكن اعتبار قرار البرلمان الأوروبي وإن كان غير ملزم قانونياً للاتحاد الأوروبي أنه جاء في الوقت الخاطئ بالنسبة للشعب التركي، ففيه استغلال لانشغال تركيا في مشاكلها الداخلية والخارجية، وكأن البرلمانيين الأوروبيين الذين صوتوا إلى جانب التجميد يقولون لأعداء تركيا نحن معكم ضد حكومة العدالة والتنمية.

إن محاولة الخارج الغربي التخريب على الإصلاحات الداخلية في تركيا ستكون ضعيفة جداً، لأن 84% من الشعب التركي لا يثقون بالأوروبيين، بحسب استطلاعات الرأي الأخيرة في تركيا، فمعظم الأتراك يرون أن الأوروبيين غير جديرين بالثقة، و90% من نسب الاستطلاع في تركيا تقول ذلك نحو أمريكا أيضاً، وبالأخص بعد الانقلاب الفاشل، ولذلك فإن مراهنة الأوروبيين أو مراكز الدراسات الأمريكية على دعم المعارضة التركية المتآكلة سوف يُخسر الغرب أكثر وأكثر، والأولى لهم بدل ذلك أن يسارعوا في صداقة الشعب التركي ودعم قراره الانتخابي بغض النظر عن الحزب الذي يدعمه، سواء كان حزب العدالة والتنمية أو غيره، وإلا فإن طريق الشرق مفتوح على تركيا على مصراعيه، سواء في العلاقات التركية الروسية الثنائية أو العلاقات مع دول أوراسيا أو تحالف منظمة شنغهاي، وهذا يعني أن على دول الغرب أن تأخذ تهديدات الرئيس التركي أردوغان على محمل الجد، فما لم تعامل الدول الأوروبية تركيا معاملة الند بالند، فإنها ستواجه موجة لجوء عارمة، والأشد خطراً أنها ستواجه موجة إرهاب أكبر من الذي واجهته من قبل، لأن التعاون التركي في كل المجالات مشروط بالتعاون المقابل، فلن تقدم تركيا تعاوناً مع الغرب وهي لا تجد جواباً ولا تجاوباً يرضي شعبها.