ريف تعز.. حكاية لمآسٍ أخرى لم تنتهِ بعد!

مثلما عانت تعز المدينة من ويلات الحرب التي فرضتها مليشيات الحوثي وصالح، والدمار الذي طال أحياءها، لم يكن مستبعداً أن يصل القادمون من كهوف ما قبل التاريخ إلى ريف تعز لخوض معركة مع الأرض والإنسان هناك، وهو ما لم يتوقعه كثيرون رأوا أن ريف تعز سيبقى بعيداً عن الحرب، وسيبقى خاضعاً لمن يسيطر على المركز، سواء مركز المدينة أو مراكز المديريات.

في ظل عصابة لا تؤمن إلا بقوة السلاح منذ أول يوم أعلنت فيه عن نفسها، ومن خلاله أسقطت صنعاء ومدناً أخرى، إضافة إلى استخدام سياسة التهجير القسري للمواطنين، وتفجير مساكنهم في مراحل توسعها، كان من البديهي أن تفعل هذه العصابة ما لم يفكر فيه الشيطان.

البداية كانت مع مديريات الساحل، وعلى وجه الخصوص مديرية الوازعية، التي تعرضت لتهجير قسري شمل معظم سكانها بعد سقوطها بيد المليشيات، وممارسة أعمال انتقامية بحق المواطنين، وبساطتهم السمراء التي تتسع للجميع دون عنصرية أو تمييز، فكان قدرهم أن يرحلوا للبحث عن حياة في زمن الموت والموت فقط.

شريان تعز الوحيد فتح شهية الحوثيين للانقضاض عليه، وفرض حصاراً على"المستوطنات والمستوطنين الذين تدعمهم تل أبيب" من وجهة نظر إيرانية، وكانت المعركة في قرى جبل حبشي التي تقع غرب تعز، إذ شنت مليشيات الحوثي وصالح هجوماً على قرى المنطقة بغية تحقيق مكاسب عسكرية تمكّنها من تشديد حصارها على تعز، لكنها فشلت في ذلك بقدر ما نجحت في تدمير مساكن وممتلكات المواطنين هناك.

في أواخر العام الماضي بدأت المليشيات توسّعها الجغرافي في ريف تعز بشكل غير مسبوق؛ في محاولة للتضييق على المقاومة عبر طرق فرعية، بعد عجزها عن إحراز تقدم في المدينة نفسها، وكانت حيفان أولى المديريات الريفية التي اقتحمتها المليشيات، ومارست فيها أعمالاً انتقامية بحق السكان، إضافة لاضطرار الأهالي للنزوح بعد أن أصبحت منازلهم مسرحاً للعمليات العسكرية.

حاولت المليشيات الوصول إلى الطريق الذي يربط مدينة تعز بمدينة عدن عبر مناطق ريفية تقع غربي المدينة، ونجحت في السيطرة على مديرية المسراخ، والوصول إلى هذا الطريق بعد تحويل المنطقة إلى ثكنة عسكرية، وقبل أن تنسحب من المنطقة تحت وطأة ضربات رجال المقاومة والجيش زرعت آلاف الألغام، التي لا تزال تشكل خطراً مستقبلياً على المدنيين في هذه المناطق.

زراعة الألغام وتهجير المواطنين في ريف تعز شمل أيضاً عزلتي الأحكوم والمقاطرة، عقب سقوط مديرية حيفان في قبضة المليشيات، وهو ما مهد لهم التوغل في قرى الريف التعزي، وممارسة الانتهاكات الجسيمة بحق المواطنين، بعيداً عن عدسات الكاميرات وتغطيات وسائل الإعلام التي كشفت كثيراً من همجيتهم في مدينة تعز، وغابت قسرياً عما يحدث في ريف المدينة الموجوعة.

تدفع المليشيات بكل قواها إلى ريف تعز؛ في سبيل قطع الشريان الوحيد الذي يصل تعز بمدينة عدن؛ لتحظى بلقب "قطاع طرق"، لكنها فشلت فشلاً ذريعاً، وانعكس هذا الفشل على هيئة ألغام توزع على الطرقات، ودمار يطول الممتلكات، وتهجير قسري للمواطنين في وضح النهار، كما حدث في مديرية الصلو جنوب شرقي تعز، في مشهد لن تجده إلا في أفلام وثائقية قديمة لنازحين فلسطينيين يغادرون قراهم عام 48.

تهجير المواطنين من منازلهم تتحدث عنه الأرقام التقريبية التي رصدها عدد من الناشطين، إذ بلغ عدد الأسر التي جرى تهجيرها قسرياً من قبل مليشيات الحوثي وصالح في مديرية الوازعية فقط أكثر من 4000 ألف أسرة، فضلاً عن أكثر من ألف أسرة تم توثيقها في قرى الصلو وحيفان من قبل هؤلاء الناشطين، وهذه الأرقام المفزعة تكشف -بما لا يدع مجالاً للشك- حجم المعاناة التي يعانيها أبناء ريف تعز مع إخوانهم في المدينة منذ عام ونصف، اللافت فيها كان غياب الحكومة الشرعية عن معاناتهم، التي لا تزال ترافقهم طوال الوقت.