انقلاب غولن وأمريكا.. وشهد شاهد من أهلها

إن الأدلة على تورط أمريكا بانقلاب يوليو/ تموز 2016 في تركيا كثيرة، وقد بدأت تظهر في الساعات الأولى من وقوع الانقلاب، وقبل التأكد من فشل الانقلاب بإعلان السفارة الأمريكية في أنقرة بأن ما يجري في تركيا هو انتفاضة ضد الأوضاع القائمة، وطالبت رعاياها في تركيا بعدم الخروج من منازلهم، ثم جاءت مواقف الحكومة التركية بقطع التيار الكهربائي عن قاعدة إنجيرليك ليلة الانقلاب، مثيراً للدهشة والغرابة..

حيث إن القاعدة الواقعة جنوب تركيا هي قاعدة تستخدمها القوات العسكرية الأمريكية، ثم جاء قرار وقف نشاطها لأسبوع ليضيف أدلة على أن الحكومة التركية لديها إثباتاتها على تورط القاعدة العسكرية بأعمال حربية مؤيدة للانقلابيين، وأن الجنرالات الأمريكيين فيها كانوا على علم بما يجري في القاعدة وتركيا؛ لأن القاعدة تخضع لمراقبة أمنية واستخباراتية أمريكية دقيقة، وأخبار تحرك الطائرات من قاعدة إنجرليك تناقلتها وكالات الأنباء في ليلة الانقلاب، وهو ما جعل وزير الخارجية الأمريكية، جون كيري، يطالب الحكومة التركية بعد ساعات من وقوع الانقلاب بالامتناع عن اتهام أمريكا بالضلوع في عملية الانقلاب، وحذر من أن ذلك سوف يضر بالعلاقات التركية الأمريكية، وبالأخص بعد تأكده من فشله، والتحجج بما قد يسيء إلى العلاقات بين البلدين مقبول.

ولكن الأخطر منه ما قد يحمله اتهام أمريكا بالمشاركة في الانقلاب أو قيادته من مسؤولية أمام القضاء الأمريكي، فلو تم توجيه اتهام رسمي لها بالضلوع في مؤامرة الانقلاب مع جنرالات أمريكيين في المخابرات أو الجيش الأمريكي، فإن ذلك سوف يرتب محاسبة قانونية، وبالتأكيد كان يمكن أن تطول وزير الخارجية نفسه، وهو ما سوف يكشفه المستقبل، وبالأخص بعد رحيل إدارة أوباما أيضاً.

وقد تكررت المطالبات الأمريكية الرسمية للحكومة التركية بعمل ما تستطيعه لنفي الاتهام عن ضلوع أمريكا بالانقلاب، سواء جاء الطلب على لسان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، أو السفارة الأمريكية في أنقرة، أو المتحدثين الرسميين الأمريكيين.

فالمتحدث باسم الخارجية الأمريكية جون كيربي قال، في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني: "إنّ الأغلبية الكاسحة في وسائل الإعلام التركية لم تفعل شيئاً لتغيير التصور الحاصل لدى الشارع التركي حول ضلوع الولايات المتحدة الأمريكية في محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في تركيا منتصف تموز/ يوليو الماضي".

وأوضح كيربي، في مؤتمر صحفي عقده في مقر الوزارة بالعاصمة واشنطن، أنّ بلاده "بريئة من هذه التهم الموجهة إليها، وأنها علمت بمحاولة الانقلاب عبر وسائل الإعلام كغيرها من باقي الدول العالمية".

وقال: "لا أعلم كيف وصل الشارع التركي إلى قناعة بضلوع الولايات المتحدة الأمريكية في محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في بلادهم، غير أننا نعتقد بوجود جهات تسعى لزرع مثل هذه الأفكار في عقول المواطنين الأتراك، فالولايات المتحدة الأمريكية بريئة تماماً من هذه العملية".

هذه القناعة التامة لكيربي لا يوافق عليها المحلل الأمريكي الشهير دافيد غولدمان، الذي اتهم دوائر في الإدارة الأمريكية وأجهزة الاستخبارات بدعم محاولة الانقلاب الفاشل في تركيا في يوليو/ تموز الماضي، داعياً الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة دونالد ترامب إلى "تبني سياسة جديدة مع تركيا تخالف سياسة الإدارة الحالية التي قد تتسبب في خروج تركيا من التحالف الغربي والتوجه نحو روسيا".

وقال غولدمان: إن "الضجة التي ثارت حول مقال الجنرال مايكل فلين التي دعا فيها الولايات المتحدة إلى الاهتمام بوجهة النظر التركية، أثارت عاصفة قذرة من الاتهامات من جانب أنصار غولن في الإعلام الأمريكي، وعلى رأسهم مايكل روبين ونوا روثمان".

وأضاف أن لفتح الله غولن أنصاراً أمريكيين في السياسة، وبعضهم تم شراؤه بالمال، مثل هيلاري كلينتون، التي تبرع لها أحد أكبر أتباع غولن لحملتها الانتخابية، وكانت تطلق على غولن "صديقي الداعية".

وتابع غولدمان أن "لفتح الله غولن لوبي في أجهزة الاستخبارات الأمريكية، على رأسهم رئيس محطة وكالة الاستخبارات السابق في أفغانستان غراهام فولر، الذي يعد من أكثر المدافعين حماساً عن غولن، ويروج له أنه صوت الإسلاميين المعتدلين الذين يجب أن تتبناهم الولايات المتحدة".

