هل تمارس فصائل الثورة التخطيط الاستراتيجي؟

تابع الكثير منا أحداث الثورة السورية منذ بدايتها، ورأى تطورات الساحة السورية وتقلباتها، والمهتم عرف الكثير عن تفاصيلها ودقائقها، إلا أن القليل القليل مَن حاول وضع توقعات واحتمالات نسبية مدروسة لما ستكون عليه الساحة مستقبلاً.

وقد رأينا بعض الفصائل، وخاصة على مستوى القيادة، يسعون إلى مثل ذلك، ورغم أننا لم نتأكد من أن فصيلاً معيناً عنده خطة استراتيجية حقيقية معتمدة على أسسٍ علميةٍ لكن متابعة الأحداث، والنظر الدقيق في سلوك هذه الجماعات، وبيانات قياداتها وإصداراتهم، أظهر لنا أموراً كثيرة تدل بشكل واضح جداً على استقصائهم للاحتمالات المتوقعة، وكيفية التعامل مع الأحداث المحتملة إن حصلت.

وإذا كان هذا الأمر يبدو خجلاً باهتاً عند بعضهم بسبب ارتباطهم بداعمين يمارسون ضغوطاً معينة عليهم تمنعهم من صياغة استراتيجية نابعة من ذاتهم والاستمرار عليها، فإن جبهة فتح الشام أثبتت لكل متابع تحرّرها من كل الضغوط، واستقلال قرارها الكامل، حتى عندما كانت فرعاً لتنظيم القاعدة في الشام، وما قدّمته من قرارات ومشاركات للفصائل في الإدارت والمعارك وسرعة اتخاذ تلك القرارات يثبت ذلك.

ولا يأتي هذا السلوك بهذه الطريقة الواضحة إلا أن يكون نابعاً من استراتيجية مسبقة بيّنة.

وأعرض هنا تلك الاستراتيجيات كي أزيد الأمر وضوحاً وبياناً ويستوعبه كل قارئ.

أولاً: تشكيل جيش الفتح.

عند الرجوع إلى تفاصيل معركة تحرير إدلب وبداياتها تعرف أن من حضّر لها وقام بالاستطلاع من أجلها هم جند الأقصى، وقد أدركوا أن المعركة تحتاج قوة كبيرة، فتواصلوا مع العسكريين في جبهة فتح الشام، وأطلعوهم على تفاصيل استطلاعاتهم، فما كان من الجبهة إلا دعوة عدد من الفصائل المعتبرة في الساحة للمشاركة في العمل؛ وذلك لسببين:

الأول أن المعركة تحتاج حقاً قوة كبيرة، ولو أن الجبهة والجند قاموا بها وحدهم لتطلب ذلك وضع طاقات الفصيلين كاملة في هذه المعركة.

أما الثاني فهو استغلال هذه المعركة ومكانة المدينة المعنوية عند العديد من الفصائل المشاركة في تقريب الجماعات من بعضها، وتشاركها في المأكل والمشرب والمبيت والرصاصة والجرح والنزيف والإسعاف.... إلخ؛ حتى يشعر كل مقاتل أن المجاهدين من جماعته والجماعات الأخرى إخوته من أمه وأبيه، وتزداد المحبة بينهم حتى تتجاوز المحبة بين الإخوة.

وقد نجحت هذه الاستراتيجية نجاحاً متميزاً، تدل عليها الإنجازات اللاحقة لجيش الفتح في فترات وجيزة متقاربة؛ من تحرير جسر الشغور، إلى أريحا، والمسطومة، والقرميد، وغيرها.

ثانياً: فك الارتباط بتنظيم قاعدة الجهاد.

يظن عدد من المحللين ويزعمون أن فك الارتباط بالقاعدة جاء متأخراً، وأن الجبهة اضطرت إليه اضطراراً بسبب ضغط الفصائل عليها، وأنه لم يكن واحداً من الاحتمالات المطروحة عند قيادة الجبهة أبداً، والحقيقة غير ذلك تماماً، يدلك عليها أمران واضحان يعرفهما كل الناس.

الأول أن الجبهة منذ بداية تشكيلها لم تعلن ارتباطها بأي تنظيم، وإنما ركزت وحافظت على الهدف من وجودها، وقرنته باسمها وهو نصرة أهل الشام المستضعفين، ولما بايعت قيادتها تنظيم القاعدة كان غرض المبايعة المحافظة على هذا الهدف والمشروع، وعدم الانحلال في مشروع بعيد عنه يهدف إلى التسلط على الناس، ولا يأبه بمعاناتهم، وقد أدرك كل عاقل متابع للتطورات حكمة هذه الخطوة، وبعد نظر من قام بها، وهي خطوة لها أجل محدد عند القيادة منذ الإعلان عنها، ولكنه أجل مرتبط بتطورات الأحداث، وزيادة وعي المجاهدين في كل الجماعات حتى يصل للمستوى المطلوب.

أما الثاني فهو حصول فك الارتباط حقاً عن القاعدة، وإن بدا ذلك كما ذكرت اضطراراً وإرغاماً، لكن الأمر في تخطيط القيادة غير ذلك، فقد استطاعت قيادة جبهة فتح الشام تعظيم هذا الأمر، وهو مهم إلى درجة كبيرة، حتى جعل البعض يقول: إن فك ارتباط الجبهة بالقاعدة معناه فناؤها.

فمن أجل ذلك صار حصول هذا الأمر مقروناً بأمر عظيم يقابله، وهو ما كان الشيخ المحيسني وغيره من علماء الساحة يلحّون عليه في دروسهم وبياناتهم؛ وهو التوحد والاندماج، وقد وصل الأمر عند الكثير واستقر في نفوسهم أن الاندماج نتيجة حتمية لفك الارتباط، فجاء هذا الأمر في وقته وزمانه، وليس زمان آخر يناسبه أكثر من الوقت الذي أعلن فيه، فقد توافقت عليه وتداعت إليه قيادة القاعدة، وقيادة الجبهة، والنسبة العظمى من عناصرها، بالإضافة إلى الجماعات الأخرى المجاهدة في الشام، فأي وقت أنسب من ذلك؟ هذا وغيره من القرارات كما ذكرت سابقاً يدلك دلالة واضحة على وجود استراتيجيات دقيقة لدى جبهة فتح الشام، ودراسة عميقة للساحة والظروف الدولية من أجل الحفاظ على الجهاد الشامي أميناً راشداً بعيداً عن الإفراط والتفريط والغلو والانبطاح، حتى يأذن الله بتوحد المجاهدين جميعاً، وهذا ما سيحصل إن شاء الله تعالى، أما الحديث عن استرتيجيات فتح الشام القادمة فأتركه لحديث آخر بإذن الله عسى أن يكون قريباً.

*كاتب سوري