وعلى الرغم من استبعاد الكاتب الأمريكي غولدمان أن "يكون البيت الأبيض قد دعم محاولة الانقلاب في تركيا"، فإن ذلك لا ينفي تورط جون كيري بمعرفته بالانقلاب، بدليل إسماعه- أي جون كيري- مستضيفيه الروس ليلة الانقلاب، وقد كان موجوداً في موسكو تلك الليلة، بأن "عمر نظام أردوغان يعد بالساعات"، وإن لم يصرح لهم بذلك، بحسب ما ذكره مقربون من مركز القرار الروسي في موسكو، ولذلك كان كيري من أكثر المصدومين والمستائين من فشل الانقلاب، وكان أكثر المسؤولين الأمريكيين تخبطاً وامتعاضاً في التعامل مع نتائج فشل الانقلاب في الأيام الأولى له.

ومحاولة بعض المحللين، ومن ضمنهم غولدمان، ربط الانقلاب بتحسن العلاقات التركية الروسية، وبالأخص في مجال خطوط النفط والطاقة والسيل التركي من الشرق إلى الغرب، لا يعتبر سبباً رئيسياً يبرر لأمريكا قيامها بتدبير هذا الانقلاب أو دعمه، كما لا يجوز اعتبار التقارب التركي الروسي نتيجة لهذا التخبط الأمريكي في العلاقة مع تركيا، فهذه أسباب ونتائج جزئية، وأما السبب الرئيسي فقد كشف عنه موقف السكرتير السابق لوزارة الدفاع الألمانية النائب السابق لرئيس منظمة التعاون والأمن الأوروبية، ويللي ويمّير، الذي أدلى بتصريحات مهمة، تناول فيها الأسباب التي أدت- بحسب رأيه- إلى محاولة الانقلاب ضد أردوغان، بقوله: إن "السبب الكامن خلف محاولة الانقلاب ضد أردوغان هو عدم انصياع الأخير للغرب"، وفي رأيه أن عدم انصياع أردوغان للغرب "أدى إلى عدم ارتياح في الجانب الأوروبي، ومن ثم اللجوء إلى محاولة انقلاب ضدّه كحل أخير".

ويرى ويمير أن "تحرّك أردوغان بشكل مستقل عن الولايات المتحدة الأمريكية في السنوات الماضية، وقيامه بعمليات مهمة في المنطقة، أثرت بالولايات المتحدة الأمريكية بشكل كبير"، والقضية ليست شخصية مع أردوغان وإنما مواقف أردوغان السياسية، في السياسة الخارجية والداخلية معاً.

وفي نظر محللين آخرين فإن المخابرات الأمريكية، وفي محاولة منها لمعالجة ذلك، حاولت أن توجد حركة إسلامية بديلة لحزب العدالة والتنمية، تتجاوب مع تطلعات الشعب التركي داخلياً، ولكنها تخضع في سياستها الخارجية للمخابرات الأمريكية ولغطرسة الاتحاد الأوروبي، وقد وجدت أمريكا وبعض دوائر المخابرات الأوروبية ضالتها في حركة فتح الله غولن، ولكن خاب مشروعها داخل تركيا أولاً، وهو ما جعلها تتحرك ضد تركيا خارج تركيا ثانياً، كما حصل في قرار البرلمان الأوروبي مؤخراً بتجميد مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.

ويرى البعض احتمال أن يكون لروسيا دور مهم في فشل الانقلاب في تركيا أيضاً، لأن القيادة الروسية ضد حركة غولن أيضاً، وضد وصولها إلى السلطة، وقد أغلقت الحكومة الروسية مكاتب حركة الخدمة في روسيا قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، فكان ذلك في عقد التسعينيات من القرن الماضي، لأنها وجدت فيها خطراً على الأوضاع الداخلية في روسيا، وربما كان لمعرفة المخابرات الروسية بعلاقة فتح الله غولن بالمخابرات الأمريكية ما يثير مخاوف موسكو من وصولها إلى السلطة في تركيا بأي شكل كان.

إن وجهة نظر ويمّير الألماني لم تتجاهل البعد الاقتصادي وخط الغاز الطبيعي الذي أبرم بين تركيا وروسيا، ولكن الأهم هو أن تركيا بقيادة أردوغان وحزب العدالة والتنمية أصبحت تؤدي دوراً مستقلاً عن الغرب في العديد من القضايا في المنطقة، وأمريكا وحلف الأطلسي لا يريدون من الأتراك أن يكونوا شركاء في التخطيط لمستقبل المنطقة، ولا لمستقبل تركيا أيضاً، وإنما أدوات تنفيذ فقط، وهو ما لم توافق عليه حكومة العدالة والتنمية، أي إن المشكلة من وجهة نظر الغرب هي أن تركيا أصبحت دولة مستقلة في قرارها السياسي عن الغرب، وهذا موقف خاطئ، لأن استقلال تركيا عن الغرب لن يجعلها خاضعة لروسيا أيضاً، سواء دخلت منظمة شنغهاي بكامل العضوية أم لا.

فالشعب التركي شعب موحد، ويملك مشروعه الخاص في البناء والنهضة، وقد وجد في حزب العدالة والتنمية وقيادة أردوغان مبتغاه بعد عقود من التيه والضياع في أحلاف الشرق والغرب، ولذا فإن التحليل الذي قدمه دافيد غولدمان هو شهادة أمريكية داخلية ينبغي أن تجعل الإدارة الأمريكية القادمة أكثر احتراماً لإرداة الشعب التركي واستقلاله السياسي أولاً، وعدم المراهنة على الحركات الانقلابية بعد الآن، مهما كانت هويتها الأيديولوجية أو السياسية.

اقرأ أيضاً :

تركيا وتزامن تحديات الشرق والغرب